الدرس في شرح الشمائل المحمدية 92، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
استضاف أبو الهيثم الأنصاري النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما فأكرمهم بالرطب واللحم والماء، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من نعيم الجنة. ثم أرشد أبا الهيثم لاختيار الخادم المصلي فأعتقه، مبيناً أثر البطانة الصالحة وأن من وقي بطانة السوء فقد وقي.
يبرز المقطع عظمة الصلاة ودلالتها على استقامة العبد، ويستعرض كرامة سعد بن أبي وقاص كأول من أهريق دمه في سبيل الله وأول رامي بسهم. كما يصف شدة ما لقيه الصحابة من جوع في الغزوات المبكرة حتى أكلوا ورق الشجر والحبلة.
يسرد المقطع نسب بني أسد وشكواهم سعداً إلى عمر رضي الله عنه زاعمين أنه لا يحسن الصلاة، فبرأ سعد نفسه بوصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودعا على الكاذب فأُجيب. ويقرر جواز ذكر الإنسان لفضائله بقصد إظهار الحق ودفع الجهل أو نفع المسلمين مستدلاً بأقوال الصحابة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد. فقد أخذنا في باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمائل حديث النعمان بن بشير، وهو أنه قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه. وهذا قد رواه الإمام مسلم، والدقل هو التمر الرديء. ثم حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنا آل محمد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء. وهذا يدل على أنهم ما كان عندهم الطعام الكثير الوفير، وإنما كان طعامهم التمر والماء هذا في الغالب، وقد يكون كذلك شيئا من الشعير ونحوه. قال أيضا عن أبي طلحة رضي الله عنه أنهم شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، فرفعوا عن بطونهم حجرا حجرا، يعني يردطون على بطونهم الحجر، والنبي صلى الله عليه وسلم كان عن بطنه حجران، يعني يربط حجرين فهو أشدهم جوعا. وربط الحجر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثابت، يعني صحيح، وإن كان هذا الحديث ضعيفا لكن ثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا جاع ولم يجد شيئا فيربط الحجر، كما في غزوة الخندق. وذكر الألباني حديثين صحيحين في ذلك في الصحيحة. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا محمد بن إسماعيل، والمراد به الإمام البخاري فهو شيخ للترمذي. قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، وهو العسقلاني ثقة. قال: حدثنا شيبان، أبو معاوية. قال: حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ فقال: خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه والتسليم عليه. وكان الذي أخرجه هو الجوع، ولكنه لم يقل ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أنه قال ذلك. قال: فلم يلبث أن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ يعني لقاهم في الطريق. قال: الجوع يا رسول الله. قال: أخرجني من بيتي الجوع. إذن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من بيته جائعا فلقي أبا بكر، وأبو بكر خرج من بيته جائعا، ثم مشوا فلقي عمر، وعمر خرج من بيته جائعا، يعني انظروا ما عندهم طعام، كل واحد خرج من بيته وما عنده طعام، يلتمس الطعام لعله أن يجد. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا قد وجدت بعض ذلك، أي الجوع. فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري. في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: قوموا معي. فذهبوا إلى منزل أو حائط لأبي التيهان، أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري، وكان معه نخل. قال: وكان رجلا كثير النخل والغنم، يعني معه كثير من الغنم، عنده نخل وعنده غنم. قال: ولم يكن له خدم. فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ أي أعني زوجك. يعني لما جاءوا المنزل ما وجدوا أبا الهيثم بن التيهان وإنما وجدوا امرأته فكلموها. كلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين صاحبك؟ أي أين زوجك؟ فقالت: انطلق يستعذب الماء، يعني يأتي لنا بالماء. قال: فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها، يعني يحملها، فوضعها ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه وأمه. وهذا الحديث قد رواه البخاري في الأدب. وفي رواية أنه قال لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام: اليوم لا أحد أكرم أضيافا مني. لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام وأبا بكر وعمر، ثلاثة: النبي وأبو بكر وعمر، قال: اليوم أنا أحسن واحد عندي ضيوف، يعني لأنه النبي عليه الصلاة والسلام. فجاب القربة الآن معهما. قال: ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطا، يعني هذا أخذهم إلى الحديقة فبسط لهم البساط. ثم انطلق إلى نخله فجاء بقنو فوضعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا تنقيت من رطبه؟ يعني هو جاء بالعذق كامل، قطعه ووضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال له النبي: كان يكفي أنك تنقي لنا الرطب. يعني هو على النخل، وهو ماذا على النخلة؟ الرطب تنقيه من العذق. لكن لما يكون العذق كامل أحسن، فهو جاء بالرطب مع البسط، جاء بالعذق كامل. وهذا من كرم الضيافة، من كرم ماذا؟ الضيافة، أنه يجيب الأحسن كاملا والشيء الوفير كاملا، فكان كريما هذا الأنصاري رضي الله عنه. قال: فجاء بقنو فوضعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا تنقيت من رطبه؟ الآن أول قدم لهم ماذا؟ الرطب والماء. ثم بعد ذلك سيأتي أنه سيذبح لهم. قال: فقال يا رسول الله: إني أردت أن تختاروا، تختاروا بكيفكم أو تخيروا من رطبه وبسره. فأكلوا وشربوا من ذلك الماء. لا حول هذا المقدمة. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ذا والذي نفسه بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة. هذا من النعيم، إذا كان فقط ماء يعني وبسر ورطب، فما بالك بما هو أكثر من ذلك؟ سيسأل العبد عن النعيم كما في سورة التكاثر: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾. النعيم كل ما تنعمت به: لحم، لبن، نعيم هذا نعيم، تمر. إذا كان الماء والبسر والرطب قال: لتسألن عنه عليه الصلاة والسلام. إذن كل ما كان من لذة الطعام وتتنعم به وغير ذلك فإنه يكون عليه السؤال، يكون عليه السؤال يوم القيامة، يعني من باب: هل أديت شكره؟ هل شكرت الله عز وجل على هذا النعيم؟ قال: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد. الآن هذا ما جاء به من القربة ما بارد، ليس في البرودة مثل الذي عندنا في الثلاجات الآن، تشربون في الحر ما بارد. وهكذا أيضا الرطب الطيب والظل الذي تستظلون به، هذا من النعيم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد. قال: فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تذبحن لنا ذات در، يعني لا تذبح شاه فيها لبن. انتبه: يعني ذهب وأخذ السكين وأراد أن يذبح لهم، وقال له عليه الصلاة والسلام: لا تذبح شاه فيها لبن. قال: فذبح لهم عناقا أو جديا، جدي الصغير وهو الذكر، أو عناق، يعني ليس فيها لبن. قال: فأتاهم به فأكلوا، فصنع اللحم، لأنه قال في البداية: اليوم لا أحد أكرم أضيافا مني. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك خادم؟ قال: لا، ما عنده خادم. قال: فإذا أتانا سبي فأتنا. قال: فأثنى، أثنى النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث. فآتاه أبو الهيثم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اختر منهما. يعني بعد ذلك جاء سبي، يعني من الغزو، وأتي برأسين من السبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الهيثم الذي أكرمه وأضافهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم من سجاياه وخصاله أنه كان إذا أحد صنع له معروفا أو أحد أهدى له هدية كان يكافئه بأحسن منها. لهذا قال: عندك خادم؟ قال: قال إذا أتانا السبي سنعطيك. جاء السبي فدعا أبا الهيثم وقال له: اختر أنت منهما. فقال: يا نبي الله اختر لي أنت، اختر لي يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن المستشار مؤتمن. تبه هذه اللفظة: إن المستشار مؤتمن. الآن هو قال: أنت يا رسول الله اختر لي، فأصبح النبي مستشارا. الآن أصبح يش... مستشار، كانوا يستشيروا: يا رسول الله إيش أحسن هذه ولا هذه؟ أنت اختر لي واحدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المستشار مؤتمن. فإذا أنت استشرت في أي شيء وأنت تعرف عندك خلفية كما يقولون، فأنت تشير بالرشد، تقول له: خذ هذه، هذه أصلح لك، فتشير بالرشد. واحد ما يعرف السيارات يقول لك: هذا الموديل ولا هذا الموديل؟ هذا النوع ولا هذا النوع؟ إيش أنت وأنت تعرف؟ يقول له: لا، خذ هذا النوع. أنت أصبحت مستشار. ففي كل شيء أنت مستشار، تعرف يعني عندك عندك خلفية في سواء كان في الزراعة في الصناعة في التجارة في أي شيء في العلم كذلك، فأنت تكون مستشار. واحد قال لك: والله أنا ما أعرف، ما عندي خلفية، ما أعرف هذا الشيء، فأنت تختار لي، تبقى تختار له الأسوأ؟ تختار له الأحسن والأجمل والأكمل والأفضل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المستشار مؤتمن. فقال: آخذ هذا، فإني رأيته يصلي. هذا واحد منهم يصلي أحسن من الآخر الذي لا يصلي، وصار هذا الشخص عنده يصلي، فقال: هو الأحسن. قال: واستوصي به معروفا. قال: انتبه، هذا اخترته لك لكنك انتبه له واستوصي به معروفا، يعني أحسن إليه. قال: فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني فرحان راح ومعه الخادم وهو من المصلين، فراح إلى زوجته وقال: قال لها حصل كذا وكذا. فقال وقال وقال، فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إلا أن تعتقه. انظروا إلى المرأة، هذا انتبه، يعني هذا قال: رأيته يصلي واستوصي به خيرا، فقالت: إذا تريد أن تكون يعني مثل النبي عليه الصلاة والسلام في الجود والكرم والعطاء، فإنه وصاك به، فماذا قال؟ ما أراك إلا أن تعتقه. اعتق هذه الرغبة لأنه يصلي وأنه أيضا قال: تستوصي به خيرا. فقال: هو عتيق. أعتق هذا العبد. وهذا من الكرم، قال: هو عتيق، أعتق هذا العبد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، ومن يوق بطانة السوء فقد وقي. والحديث صحيح، قد صححه الألباني رحمه الله برقم مئة وثلاثة عشر. وفي هذا الحديث الذي ذكره الترمذي رحمه الله تعالى وبوَّب عليه في هذا الباب، باب ما جاء في عيش النبي صلى الله عليه وآله، فيه أن النبي عليه صلى الله عليه وآله خرج ذات يوم من بيته وهو جائع، وهو جائع، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عنده شي طعام. نعم، البطانة الحاشية، حاشية حول الرجل سُميت بطانة، فإما أن تكون لك بطانة طيبة وإما أن تكون لك بطانة سوء. يعني ما من خليفة، وقد يكون حتى العالم كهمت، يعني حوله بطانة، فإما أن تكون هذه البطانة طيبة، يعني ناس يوصلون له الأخبار الصحيحة ويحضونه على الخير، أصحاب وأصدقاء مقربون إليه، فهذا مثل الوزير مثلا، الخليفة الأمير يكون له بطانة، البطانة من الجماعة المقربين من هذا الخليفة، الوزير والمستشار الذي يسميه مستشار، مستشار الملك، وهكذا يكون عنده مجموعة من الناس يجلسون في مجلسه: يا جماعة عندنا موضوع كذا وكذا، إيش تشيرون؟ فإذا كان له بطانة طيبة كان له بطانة طيبة، فإنهم يأمرون بالخير: اصنع هذا في كذا، فيأمرون بالخير، انفقه في سبيل الله، فيسيرون عليه بالخير. فإذا ما من نبي ولا خليفة إلا كان له بطانتان، قال: بطانة تأمره بالمعروف وتنهه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، ومن يوق بطانة السوء فقد وقي. لكن بطانة النبي صلى الله عليه وسلم هي بطانة خير، لأن من حول النبي عليه الصلاة والسلام أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أولا بطانة النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام الكبار، فكانوا ماذا؟ فكانوا يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام ربما يشير عليه في بعض الأمور فيستشيرهم في بعض ماذا؟ الأمور، فيشيرون عليه كما في غزوة الخندق، أشيروا عليه، كما أيضا في النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في أحد، غزوة في غزوة بدر، قال: أشيروا عليه، قال فلان: نرجع، وقال فلان: نذهب، وقال سعد: لو استعرضت بنا هذا البحر أخذناه معك. فلما رأى القوم كلمتهم متحدة على المضي في الجهاد في سبيل الله والقتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم لن يخذلوه، قام ومشى بهم إلى القتال عليه الصلاة والسلام. هكذا تكون بطانة الخير، بطانة الصلاح. فأنت إذا كنت في مركز مرموق اجعل لك بطانة خير، بطانة ماذا؟ خير، الذين ينصحون. لهذا هذا الرجل أبو الهيثم رضي الله عنه لما جاء إلى زوجته كانت زوجته صالحة وكانت خير له، ففعلت هذا الفعل مع زوجها وقالت: اعتق في سبيل الله، فحضته على العتق فاعتق هذا العبد، وهذا من الفضائل، الفضائل. والنبي عليه الصلاة والسلام كان مستشارا في هذا الحديث، لما قال له: اختر لي يا رسول الله، فاختار له الأفضل، قال: هذا خذه لأنه يصلي، يصلي، هذا سيعينك. لهذا يبغي أن نهتم بأهل الصلاة، من رأيناه يحافظ على الصلاة ومهتم بها فهذا في خير، لأنه إذا حافظ على هذه الفريضة وهذا الركن فهو لما سواها أحفظ، وإذا ضيع هذا الركن يعني ما غير مهتم بالصلاة فهو لما سواها إيش؟ أضيع. لهذا يقولون: إذا رأيت الرجل محافظ على الصلاة فارجو منه الخير، وإذا رأيت منه ضياع الصلاة فلا ترجو منه ماذا؟ الخير. فالصلاة مهمة، والنبي عليه الصلاة والسلام أشهد بهذا الرجل لهذا لأنه قال: ماذا؟ رأيته يصلي، رأيته يصلي. فانظروا كيف منزلة الصلاة أن النبي صلى الله قدمه واختاره على غيره، لهذا ينبغي أن ننظر في صلاة الرجل، وأنت عندما مثلا نتقدم لك أحد للخطبة تسأل عن ماذا؟ عن دينه، ومن دينه الذي تسأل عنه الصلاة، كيف هو في الصلاة؟ يسأل عن صلاته، هذا فيه خير، الذي ترى أنه يحافظ على الصلاة، يقوم للفجر، من ينام يحافظ على صلاة دائما، يشهد له في الجماعة، فارجو منه الخير. لهذا بعض الناس ما يهتم بهذا الأمر ويظن أن الصلاة سهلة، الصلاة فيها مشقة، بهذا في البرد تكون فيها مشقة، إسباغ الوضوء على المكاره وانتظار الصلاة، بعض الصلاة بذلكم الرباط. فإذا الصلاة عبادة عظيمة وقد جاء فيها الأجور الكثير، منها محو الذنوب والخطايا والسيئات تكفيرها، منها زيادة الحسنات ورفعة الدرجات، فالصلاة أمرها وشأنها عظيم، لهذا تنظر أنت في صلاة الرجل بماذا؟ من محافظة على صلاته، فإذا ما يحافظ على الصلاة هذه فهو لما سواها من أمور الدين أضيع، لأن هذا فريضة وركم ما حافظ عليه ولا قام به، فإذا من باب أول أنه ما يقوم بباقي ماذا؟ الأركان ولا يحافظ عليها، إذا كان الفريضة التي افترض الله عز وجل عليه ما حافظ عليه فما بالك بما سواها؟ فهذا يدلنا على منزلة الصلاة في الإسلام. طيب، هذا الحديث في هذا الباب فيه كما سمعتم كرم الضيافة من أبي التيهان، من أبي الهيثم بن التيهان رضي الله تعالى عنه، وأنه قدم للنبي صلى الله عليه وسلم خير ما عنده وأفضل ما عنده، فأعطاهم الماء البارد، وهكذا أيضا التمر والرطب، والرطب والبسر، وأخرجه طازجا من النخلة، وهكذا قدم لهم ماذا؟ اللحم، فذبح لهم الجدي، وهذا دل على كرم ضيافته رضي الله عنه وأرضى، حتى أن النبي صلى الله عليه أثنى عليه خيرا وكافأه، وكافأ هذا الصحابي الجليل. ثم قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا عمر بن إسماعيل عن مجالد بن سعيد. قال: حدثنا أبي، هنا عندنا بن، وهي عن مجالد بن سعيد أو بن مجالد بن، عندكم طيب. قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد، قال: حدثني أبي وهو إسماعيل بن مجالد، عن بيان، قال: حدثني قيس بن حازم، عندكم ابن حازم ولا ابن أبي حازم؟ ابن أبي حازم طيب. حدثنا قيس بن أبي حازم، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص، وهو له حديث في الرؤية يذكره أهل العقيدة، قيس هذا ابن أبي حازم ويروي عنه إسماعيل بن أبي خالد. قال: سمعت سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو الزهري من بني زهرة، من أخوال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قال: يقول: إني لأول رجل أهراق دما في سبيل الله. وكان سعد من السابقين وهو أحد العشر المبشرين بالجنة، وهو من السابقين الأولين بالإسلام. إني لأول رجل أهراق دما في سبيل الله. وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه مستجاب الدعوة، يطم... طعمك تستجاب دعوتك، وكان كذلك مستجاب الدعوة، وهذا من كراماته رضي الله عنه وأرضاه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خالي، فليأت إني مرء بخاله. قال: إني لأول رجل أهراق دما في سبيل الله، وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله. لقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما نأكل إلا ورق الشجر والحلبة. هنا خطا مطبعي، فالحلبة هنا عندنا، والحلبة، ولكن وقع في البخاري ماذا؟ وهو الصواب، وكذلك في مسلم، وضبطها الحافظ رحمه الله: والحبلة، الحبلة والحبولة، يعني بإسكان الباء وضم الباء، وهو من الورق أو من الشجر، من شجر البوادي، وقيل هو شجرة السمر، وقيل الثمر حق شجرة السمرة، السمرة معروف هذه شجرة الشوك التي يأكل منها البعير، فهذه موجودة في الوادي، والثمر حقها يقال له الحبلة أو هي نفسها الحبلة. قال: إلا ورق الشجر والحبلة، وحتى تقرحت أشداقنا، يعني تقرحت هذه من كثرة ما يأكلون من الشجر، حار هذا الشجر الذي يأكلون منه وثمر، وكذلك لأنه طعام، طعام الإبل، وهكذا طعام الغنم ربما تأكل منه الأغنام، فهم كانوا يأكلون من شجر حق البوادي، ما عندهم طعام، وكانوا إذا وجدوا شجر أكلوا منها لعلها طيبة فيأكلون، المهم أن هذه البطن تحتاج شيء لأنه جوع. قال: حتى تقرحت أشداقنا، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة والبعير، يعني مثل البعر المخروج، ما هو مثل حق الإنسان، وإنما هو ماذا؟ مثل ما تضع الشاة والبعير، كيف تضع الشاة والبعير من ورق الشجر؟ عندما تأكل ورق الشجر ماذا تضع؟ ها، تضع البعر، فكان قويا صلبا يابسا، يعني من شدة ما يأكلون من شجر البوادي. قال: وأصبحت بن أسد يعزرونني في الدين، فقد خبت إذن وخسرت و بطل عملي. وهذا الحديث هو أصلا متفق عليه، البخاري ومسلم، وبهذا الإسناد صححه الألباني برقم مئة وأربعة عشر. طيب، أولا قال: إني لأول رجل أهراق دما في سبيل الله. سعد يقول: أنا أول واحد أهرق الدم، يعني أنزل الدم من الكفار، لأنها أول من رمى بسهم في سبيل الله، هو سعد بن أبي وقاص، أول من رمى سهم، أول من رمى الكفار، خرجوا في سرية. قال الحافظ: ذكر ابن سعد في الطبقات من وجه آخر عن سعد أن ذلك كان في السرية التي خرج فيها مع عبيدة بن الحارث في ستين راكبا، وهي أول السرايا بعد الهجرة. بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم بعث السرايا من أجل ماذا؟ السرايا هذه يبعثها النبي عليه الصلاة والسلام، أولا لإظهار قوة المسلمين، ثم أيضا هو غزل في سبيل الله، يعني لعلهم يجدون شيئا من الإبل وكذا الغنائم فيأتون بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان سعد في أول السرايا، وكان أميره عبيدة بن الحارث في ستين من الصحابة، فكان أول من قتل، قتل واحد حضرمي، قال له عمر أو كذا الحضرمي، فقتلوه في هذه السرية، فلهذا قال: أني... إني لأول رجل أهرق دما في سبيل الله، وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله. ثم قال: ولقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما نأكله إلا ورق الشجر والحبلة، كما جاء في البخاري، وهكذا ضبطها الحافظ رحمه الله. قال ابن الأعرابي: الحبلة ثمر السمر، ثمر السمر يشبه اللوبية، تعرفون اللوبية، حب اللوبية، فاصولية، هذه تقولون لها اللوبية، فاصولية، الحب هذا تشبه ماذا؟ هذا الحب الصغيرة، فهي الحبلة أو الحبلة أو الحبلة. وقيل الحبلة ثمر العضاة، شجر الشوك كالطلح والعوسج. وقيل الحبلة هي شجر أو ثمر العضاة، العضاة عبارة عن ثمر فيه شوك مثل الطلح أو العوسج. ثم قال: حتى تقرح تشداقنا، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة والبعير، وأصبحت بن أسد يعزرونني في الدين. من شدة الجوع أنهم كانوا يضعون كما تضع الشاة والبعير. ثم قال: كانت بن أسد، من هم بن أسد؟ بن أسد قال الحافظ: ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، هؤلاء بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وبن أسد هم إخوة كنانة بن خزيمة، جد قريش. إذن من جد قريش هو كنانة، إن الله اصطفاني... إن الله اصطفى كنانة من قريش، اصطفى قريش من العرب، اصطفى كنانة من قريش، واصطفى بني هاشم من كنانة، واصطفاني من بني هاشم. فجده قريش هو كنانة، فأصطفى منهم النبي صلى الله عليه وسلم. إذن هم إخوة كنانة، بن أسد، فيرجعون إلى ماذا؟ إلى نسب النبي صلى الله عليه وسلم، يعني من كنانة لأنهم ماذا؟ إخوة كنانة، فيلتقون في خزيمة. قال: وأغرب النووي فنقل عن بعض العلماء لأن مراد سعد بقوله بن أسد هم بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وفيه نظر. إذن ما قاله الحافظ هو الصحيح، ما هو من هم بن أسد، هم بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهم إخوة كنانة الذي هو جد قريش، ففي هذا توهيم لما قاله أنه رحمه الله تعالى أنهم يرجعون إلى بن الزبير، بل هم بن أسد بن مدركة. ثم قال: بني أسد يعزرونني، ما معنى يعزرونني؟ قال: أي توقفني، والتعزير التوقيف على الأحكام والفرائض، قاله أبو عبيد، وما قاله أبو عبيد بعيد. لكن الصحيح أنه ماذا؟ يوبخونني، قاله أبو عبيد: أي توقفني، والتعزير التوقيف، صارت بن أسد توقفني على الفرائض. وقال الطبري: معناه تقومني وتعلمني، وهذا أقرب، ومنه تعزير السلطان، والتقويم بالتأديب. والمعنى أن سعدا أنكر أهلية بني أسد لتعليمه الأحكام مع سابقيته وقدم صحبته. وقال الحارثي: معنى تعزروني تلومني وتعتبني، وقيل توبخني على التقصير، وهذا أقرب، يعني توبخه، صارت بن أسد توبخه، وكذلك تلومه وتعتبه، يعني يعتبون سعدا. وذلك أنهم شكوا سعدا، بن أسد، لما ولي الكوفة في عهد عمر رضي الله عنه، فشكوا إليه أنه لا يحسن يصلي، فكان هذا من شكواه. فقام رجل قال: نعتب عليه كذا وكذا وكذا، يعني أنه لا يحسن يصلي ولا يقسم فينا بالسوية ولا يعدل في القضية ولا كذا وكذا، المهم أنهم ذكروا أشياء عن سعد، فجاء عمر وقال: قال لسعد: أقبل، فأقبل إلى المدينة، فقال: أنهم شكوك كذا وكذا، فماذا تصنع في الصلاة؟ قال: أرقد في الأولين وأتمهل في الأخرين، فوصف له صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا الظن بك يا أبا إسحاق، يعني لما قال له: أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصف له الصلاة التي يصليها بالناس، قال: هذا الظن بك، فكانوا كذبا، يعني كذبوا على من؟ على سعد بن أبي وقاص. فدعا على هذا الرجل، فقال: اللهم إن كان هذا عبدك قام ريا... هو سمعة، فأطل عمره، وأعمي بصره، وعرضه للفتن. قال: فكان شيخا كبيرا، يقال له أسامة بن... ابن قتادة، الظاهر كذا، فكان رجلا كبيرا عميا، شيخا كبيرا عميا، وكان يتعرض للنساء في الطرقات، فإذا قيل له: لماذا تفعل ذلك؟ قال: شيخ مفتون، أصابته دعوة سعد. يعني أنه فتن وهو كبير، عرضه للفتن وهو شيبا، وكان يتعرض للنساء في الطرقات، وهذا جزاء من يكذب، فالكذب تكذب على شخص وتتهمه بما ليس فيه باطلا وزورا، فيدعو عليك، تستجاب دعوته، وما يدرك أنه ما تستجاب دعوته، فلهذا يحذر المسلم من أن يلصق التهم بغيره وهم منه براء، ولعلها تصيبك دعوة، فتصبح بعد ذلك ماذا؟ كما هذا الرجل يدعو عليك، هذا البريء وهو مظلوم، فيستجيب الله عز وجل دعوته. فكيف هو هذا سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو مستجاب الدعوة، فدعى لهذا الرجل، يستجيب دعوة سعد، فأصبح شيخا مفتونا، أعمى. وقال القرطبي: والذي يظهر لي أن الأليق بمعنى أن المراد بالتعزير هنا الإعظام والتوقير، كأنه وصف ما كانت عليه حالتهم في أول الأمر من شدة الحال وخشونة العيش والجهد، ثم أنه اتسعت عليهم الدنيا بالفتوحات وولوا الولايات، فعظمهم الناس بشهرتهم وفضلهم، فكأنه كره تعظيم الناس له، وخص بني أسد بالذكر لأنهم أفرطوا في تعظيمه. هذا ما قاله القرطبي في شرح مسلم. لكن هذا بعيد، هذا بعيد، وهو أنهم عظموه، معنى التعزير الإعظام، هو من معاني التعزير الإعظام، بتعزروه وتوقروه، معنى تعظموه، الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾، من معاني التعزير الإعظام، ومن معاني التعزير التأديب، ومن معاني كذلك التعزير ماذا؟ هو اللوم والعتب والتوبيخ على التقصير، هذا من معاني، فيكون أن بني أسد أراد توبيخ سعد، وكذلك لومه ومعاتبته بهذا. ثم قال: وأصفحت... وأصبحت بن أسد يعزرونني في الدين، يعني في الدين، وأنا سابق في الإسلام، فسعد كان أعلم منهم، كان أعلم منهم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، كان أعلم بالدين منهم، أنتم تعلمونني، كانوا يقولون: أنتم الآن تعلمونني الدين، أنتم بعدكم وإلا جيتم الآن تعلمونني الدين، أصبحت بني أسد تعذروني في الدين، فهذا ما يليق به، ما يليق ذلك شخص كسعد، واحد العشرة ومن السابقين للإسلام، ما يعرف يصلي، أنتم تعلمونني الصلاة، كأنه يقول لهم ذلك. قال: خبت إذن وخسرت و بطل عملي. إذا كان أنا ما أعرف أصلي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أعرف شيء في الدين، لهذا كان اتهاما بالباطل، وهذا الذي قاله القرطبي رده الحافظ رحمه الله تعالى، وهو أنهم عظموه، فما أرادهم أن يعظموا، بل هم ما عظموه. قلت: أي الحافظ، وهذا كله مردود لما ذكرته من أن بني أسد شكوه وقالوا فيه ما قالوا، ولذلك خصهم بالذكر، يعني خصهم بالذكر بني أسد لأنهم شكوه إلى عمر، شكوه إلى عمر وقالوا: لا يحسن يصلي، فلهذا خصهم بالذكر. طيب، هذا الحديث أيضا يقول فيه الحافظ رحمه الله تعالى عند قوله: لقد خبت إذن وخسرت و بطل عملي، قال ابن الجوزي: إن قيل كيف ساغ لسعد أن يمدح نفسه ومن شأن المؤمن ترك ذلك لثبوت النهي عنه؟ قلنا: أنتم تعلموني الصلاة، الآن هو صار... صار سعد رضي الله عنه يمدح نفسه، أنتم تعلموني الصلاة، من بني أسد تعذرونني، أنا ما أعرف أصلي، أنا ما أعرف الدين، يعني الآن هو يمدح نفسه بأنه يعلم ما لا يعلمونه، يعلم ما لا يعلمونه، في هذا إظهار لماذا؟ للعلم، وإظهار أنه عنده علم وأنه عنده كذا وكذا، كيف ساغ لذلك؟ وأيضا قد جاء قوله تعالى: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ﴾. طيب، إذا كان الشخص عنده عنده علم أو عنده أمانة أو عنده مثلا تقوى وورع وعنده وعنده، هل يقول: أنا عندي كذا وكذا، عندي كذا وكذا؟ إظهار ذلك لمن خفي عليه أو لمن لامه وعاتبه، الجواز نعم يجوز ذلك، لمن لامه وعاتبه أو عنده ما ليس عند الآخرين، ليس من باب التفاخر والتكبر والتعالي، وإنما هو من باب إما إظهار الحق الذي خفي عليهم، وإما من باب نفع المسلمين، وإما من باب ماذا؟ نفع المسلمين، وبهذا أجاب الحافظ رحمه الله تعالى وابن الجوزي. قال: فالجواب أن ذلك ساغ لما عيره الجوهان بأنه لا يحسن الصلاة، فاضطر إلى ذكر فضله والمدحة. قال: والمدحة إذا خلت عن البغي والاستطالة وكان مقصود قائلها إظهار الحق وشكر نعمة الله لم يكره، لم يكره. هؤلاء جوهان أنكروا عليه، فلما أنكروا عليه قال لهم: أنتم تعلموني الصلاة، هم جهال ويقولون: ما يعرف يصلي، ولهذا لما سأله عمر: كيف تصليه؟ قال: أفعل كذا وكذا، قال: هكذا الظن بك يا أبا إسحاق، وصف لهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم للدلالة على أن عنده ماذا؟ علم، أنه عنده علم، ورد على هؤلاء الجهال، ليس مراد وسعد رضي الله عنه ماذا؟ البغي، وإنما هو الرد على هؤلاء، وأيضا عثمان قد قال ذلك لما دخلوا عليه الدار، قال: على ما تقتلونني؟ أوليس الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة، فحفرتها أنا، وقال: من جهز جيش العسرة فهو كذا كذا، رفيقي في الجنة، فجهزت جيش العسرة بكذا وكذا، وقال كذا، فذكرهم بفضائله، هؤلاء الجهال الذي دخلوا عليه، على ما قالوا: تقتلوننا، على ما دخلتم الدار ماذا تنكرون علي؟ أوليس النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل دم امرئ المسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيب الزاني، والنفس بالنفس، تارك الدين والمفارق للجماعة. إذا كان فيه هناك ناس جهال ما يعرفون حال الشخص، فيعرفهم، يعرفهم ويوقفهم عند ماذا؟ حدهم، فيقول لهم: أنا كذا وكذا، فعنتم: أولستم تعلمون ذلك؟ ليس من باب البغي، وإنما من باب ماذا؟ إظهار الحق الذي ربما إما خفي عليهم، وإما هم ماذا؟ أخفوه على الناس تعمية لأنهم أرادوا ماذا؟ عيبه وشينه، فلهذا أظهر الحق الذي كان عنده رضي الله عنه وأرضاه. هذا هو سعد بن أبي وقاص. يوسف عليه السلام ماذا قال؟ ﴿ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾، قال للعزيز، عزيز مصر: اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم، أنا حفيظ عليها، أنا مؤتمن، ذلك لإظهار ما عنده من الخير، ولهذا قال ابن الجوزي: كما لو قال قائل: إني لحافظ لكتاب الله، عالم بتفسيره وبالفقه في الدين، قاصدا إظهار الشكر أو تعريف ما عنده ليستفاد، ولم يقل ذلك لم يعلم حاله. يعني واحد عنده خير لكن مخبين، ولكن أراد بعد ذلك أن يظهر هذا شكرا للنعمة، أن عنده كذا وكذا، وأيضا ليستفاد منه، فلا بأس. يقول الله: أنا عندي في الفرائض مثلا، يقول لهم حتى يستفيدوا منه، أنا عندي في الفقه، أنا عندي في العقيدة، أنا عندي في كذا، هذا إذا كان في أبواب العلم، وإذا كان في باب الأمانة مثل ما قال يوسف عليه الصلاة والسلام، قال: إني حفيظ عليم، أنا اجعلني على هذا الخزائن، وسترى مني الحفظ والأمانة، يقول لملك مصر، لملك مصر، لما أخرجه من السجن. قال: ولهذا قال يوسف عليه السلام: إني حفيظ عليم، وقال علي بن أبي طالب: سلوني عن كتاب الله، وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله لأتيته. إذن هذا عن الصحابة رضي الله عنهم، إظهار ما عندهم من الخير، رجال استفاد منهم، وإظهارا لشكر نعمة الله سبحانه وتعالى، وأيضا ردا، وقد يكون ردا على ماذا؟ على الجهال، ردا على الجهال الذين ما يعلمون حال هذا الرجل، فلا بأس أن يعرفهم فضله ويوقفهم عند ماذا؟ حدهم، إذا كان أرادوا عيبه وشينه أمام الناس أو أمام أولياء الأمور، قد يكون هذا أمام أولياء الأمور كما فعلوا وشكوه إلى عمر، ولي الأمر الخليفة، وقالوا له: كذا وكذا فعل سعد، فلهذا سعد أراد أن يعرفهم من هو سعد بن أبي وقاص، فمدح نفسه، وقال: ثم صارت بن أسد يعزرونني في الدين، خبت إذن وخسرت و بطل عملي. هذا ما يتعلق بشرح هذا الحديث، والشاهد فيه ما بوَّب عليه الترمذي ورحمه الله تعالى، وهو أنهم كانوا في جوع شديد، خرجوا في جوع شديد، وغزوا في جوع شديد، حتى كانوا يأكلون أوراق الشجر، وأيضا جاء في حديث جابر بن عبد الله: أما خرجوا في غزوة سيف البحر، وخرجوا ما معهم طعام، أخرج الله لهم حوت العنبر، وأكلوا بعد ذلك منه، حتى أنهم ماذا؟ من كبره، يعني جعلوا جعلوا عظامه هكذا في الأرض، ومر من تحت عظام هذه من كبره رجل راكب على بعيره، ويظل على أن هذا الحوت كان كبيرا جدا، فأكلوا منه وادهنوا. وهكذا الصحابة رضي الله عنهم كانوا يخرجون في السرايا والغزوات، وربما لم يكن معهم طعام ولا ماء، أو يقل منهم الزاد. وذكر في ذلك أيضا ما جاء في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، منها نبع الماء من بين أصابعه، ومنها تكثير الطعام القليل، كما في غزوة تبوك، لما قل ومعهم الطعام، وبعضهم أشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبحوا النواضح، أن يذبحوا الإبل، فأشار عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام بأن يجمعوا الأزواد، وبعد ذلك يضع يده عليها ويدعو الله على بالبركة، ففعل النبي عليه الصلاة والسلام، فبعد ذلك كانت معجزة بأنهم كلهم شبعوا وأكلوا وغرفوا من هذا الزاد. فهذه أحواله صلى الله عليه وسلم وأحواله الصحابة رضي الله عنهم من قلة ذات اليد، وأيضا من الجوع الذي يلاقونه في الغزوات والسرايا. طيب، إلى هنا، وإن شاء الله بعد الأذان نكمل الأحاديث في هذا الباب.