الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 1، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يقدم المؤلف كتاب "لمع الدر المنثور" جامعاً للأحاديث والآثار في العقيدة والسنة، مستهلاً بباب لزوم الكتاب والسنة واتباع السلف. يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين أن الاعتصام بالقرآن والسنة هو الصراط المستقيم، محذراً من السبل المفرقة المفضية إلى الضلال.
يشرح المقطع مثل الصراط المستقيم المحدود بحدود الله (أبواب وستور) التي تمثل محارمه، داعياً لسلوكه وناهياً عن انتهاك الحرمات. يستعرض حديث العرباض بن سارية مؤكداً وجوب التمسك بسنة النبي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، محذراً من محدثات الأمور وكل بدعة ضلالة، ومشيراً إلى رضا الله بالاعتصام بحبله جميعاً.
يؤكد المقطع أن رضا الله يتحقق باعتصام المسلمين جميعاً بكتاب الله وسنة نبيه وتوحيد صفهم، محذراً من التفرق إلى أحزاب وشيع وهو من هدي المشركين. يبين أن البدع تنشأ من اتباع الهوى، مستدلاً بأقوال ابن عباس وحذيفة بن اليمان على وجوب الاستقامة على الأثر والعمل بالقرآن لا مجرد حفظه، لأن القرآن حجة للعامل به وحجة على تاركه.
يذكر المقطع دعاءً مأثوراً يُقال بعد الصلاة، يتضمن تسبيح الله وحمده، وشهادة التوحيد، وطلب المغفرة والتوبة إليه سبحانه. يبرز أهمية هذا الذكر في ختم الصلاة بالتوبة والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف حفظه الله في "لمع الدر المنثور من القول المنثور في الاعتقاد والسنة"، ومؤلف الكتاب الشيخ جمال بن فريحان الحارثي. وقد قرض الكتاب معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله، وأجازه معالي الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله تعالى. هو كتاب جمع مؤلفه فيه آثارًا وأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وربما صدر بعض الأبواب بالآيات من كتاب الله عز وجل. كتاب في السنة واتباع السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ورحمهم الله. فبدأ أول باب في هذا الكتاب بلزوم الكتاب والسنة واتباع آثار السلف وعدم الابتداء. قال حفظه الله: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. في هاتين الآيتين الكريمتين يبين الله سبحانه وتعالى أنه أنعم على عباده المؤمنين وهم المهاجرون والأنصار، كيف كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ كانوا في جاهلية، وكانت بينهم الحروب، وربما نشأ كذلك بينهم القتل والقتال. فأنعم الله سبحانه وتعالى عليهم كما في الآية الأولى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، فالذي يؤلف القلوب هو الله جل وعلا، ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، بعد أن كنتم متفرقين، وكنتم متناحرين ومتشاجرين ومتقاتلين، ﴿كُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾، بهذا الأمر الذي ارتكبتموه، ولكن الله عز وجل منّ عليكم فأنقذكم من هذا الأمر العظيم. وأمرهم سبحانه بالاعتصام بكتابه، بحبله، فالحبل الله سبحانه وتعالى هو الكتاب الذي آتاه الله عز وجل وأنزله على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمرهم بالاعتصام وعدم التفرق، عدم التفرق إلى شيع وإلى أحزاب. ثم قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، فالصراط هو دين الله سبحانه وتعالى، هو الإسلام، فدين الإسلام صراط مستقيم، من دخل فيه وأخذه بحقه فإن هذا الصراط يوصله إلى المطلوب، ولا يكون الصراط إلا مستقيماً، فوصف الله سبحانه وتعالى دينه بالاستقامة. وهكذا أيضًا أمر بالاتباع: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾، فلهذا أمرنا باتباع ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن لا نخرج على هذا الاتباع. فإذا خرج بعضنا عن هذا الاتباع فإن هناك السبل، وعلى هذه السبل الشياطين. ولهذا جاء في المسند والترمذي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في تفسير هذه الآية قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا مستقيمًا، وخط حوله خطوطًا عن يمينه وعن شماله، فقال لهم: «هذا صراط الله»، أي الخط المستقيم، «وهذه السبل»، أي التي عن جانبين، «فمن خرج عنها وعلى رأس هذه السبل الشياطين»، فمن خرج عن هذا الصراط المستقيم تتلقفه الشياطين. ثم قرأ قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، أي عن طريقه، عن الطريق المستقيم. فالسنة، الكتاب والسنة، هما الصراط المستقيم الذي ينبغي على السالك أن يسير عليهما، فيتخذهما له في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى، لأن الكتاب طرفه بيد الله، الكتاب وهو القرآن طرفه بيد الله، والطرف الآخر بأيدينا، كما في حديث أبي