شرح الشمائل المحمدية 60

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 60، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

باب صفة كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر وتمثله به

استعرض المحاضر أحاديث عائشة وأبي هريرة وجندب بن سفيان الواردة في تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بالشعر، مبيناً روايات بيت "هل أنت إلا إصبع دميت" ونسبته لابن رواحة أو طرف بن العبد. ناقش العلماء وزن البيت عروضياً وهل قاله النبي تمثلاً أم ابتداءً، مع ذكر أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد بن ربيعة.

حكم تمثل النبي بالشعر وتحليل أوزانه العروضية في موطن حنين

بين المقطع جواز تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشعر الغير للحكمة، مستدلاً بأقواله الموزونة كقوله يوم حنين: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". حلل علماء العروض كابن العربي والسيوطي أوزان هذه الأبيات فوجدوها من بحور السريع والكامل والرجز المنهوك، وقرروا أنها كلام موزون خرج عفواً لا شعراً مقصوداً.

مناقشة نسبة الشعر للنبي والرد على شبهة نظم كلامه الشريف

ناقش العلماء ثبوت الشعر للنبي صلى الله عليه وسلم من خلال اختلاف روايات حديث حنين، وقرروا عدم القصد الشعري مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾. فصل المقطع بين الكلام الموزون عفواً الذي يجوز على الأنبياء، والشعر المقصود المنفي عنهم، مع تأكيد عجز البلغاء عن معارضة القرآن الكريم.

