الخطبة بعنوان شهر صفر بين الجاهلية والإسلام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 25 محرم 1448هـ الموافق 10 يوليو 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استعرض الخطيب خصال الجاهلية التي نهى الإسلام عنها كالفخر بالأحساب والنياحة والاحتجاج بالقدر، وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى تأثير العدوى والطيرة بنفسهما، مؤكدًا أن الله خالق الأسباب والمسببات، وأن الأخذ بالأسباب كفرار المجذوم لا ينافي التوكل على الله.
أوضح المقطع أن الشرع نهى عن الطيرة والتشاؤم بالطير أو الأصوات أو الأيام، مبينًا أنها لا تؤثر في جلب نفع أو دفع ضر، وأن الاعتقاد بتأثيرها يُعد شركًا أكبر أو أصغر حسب حال المعتقد، مؤكدًا أن العلاج هو التوكل على الله والمضي في الأمور دون صدود.
بين المقطع أن النبي ﷺ نفى التشاؤم بالهامَة (البومة) وبشهر صفر، مبينًا أن هذه من خرافات الجاهلية التي تخدش الإيمان والتوكل على الله، وحذر من تأخير الأعمال أو الزواج بسبب التشاؤم بصفر، مستشهدًا بموقف المعتصم الذي توكل على الله وفتح عمورية.
تضمن المقطع دعاءً يطلب فيه المتكلم من الله تثبيت أقدام المؤمنين، وربط قلوبهم، وتسديد رميهم، ونصرهم على الأعداء، وجعل عتادهم غنيمة للإسلام والمسلمين، واختتم بالتسبيح والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من مقاصد الشريعة التحذير من كل نقص، وهو الدعوة إلى كل كمال بشري، ومن ذلك ما جاءت به الشريعة من التحذير عما كان عليه أهل الجاهلية. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ساببت رجلًا فعيرته بأمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، أي فيك خصلة من خصال أهل الجاهلية التي لا ينبغي للمسلم أن يتصف بها. وهكذا خالفت الشريعة كثيرًا من الأمور التي كان عليها أهل الجاهلية من الفخر بالأحساب، والطعن بالأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت، والاغترار بالكثرة واعتبارها الميزان في معرفة الحق من الباطل. وهكذا كذلك الاحتجاج بالقدر على المعايب والأخطاء، وهكذا اعتقاد عدم السمع والطاعة لولاة الأمور، وغير ذلك مما كان عليه أهل الجاهلية. ففي صحيح الإمام مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركنهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت». ولذلك عباد الله جاءت الشريعة كذلك بمخالفة أهل الجاهلية فيما كانوا يتوهمون فيه من الأمور التي لا حقيقة لها، فيجعلونها سببًا في حدوث الحوادث أو في جلب النفع أو دفع الضر. ومن ذلك اعتقاد حدوث العدوى بنفسها، أو التطير والتشاؤم بأيام أو شهور أو غير ذلك من الأصوات أو المرئيات. قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون للعدوى تأثير بنفسها، كما كان يعتقد أهل الجاهلية أنها تؤثر بنفسها دون قدر الله وفعل الله سبحانه وتعالى. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «لا عدوى». وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم -أو قبل ذلك- حين أخبر بأنه لا يعدي شيء شيئًا، قال أعرابي: يا رسول الله، إنا نرى النقبة من الجرب تكون في مشفر البعير أو في ذنبه، في البعيرة، في البعير الصحيح فتجرب كلها. فقال عليه الصلاة والسلام: «فمن أعدى الأول؟» أي: هذا المصاب بالجرب من أين أتاه ذلك إلا بفعل الله وبأمر الله سبحانه وتعالى. ثم كون الشر أمر بالأخذ بالأسباب، وأنه ينبغي للمسلم أن يبتعد من أسباب الشر ومن أسباب الأذى، كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يورد ممرض على مصح»، وقال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، وقال: «إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تقدموا عليه». لا ينافي ذلك نفي