شريح الخزاعي عند الإمام أحمد، لما خرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟» قال أبو شريح: قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «فأبشروا، فإن هذا القرآن سبب، طرفه بيد الله، وطرفه الآخر بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا بعده أبدًا». «فمن تمسك بالكتاب والسنة فإنه لن يضل». «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله»، كما في حديث زيد بن أرقم عند الإمام مسلم: «كتاب الله». فحث النبي عليه الصلاة والسلام ورغب الناس على التمسك بكتاب الله لأنه الصراط المستقيم الذي لا يعوج فيه. فمن دخل في الإسلام وأخذ الإسلام بحقه، ودرس دين الله سبحانه وتعالى وتعلمه، وسار على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه على طريق النجاة. وأيضًا جاء عند الإمام أحمد أيضًا من حديث النواس بن سمعان قال: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران عليهما أبواب مفتحة، وعلى هذه الأبواب ستور مرخاة، ستور مرخاة على هذه الأبواب التي على السور، سور كبير لكن عليه أبواب، والأبواب هذه مفتوحة عليها فقط ستور مرخاة، يعني سهلة الدخول، سهلة الدخول، ليست أبوابها مغلقة، وليس هناك عليها حديد ولا شيء يمنعك من الدخول. قال: وعلى الصراط داع يدعو: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتفرقوا. داع يدعو: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتفرقوا. وداع فوق الصراط، على هذه الأبواب، فوق الصراط، إذا أراد أحد أن ينفذ تلك الأبواب قال له: ويلك لا تفتحه، إنك إن تفتحه تلجه. لا تفتح تلك الأبواب لأنك إذا فتحتها دخلت فيها. قال: فالداعي كتاب الله، القرآن، كتاب الله يدعو الناس على هذا الصراط المستقيم، الإسلام يدعو الناس، يقولون: يا أيها الناس ادخلوا جميعًا في دين الإسلام، لا تعوجوا، لا تتفرقوا، اجعلوا أنفسكم جميعًا على خط واحد وصراط مستقيم. والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم». يعني الذي يقول لهم: احذر، هذه محارم الله. الستور، الأبواب، الحدود والستور هي ماذا؟ هي محارم الله. ولهذا انتهاكها كما يقال سهل، لكن ما الذي يجعل المسلم والمؤمن لا ينتهك هذه الحرمات ولا يقع فيها؟ الواعظ الموجود في القلب الذي دائمًا وأبدًا يقول له: ويلك، احذر، إنك إن تدخل هذه الحدود والمحارم تفتحها وتدخل فيها وتقع فيها. فلهذا المسلم في قلبه واعظ من الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى الآيتين العظيمتين، بينهما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال المؤلف: قال صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». هذا حديث العرباض بن سارية. قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، فكأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي». يعني سيأتي الأزمنة، الأزمنة هذا فيها اختلاف الناس، كل يرى رأيه، ويرى أنه على الحق وعلى الهدى وعلى الصواب، لكن ما هي الحقيقة؟ الحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: الزموا السنة، «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»، وهم الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فما سنوه يعتبر من السنة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وسنة الخلفاء»، فهي من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فما سنوه في زمنهم وأجمع عليه الصحابة يعتبر من السنة: سنة أبي بكر التي فعلها في كذا، أو سنة عمر التي فعلها في كذا، أو سنة عثمان التي فعلها في كذا، أو سنة علي رضي الله تعالى عنه. فما جاء عن الصحابة الخلفاء الراشدين، سماهم نبينا صلى الله عليه وسلم راشدين، الرشد وهو بلوغ كمال العقل، بلوغ كمال العقل، فهؤلاء ذوو عقول، وما ينطقون إلا من مشكاة النبوة، لأنهم أخذوا العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، كعمر، قال فيه: «محدث ملهم، إن يكن في أمة محدثون فعمر». وكم نزل القرآن بتأييد عمر في مواضع كثيرة، يشير فيها عمر إلى أمر من الأمور على النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل القرآن يؤيد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. «المهديين» أيضًا هم على هدى، سماهم النبي عليه الصلاة والسلام ووصفهم بأنهم راشدون، وبأنهم كذلك مهديون، فهم على هدى، فلا يطعن أحد في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وما سنوه للأمة. قال: «عضوا عليها بالنواجذ»، الذي يريد أن يمسك الشيء بقوة فإنه يعض عليه بالنواجذ، لأنها قوية، ما يعض عليها بالأضراس الأمامية لأنها سرعان ما تنفك وتتكسر، لكن يعض عليها بالنواجذ لأنها قوية، وصعب أن تخرج من ذلك المكان. لهذا أمرنا عليه الصلاة والسلام