خاتمة الدرس: استعراض حديثي جندب بن سفيان والبراء بن عازب

اختتم المحاضر الجلسة بتلخيص حديث جندب بن سفيان في إصابة إصبع النبي وتمثله بالشعر، وحديث البراء بن عازب في ثبات النبي يوم حنين وإعلانه نبوته ونسبه. ختم المحاضر بالدعاء والتسبيح وشكر الحضور على حضورهم ومتابعتهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالدرس الذي أخذناه فيما مضى في الشمائل، باب ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر، وأخذنا في هذا الباب حديثين. الحديث الأول: حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما سئلت: هل كان عليه الصلاة والسلام يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: نعم، كان يتمثل بشعر ابن رواحة، «ويأتيك بالأخبار من لم تزود»، ويتمثل بهذا البيت. وهذا البيت في الأصل أنه لطرف بن العبد في معلقته، وكما قال أهل العلم: لعل ابن رواحة رضي الله عنه تمثل به أو ضمنه شعره. وقد صح أيضًا في المسند من حديث عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تأخر عليه الخبر تمثل ببيت طرفه، هكذا تقول عائشة: تمثل فيه ببيت طرفه، «ويأتيك بالأخبار من لم تزود». ثم أخذنا الحديث الثاني: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد»، وهو لبيد العامري رضي الله عنه: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل». ثم قال: «وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم». سيأتي في الحديث في هذا الباب أن النبي عليه الصلاة والسلام استزاد بعض الصحابة من شعر أمية بن أبي الصلت، وهو الشريد بن سويد رضي الله عنه، وكان يحفظ شعر أمية بن أبي الصلت، فكاد أن يسلم لكنه لم يسلم، والهداية بيد الله جل وعلا. ولعله من أولئك الذين كانوا يقولون: «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم». كان أمية عظيمًا في قومه، ولعله أراد أن تكون له أيضًا النبوة، لكن النبوة والرسالة فضل من الله سبحانه وتعالى واختيار واستفاء واجتباء، فالله سبحانه وتعالى له الحكمة التامة، يختار ويصطفي ويجتبى من عباده من يشاء سبحانه وتعالى. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي الملقب بالزمن، ووثقه ثبت، قال: حدثنا محمد بن جعفر، وهو ثقة، الملقب... محمد بن جعفر يلقب بغندر، بمعنى غندر المشاغب، وهو ربيب شعبة. قال: حدثنا شعبة، أبو بستان شعبة، شعبة بن الحجاج، أبو بستام، أمير المؤمنين في الحديث، أو أول من فتش عن الرجال في العرار، حتى يقول بعضهم: حدثنا الضخم بن الضخام، شعبة الخير أبو بستام. فشعبة جبل من جبال الحفظ كسفيان، وهو مكفر سيرهان. قال: عن الأسود بن قيس، وهو ثقة أيضًا، عن جندب بن سفيان البجلي، وهو جندب بن عبد الله، ينسب إلى جده، جندب بن عبد الله بن سفيان، ويقال: جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه، قال: أصاب حجر إصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدميت، فقال: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت». وهذه الرواية بكسر التاء رأيتها في البخاري، هي في البخاري طبعًا ومسلم، حديث متفق عليه. وهذه رواية الترمذي هنا عندنا، ما أدري هل هي من الطباعة أم هي رواية الترمذي بأنها بسكون التاء: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت». ولهذا جاء استشكال العلماء حول هذا البيت، لأنه: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت» موزون، وهو من بحر يقال له السريع، ويقال له السريع، وبعضهم يقول له الكامل. فعلى كل هو موزون إذا كان بكسر التاء، أما بسكون التاء فهو ليس بموزون. بعضهم قال: أي بعض العلماء، فلعل النبي عليه الصلاة والسلام قال هذا البيت فرارًا من الوزن، فرارًا من الوزن. وبعض العلماء قال: حتى مع الإسكان للتاء: «هل أنت إلا إصبع دميت، إصبع دميت، هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت» أيضًا موزون من بحر الكامل،كذا قال السيوطي رحم الله تعالى. ولكن بعض العلماء يقول: ليس بموزون إذا كان بالإسكان، أما إذا كان بالكسر فهو موزون. وهل هذا الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام من قوله أم تمثل به؟ الصحيح أنه تمثل به، وأن هذا البيت هو من شعر ابن رواحة رضي الله تعالى عنه، وقد قاله في غزوة مؤتة عندما جعل النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة من الصحابة: أمّر زيد بن حارثة، بعده إن قتل جعفر، ثم إن قتل فعبد الله بن رواحة. ويقال كما ذكر أهل السير: أن عبد الله بن رواحة دميت إصبعه في تلك الغزوة، فقال هذا البيت: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت، يا نفس إلا تقتل تموت، هذا حِضَاض الموت قد صليت، وما تمنيت فقد أعطيتي، إن تفعلي فعلهما هديتي». هذه أبيات ابن رواحة رضي الله عنه. ومن هذا البيت، والعلماء لهم كلام طويل في هذا البيت. ولهذا قال الحافظ رحمه الله تعالى في شرح هذا البيت من الفتح: قال: وقد اختلف أهل العلم، هل قاله النبي صلى الله عليه وسلم متمثلًا، أو قاله من قبل نفسه، يعني ما تمثل به من قول أحد، وإنما قاله عليه الصلاة والسلام ابتداء منه، فأن هذا البيت خرج موزونًا، ونحن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان شاعرًا، وقد نفى الله عز وجل ذلك عنه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾، وأيضًا الله عز وجل نفى أن يكون كلامه كلام شاعر: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾، وهم، وهم قريش وغيرهم، اتهموه بالشعر وقالوا: شاعر، وهو عليه الصلاة والسلام ليس بشاعر. فالحافظ رحمه الله تعالى يقول: أن أهل العلم اختلفوا في ذلك، هل قاله متمثلًا، يعني أن هذا ليس هو من كلامه وإنما من كلام غيره، أو قاله ابتداء من نفسه غير قاصد لإنشائه فخرج موزونًا؟ «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيتي» قاله. بالأول جزم الطبري وغيره بالأول، إيش؟ أنه عليه الصلاة والسلام قاله متمثلًا، يعني هذا بيت واحد، والنبي عليه الصلاة والسلام حفظه وقاله في تلك اللحظة التي دميت إصبعه صلى الله عليه وسلم. وهذا هو كلام الطبري، قال: ويؤيده أن ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس أوردهما لعبد الله بن رواحة، وذكرهم الواقدي للوليد بن المغيرة، لكن الإسناد إلى الوليد بن المغيرة ذكروا أن هذا البيت أيضًا قالها الوليد بن المغيرة، لكن الإسناد إليه ضعيف، فأقوى شيء أن يكون من شعر بن رواحة. قال: ثم قال: وقد اختلف في جواز تمثل النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من الشعر، وإن شاء حاكيًا عن غيره، فالصحيح جوازه، يعني الصحيح جوازه إذا حكاه عن غيره. ثم ذكر عدد من الأدلة على جواز ذلك، منها الحديثين المتقدمين، وهو قول الشاعر: «على كل شيء ما خلا الله باطل»، وقول طرف بن عبد: «ويأتيك بالأخبار من لم تزود»، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذين البيتين متمثلًا بهما. إلى أن قال: وأنه دل على جواز وقوع الكلام منه منظومًا من غير قصد إلى ذلك، ولا يسمى ذلك شعرًا. وهذا الكلام الذي ذكره الحافظ عن الطبري وغيره هو الصواب، أنه حتى لو سلمنا أن هذا قاله عليه الصلاة والسلام، فإن هذا لا يسمى شعرًا، لأن الشعر: أولاً أن يخرج الكلام موزونًا، ثانيًا أن يكون قاصدًا له، ثانيًا أن يكون قاصدًا له، ولا هذا ولا هذا مما كان عليه الصلاة والسلام، وإنما خرج منه غير قصد. على أنه اختلف في رواية ماذا البيت، هل هي بالإسكان أم أنها بالكسر في هذا البيت؟ وقال السيوطي: الرواية بكسر التاء فيهما، يعني: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت». قال: ومن قال إنهما بالسكون فرارًا من الوزن، يعارضه أنه مع السكون أيضًا موزون من بحر الكامل. ومعروف في العروض، علم العروض، الذي كان أول من ألف فيه، من أول من ألف في علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، وأنها بحور الشعر خمسة عشرة بحرًا، وأنها على خمسة أقسام من المؤتلف والمختلف والمجذوذ ونحو ذلك. فلذلك جاءت الأوزان، وجاءت الأوزان، ومنها الرجز الذي سيأتي في الحديث الذي بعد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». هذا من أي بحر؟ قالوا: هذا من منهوك الرجز، هذا من منهوك الرجز، وهذا أيضًا من بحور الشعر الزائدة، فبعضهم زاد أيضًا على بحور الشعر الخمسة عشر، وأمر رام ذلك فليرجع إلى كتب الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى. فعلى كل، أن هذا من بحر يسمى بحر الكامل إذا كان بالإسكان، وإذا كان بالكسر فهما من بحر السريع. انتهى كلامه السيوطي. وقال ابن العربي: إنما يكون هذا شعرًا، يعني على هذا، على هذا الحديث موزونًا إذا كسرت التاء من «دميت» و«لقيت»، فإن سكنت لم يكن شعرًا. هذا كلام ابن العربي، يعني يقول: لو سكن التاء فقلنا: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت»، هذا ليس بشعر، قال: ليس بشعر بحال، لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون من باب فعول، ولا مدخل لفعول في بحر السريع، فإذا كان لا مدخل لفعول في بحر السريع فيكون من باب آخر، كما قال السيوطي، وهو من باب الكامل. قال: ولعله النبي صلى الله عليه وسلم قالها ساكنة التاء، يعني حط احتمال حتى نخرج من هذا الخلاف، نقول أن النبي عليه الصلاة والسلام ما قال شعرًا، فنقول أن التاء ساكنة، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قالها ساكنة التاء أو متحركة التاء من غير إشباع، يعني من غير أن تقول: «لقيت، دميت»، يعني «لقيت، دميت»، حتى ما يكون هذا شعرًا. فابن العربي يقول: ما ندري هل قاله النبي صلى الله عليه وسلم بكسر التاء أم قاله بسكون التاء، هذا محتمل، وهذا محتمل. هذا ما يتعلق بشرح هذا الحديث، أن النبي عليه الصلاة والسلام قاله متمثلًا: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت». قال الترمذي رحمه الله: وحدثنا محمد بن بشار، ما لقبه؟ محمد بن بشار لقبه بندار، ومعنى بندار: جامع للعلم، جامع للعلم. قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان الثوري، قال: حدثنا أبو إسحاق، وهو السبيعي، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، ما قال؟ قال رجل: أفررتم عن رسول الله يا أبا عمارة؟ قال: لا والله، ما ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقصد بذلك في غزوة حنين. ولكن ولي سرعان الناس، والمقصود بسرعان الناس الذين أسلموا حديثًا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام غزا مكة في غزوة الفتح، ودخل كثير من الناس في دين الله أفواجًا، ثم انطلق إلى ثقيف، وهي غزوة هوازن، وجمعوا له تلك الجموع، وسميت غزوة حنين. هوازن تلك القبيلة، ولكن ولي سرعان الناس، تلقفتهم أو تلقتهم هوازن بالنبل، وكانوا هوازن قبيلة مشهورة برمي السهام ولا يخطئون، فتلقوهم بين الوادي، والذي مشوا فيه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فلما رموهم فر سرعان الناس وهربوا، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام ثابت، ما فر ولا هرب عليه الصلاة والسلام، حاشى، حتى أن العباس وكذلك أبو سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام كان مقدامًا وكان شجاعًا، والشجاع يومئذ كما قال البراء: «إنما يحتمي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: ولكن والله ما ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ولي سرعان الناس، تلقتهم هوازن بالنبل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، وأبو سفيان، وأبو سفيان بن عبد المطلب آخذ بلجامها، وهو من أقرباء النبي عليه الصلاة والسلام، ابن عمه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». وهذا الحديث أيضًا متفق عليه، وقد صحح العلامة الألباني رحمه الله تعالى بهذا الإسناد في الشمائل برقم مائتين وتسعة. فقوله في هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام على بغلته، هذه البغلة تسمى الشهباء كما وقع في رواية مسلم، وأبو سفيان بن عبد المطلب هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم. ثم عليه الصلاة والسلام قال: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». هذا يعتبر من الرجز، هذا يعتبر من الرجز من منهوكه، وهذا خرج موزونًا، خرج موزونًا. لكن هل قاله قصدًا عليه الصلاة والسلام؟ الجواب سيأتي من كلام العلماء أن هذا ليس بشعر أيضًا. يقول ابن العربي رحمه الله: وقد قال الأخفش إن هذا ليس بشعر، وروى ابن المظفر عن الخليل في كتاب العين: إنما جاء من السجع على جزئين، لا يكون شعرًا، وروى غيره عنه، أي عن الخليل، أنه من منهوك الرجز. فعلى القولين الأولين لا يكون شعرًا، يعني لا يكون شعرًا على قول الأخفش، وهو من علماء النحو واللغة، وأيضًا على قول الخليل أنه من جزئين من السجع لا يكون شعرًا. قال: وعلى القول الثالث لا يكون منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قولك: «لا كذب»، ومن قولك: «عبد المطلب»، يعني إن أردته أن يكون شعرًا من باب منهوك الرجز، أن تقف بالسكون على الباء، فتقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، هذا شرطًا يكون بهذه الصفة وبهذا الوقف. قال: ولم يعلم كيف قالها النبي عليه الصلاة والسلام، لم يعلم هل قال هكذا: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، أم قالها بشكل آخر خرجت عن باب منهوك الرجز. قال: والأظهر من حاله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أنا النبي لا كذب، أنا النبي لا كذب»، يعني ضم الباء بتنوين الباء مرفوعة، وبخفض الباء من «عبد المطلب»، فقال: «أنا ابن عبد المطلب». هذا يصلح، ولا ما يصلح؟ يصلح، يصلح أن يكون قال ذلك بهذا اللفظ: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، وصاح عليه الصلاة والسلام حتى يقبل عليه أصحابه، وقد رماهم بعد ذلك بالحجارة، وقال: «شَاهِدُ الْوُجُوهِ»، كما قال الصحابي، فما من شخص رماه أو وقعت فيه الحصى إلا قتل يومئذ. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذلك الموقف والناس من حوله: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». هذا يصلح كما قال ابن العربي، ويصلح أن يكون الأول، فلا نعلم أي اللفظين قالهما النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: وقد أجاب عن ذلك علماؤنا، أجاب عن هذه الإشكالات كلها، هل قال النبي عليه الصلاة والسلام شعر أم ما قال عليه الصلاة والسلام شعر؟ نقول: أولاً أن النبي عليه الصلاة والسلام ثبت عنه التمثل بأبيات غيره، كما تمثل ببيت طرف بن العبد، وتمثل ببيت لبيد العامري، وتمثل بشعر ابن رواحة، حتى لما كانوا يبنون المسجد: «قد أفلح من يبني المساجدة، ومن يبيت راكعًا وساجدًا»، هذا شعر من؟ شعر ابن رواحة، وكان النبي يردد بعده، وكانوا يبنون المسجد، وابن رواحة شاعر من شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يرتجز، وهذا الرجز كما يسمى عندنا الزامل، يبعث الهمة ويقوي على العمل، فكان يقول: «قد أفلح من يبني المساجدة»، هم يقولون: «قد أفلح من يبني المساجدة»، والنبي عليه الصلاة والسلام معهم، «ومن يبيت راكعًا وساجدًا»، كلهم يقولون: «ومن يبيت راكعًا وساجدًا»، ويعملون. فهذا ما يسمى من باب مدى التمثل، يجوز أن يتمثل، ولو كانت أيضًا الأبيات ليست بأبيات مسلم، يعني من شعر الجاهلية، هل يجوز أن نتمثل بشعر من شعر الجاهلية؟ الجواب: يجوز إذا كان فيه من الحكمة، إذا كان فيه من الحكمة والتوحيد، كما سيأتي في شعر أمية بن أبي الصلت في الحديث القادم إن شاء الله تعالى. يقول ابن العربي: إذن عندنا أمور هنا لا تختلط علينا: جواز التمثل من النبي عليه الصلاة والسلام بشعر غيره، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال بعض الكلام مما قد أشكل على البعض أنه شعر، نقول: إن كان شعرًا، يعني خرج موزونًا، فهو من غير قصد، ولا يسمى البيت الواحد الذي يقوله الإنسان شاعرًا، واضح؟ لو أنا قلت بيتًا وخرج موزونًا من غير قصد، لأنني أنا لست بشاعر في الأصل، فهل يقال: فلان شاعر لأنه قال بيتًا واحدًا خرج موزونًا؟ الجواب: لا، ما يقال شاعر. ولو خرج بيته موزونًا، فكيف بتلك الاحتمالات في الأحاديث التي جاءت أن بعضها ليس بموزون، يعني بعضها يقولك: بسكون التاء، والآخر يقول: هذا ربما قاله بالرفع، فهناك اختلاف بين العلماء في ضبط الكلمات التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام في الشعر، هذا واضح. فلو قلنا بجواز أنها موزونة، نقول أيضًا: هو عليه الصلاة والسلام ليس بشاعر، ليس بشاعر، لأنها خرجت من غير قصد. وقد يخرج الكلام من الإنسان موزونًا من غير قصد. بل حاول أعداء الإسلام يشككون في القرآن، ويأتوا بآيات، يقولون: انظروا بعض الآيات القرآنية هذه موزونة على وزن الشعر. وكما أجاب الحافظ قال: نعم، لكنها لا تسمى شعرًا، لأن الشعر يكون فيه البيت كاملًا موزونًا من شطرين، وهذا قد يكون جملة منه من شطر واحد، فأين الشطر الثاني حتى نقول: هذا الشعر؟ وقد حاولوا أن يأتوا بكذا وكذا، لكن لم يجدوا، كما قال أيضًا ابن العربي رحمه الله عند تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾، أي أن هذا كلام الله وليس بكلام شاعر كما تزعمون، فحاولوا ينقبون فما استطاعوا أن يجدوا شيئًا في كلام الله سبحانه وتعالى يشبه الشعر. بل قال أخو أبي ذر، لما أبو ذر أسلم، قال: اعرض علي ماذا؟ ماذا يعني تعلمت؟ لما جلس أبو ذر شهرًا في مكة وهو يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويقرؤه ويحفظه، ثم لما ذهب إلى قومه وأخبر أخاه، قال: ماذا قال؟ اعرض علي، فعرض عليه، قام هذا أخوه، قال: والله لقد سمعت كلام الشعراء كلهم، عرضت هذا من باب المخيلة مباشرة، يعني عندهم العرب يفهمون، عندهم الأوزان مباشرة، قال: والله لقد عرضت على كلام الشعراء كلهم فما وجدته يشبهه، يعني كلام الله سبحانه وتعالى، فليس هو بماذا؟ فليس هو بشعر. يقول ابن العربي: وقد أجاب عن ذلك علماؤنا بأن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد شعرًا، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر، أولاً أن يكون على وزن الشعر، ثانيًا مع القصد إليه، مع القصد إليه. أما الكلمة أو البيت الواحد أو نصف البيت لا يعد صاحبه شاعرًا، بل ولا يعد ذلك أيضًا شعرًا، لأن الشعر لا بد أن تتوفر فيه هذه الأمور من الأوزان ومن القصد ونحو ذلك، حتى يقال: إن هذا الشخص هذا فعلا شاعر، لأنه عنده أوزان الشعر ويعرف كلام العرب ويأتي بكلام مثل كلامهم. ولكن الله سبحانه وتعالى أعجز هؤلاء البلغاء والفصحاء على أن يأتوا بآية واحدة مثله، مع فصاحتهم وبلغتهم ومعلقاتهم التي كانت مشهورة في العرب، فلم يستطيعوا أن يأتوا من ذلك بشيء. نكتفي بهذه الحديثين، وهو حديث جندب بن سفيان في إصابة إصبع النبي صلى الله عليه وسلم بحجر وتمثله بشعر ابن رواحة على قول بعض العلماء: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت»، وكذلك حديث البراء بن عازب في غزوة حنين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا للمشاهدة.