العدوى وتأثيرها بنفسها، وأن إنما المراد من ذلك هو الأخذ بالأسباب. فالله عز وجل خالق الأسباب والمسببات. فإن القرب من المريض قد يكون سببًا في انتقال العدوى بأمر الله سبحانه وتعالى، فأمر الشرع أن يأخذ المسلم بأسباب العافية وبأسباب السلامة، كما أنه مأمور ألا يلقي نفسه في الماء فيغرق ويهلك، أو يلقي نفسه في النار أو تحت الهدم مما يكون سببًا في موته وهلاكه. كذلك أيضًا لا يقترب من المجذوم، فإن ذلك قد يكون سببًا في انتقال هذا المرض إليه، وكل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولا طيرة»، أي لا تشاؤم بالطير. وقد كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا أو أراد أمرًا من الأمور أخذ طيرًا فرماه، فإن ذهب إلى جهة اليمين تفاءل وأقدم على ما أراد، وإن ذهب إلى جهة الشمال ترك ذلك، ويسمون ذلك: ما ذهب إلى اليمين بالسانح، وما ذهب إلى الشمال بالبارح، وما جاء من الأمام بالناطح والنطيح، وما جاء من الخلف بالقاعد والقعيد. فكان أصل التطير هو التطير بالطير، ثم كذلك عم ذلك كل ما كان فيه تشاؤم بمسموع أو مرئي أو معلوم، فإن الشرع ينهى عن ذلك كله، أن يتشاؤم المسلم بشيء يراه، كان يتشاؤم برؤية أعرج أو برؤية أعمى أو برؤية طائر من الطيور أو حيوان من الحيوانات، أو قد يتشاؤم بصوت يسمعه كصوت الغراب، أو كذلك صوت نباح الكلاب، أو نهيق الحمير، أو غير ذلك من الأصوات، أو كذلك قد يتشاؤم بأمر معلوم من أيام أو شهور كشهر شوال، أو كشهر صفر، أو كيوم الأربعاء، أو غير ذلك من الأيام والشهور. فنفى الشرع تأثير الطيرة، وأنه لا أثر لها، لا أثر لها في جلب نفع أو دفع ضر، وأن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى. «فلا طيرة»، أي: لا شيء يتطير به أو يتشاءم به، فإنه لا تأثير لذلك في حدوث الحوادث أو وقوع الوقائع. ولما سمع ابن عباس رضي الله عنهما رجلًا يسمع صوت طير فقال: «خير»، قال: «لا خير ولا شر، لا خير ولا شر». وخرج طاووس في سفر مع صاحب له فسمع صوت غراب فقال: «خير». قالوا: أي خير عند هذا؟ لا تصحبني بعد هذا. نعم عباد الله، فالطيرة فيها سوء ظن بالله، وكذلك طعن في عقيدة صاحبها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الطيارة شرك، الطيارة شرك، الطيارة شرك»، رواه أبو داود عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الطيارة شرك بالله، وذلك لما فيها من عدم التوكل على الله، واعتقاد مؤثر مع الله سبحانه وتعالى. فمن اعتقد أن هذا الشيء المتطير به يؤثر بنفسه ويجلب نفعًا أو يدفع ضرًا فقد وقع في الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام. فمن تطير مثلًا بهذا الطائر وتشاءم به واعتقد أن له تأثيرًا في حدوث الحوادث أو في جلب المنافع أو دفع المضار فقد وقع في الشرك الأكبر، عياذًا بالله. ومن اعتقد أنها سبب من الأسباب، وأن المؤثر هو الله، فقد وقع في الشرك الأصغر. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الطيارة شرك». وفي حديث معاوية في صحيح الإمام مسلم، لما قيل له: وإنا منا أناس يتطيرون، قال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شيء يجدونه في أنفسهم فلا يصدنكم» أي عما أردتم أن تفعلوه وأن تقدموا عليه، فلا يصدنكم ذلك، وعليكم أن تتوكلوا على الله. ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه لما ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الطيارة شرك»: «وما منا إلا»، يذهبه الله بالتوكل. أي: ما منا من أحد إلا وقد يقع في قلبه شيء من ذلك، ولكن بتوكله على الله واعتماده على الله سبحانه وتعالى يذهب الله جل وعلا ذلك، ويقدم المسلم على ما أراد أن يفعله وعلى ما أراد أن يحققه، فيذهب الله جل وعلا ذلك من قلبه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة». والهامة هي البومة، إذ كان أهل الجاهلية يعتقدون أنها إن وقعت على بيت أحد نعت أحد أهل البيت، أي: أحد سيموت من أهل هذا البيت، فيتشاؤمون منها. فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «ولا هامة». نعم عباد الله، وهذا النفي أبلغ من النهي، لأنه يدل على عدم وقوع هذه الأشياء وعدم تأثيرها، فهو نهي وزيادة، أن المسلم لا يتطير بها ولا يتشاءم بها، ويعلم أنه لا تأثير لها، وأن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. *** الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا صفر». قال أهل العلم: أي لا تشاؤم بشهر صفر، كما كان يتشاؤم منه أهل الجاهلية. فإن التشاؤم بذلك من فعل أهل الجاهلية، وهو مما يخدش في إيمان العبد وفي توكله على ربه وخالقه سبحانه وتعالى. فإن صفر شهر من الشهور لا يقدم ولا يؤخر، ولا يملك من الأمر شيئًا، ولا يؤثر، بل إن المؤثر والذي بيده الأمر كله هو الله سبحانه وتعالى. ومن آثار التشاؤم بصفر عباد الله ما قد يقع فيه بعض المسلمين من تأخير عمل من الأعمال أو معاملة من المعاملات، أو تأخير الزواج والنكاح حتى يخرج شهر صفر، وذلك لما في القلوب من التشاؤم من هذا الشهر. وقد كان ذلك قبل زمن قريب، قل أن تجد زواجًا، قبل أن تجد زواجًا يقام في شهر صفر بسبب تشاؤم الناس من هذا الشهر. وهذا أمر كما سمعتم من أمور الجاهلية التي ينبغي على أهل الإسلام أن يتركوها وأن يتخلوا عنها. ومن آثار هذا التشاؤم عباد الله أنه إذا دخل شهر صفر قال من يقول من الناس: «صفر الخير، صفر الخير». وهذا خطأ، فلا يقال: صفر الخير، ولا صفر الشر. فإن صفر كما سمعتم شهر كسائر الشهور لا يقدم ولا يؤخر. والذي ينبغي على المسلم أن يعلق قلبه بالله، وأن يكون متوكلًا على ربه وخالقه، وأن لا يتشاءم بشيء، سواء كان ذلك مرئيًا أو مسموعًا أو معلومًا، فلا يصده ذلك عما أراد أن يفعله أو عما أراد أن يقدم عليه من سفر، أو كذلك من تجارة، أو زواج ونكاح، أو غير ذلك من الأعمال. وما أحسن ما أثر عن المعتصم رحمه الله لما أراد فتح عمورية تأديبًا للروم لما فعلوه بالمسلمين. كتب إليه المنجمون من الروم بأنه قد سبق في علم الفلك والنجوم أن عمورية لا تفتح، أن عمورية لا تفتح، وأنك إن جئت ستهزم أنت وجنودك. فلم يؤثر ذلك في المعتصم، لأنه كان معتصمًا بالله ومتوكلًا على الله، فجهز جيوشه، وكذلك أقبل على الروم فأدبهم وفتح عمورية. وفي ذلك قال أبو تمام قصيدته المشهورة: السيف أصدق أنباء من الكتب ** في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف ** في متونهن جلاء الشك والريب أين الرواية بل أين النجوم ** وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب عجائبًا زعم الأيام مجفلة ** عنهن في صفر الأصفار أو رجبي نعم عباد الله، هكذا المسلم، فإنه لا يتشاءم بشيء، ولا يرده شيء عما أراد أن يفعله، لأنه متوكل على ربه وخالقه، ويعلم أن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال ربنا عز وجل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أي: كافيه سبحانه وتعالى. اللهم أحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم غزر أمطارنا، ورخص أسعارنا، وأصلح أمتنا وولاة أمورنا. اللهم اجعل ولايتك فينا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وانصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان. اللهم وانصرهم في ثغور بلادنا الذين يقاتلون الروافض الأنجاس. اللهم ثبت أقدامهم، واربط على قلوبهم، وسدد رميهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم واجعل ما معهم من عتاد غنيمة للإسلام والمسلمين، يا ذا الجلال والإكرام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.