أن نعض على السنة بقوة، أي أن نمسكها بقوة، وندخل فيها بقوة، ونتمسك بها بقوة. «وإياكم ومحدثات الأمور»، أي ما أحدثه الناس على غير هدى، «فإن كل بدعة ضلالة». ثم قال رحمه الله: وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا»، وذكر منها: «وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا». أيضًا مما رضيه الله عز وجل لنا، رضيه للأمة، رضيه للمسلمين: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا»، ذكر مما يرضاه الله عز وجل عن العباد أن يعتصموا جميعًا بحبل الله، أي أن يكونوا أمة واحدة، أن يكونوا على كتاب الله جل وعلا، لا يتفرقون إلى شيع، لا يتفرقون إلى أحزاب: الحزب الفلاني والحزب الفلاني. بل هذا ذمه الله سبحانه وتعالى، ووصف من فعل ذلك بأنه على سبيل المشركين، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. هذه الأحزاب هي من سبل أو من هدي المشركين، أما أهل الإسلام فليس إلا حزب واحد، هم حزب الله الغالبون، حزب الله المفلحون، حزب الله، المراد بهم المعتصمون على الكتاب والسنة. كل مسلم معتصم على الكتاب والسنة فهو من حزب الله المفلحين، ومن حزب الله الغالبين. فليست هناك أحزاب في دين الإسلام، لا جماعات ولا أحزاب، الجماعة جماعة واحدة، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الكثيرة: «عليكم بالجماعة»، ما قال: عليكم بالجماعات. كم جماعة اليوم في الأمة الإسلامية؟ جماعات كثيرة، هذا الشيخ على رأس الجماعة، والجماعة تتبع هذا الشيخ، وهكذا، فتفرق المسلمون، عياذًا بالله، وهذا لا يرضاه الله سبحانه وتعالى، لا يحب الله سبحانه وتعالى المسلمين أن يتفرقوا أو أن يكونوا شيعًا وأحزابًا، بل يحب منهم سبحانه أن يكونوا على يد واحدة هي على الجماعة، وأن يكونوا معتصمين بكتابه سبحانه وتعالى. هذه الأحاديث ثلاثة أحاديث، وهكذا أيضًا آيتان في هذا الباب عظيمتان، تبين عظم الالتزام والتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والاعتصام بكتاب الله. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والبدع». «عليكم» أي الزموا الاستقامة والأثر، يعني المسلم عليه أن يبحث عن إيش؟ يبحث عن الأثر، هل صح في هذا الأمر حديث؟ يبحث عن الآثار حتى يستقيم، ولا يبحث عن ماذا؟ ولا يبحث عن مجرد الأهواء التي تمليه عليه إما نفسه أو غيره، فيحذر من هذا. ولهذا قال: «وإياكم والبدع». البدع تنشأ من الأهواء، فما سموا أصحاب البدع بأهل الأهواء إلا إنهم ركبوا أهواءهم، ركبوا أهواءهم، فما عبدوا الله عز وجل على بصيرة، على هدى، على سنة، وإنما عبدوا الله جل وعلا بما أملته عليهم أهواءهم، فاستحسنوا بعض الأمور في الشريعة فعملوا بها، قالوا: هذا لا بأس به. من أين جيتم بهذا؟ هل عندكم كتاب وسنة؟ لا، ما عندهم شيء، وإنما عندهم هوى أملته عليهم نفوسهم، فاستحسنوا هذا الأمر وساروا عليه. فليحذر المسلم من اتباع الهوى، فإن مضلات الهوى خطيرة. قالوا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم قال: «اتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من قبلكم، فوالله لئن سبقتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا». يقول حذيفة، يقول حذيفة: يا معشر القراء، ينصح الآخذين بالكتاب، القارئون له، الحافظون كذلك، أنهم يستقيموا. فليس الشأن أنك تحفظ، يكون في صدرك قرآن، ليس هذا الشأن، فإن الخوارج أيضًا يحفظون القرآن ويقرؤون القرآن، لكن ما يأخذون به، وما يفعلون به، ويتعلمونه من أجل أن يعملوا به. قال: «فوالله لئن سبقتم»، أي لئن استقمتم يا معشر القراء، «لقد سبقتم سبقًا بعيدًا»، أي كنتم على خير عظيم، أيها القارئون، أيها الحافظون لكتاب الله عز وجل، استقيموا عليه، أي اعملوا به، اعملوا به، لا تجعلوا القرآن مجرد شيء في الصدور تقرؤونه فقط، تتبركون به، وإنما ينبغي أن يكون القرآن الذي في الصدور لأجل التدبر والتفهم والعمل به. قال: «وإن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا». فهذه نصيحة من حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وهو من السابقين للإسلام، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ينصح به معشر القارئين والحافظين لكتاب الله عز وجل، أن يكون، أن يكون هذا القرآن الذي يحملونه في صدورهم حجة لهم، يجعلونه حجة لهم، ولا يجعلونه حجة عليهم بترك العمل. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث مالك بن أبي مالك الأشعري في صحيح مسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك». فلنحذر من هذا، بارك الله فيكم، بل نجعل كتاب الله سبحانه وتعالى حجة لنا ما استطعنا، ولا نجعله حجة علينا عندما نتعلم ولا نعمل. طيب، نكتفي بهذه الآثار إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.