شرح كتاب لم الدر المنثور 52

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 52، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

أسباب ذهاب الدين وموت العلماء

يستعرض المقطع أسباب ذهاب الدين كما وردت في السنة النبوية، موضحاً أن موت العلماء يؤدي لظهور الجهل وتعطيل الحكم بشرع الله. كما يحذر من إضاعة الصلاة ورفع العلم بذهاب أهله، داعياً إلى التمسك بالعلم الشرعي.

وجوب اتباع الكتاب والسنة ونهي التقليد الأعمى

يؤكد المقطع أن الحجة الوحيدة في الدين هي كتاب الله وسنة رسوله، وينهى عن تقليد غير المعصوم بلا دليل. ويبين أن العامي يتبع أهل العلم الثقات المستدلين بالكتاب والسنة، محذراً من ترك السنة الذي يؤدي لذهاب الدين.

تمسك الغرباء بالسنة وذهاب الدين بترك السنن

يبيّن المقطع أن الدين يذهب بترك السنن شيئاً فشيئاً، وأن الغرباء هم من يحيون السنة عند فساد الناس فيُتّهمون بالابتداع. ويستشهد بأثر ابن عمر داعياً أهل العلم لإحياء السنة لقمع البدعة وحفظ الدين.

دعاء الاستفتاح والتوبة

يذكر المقطع دعاء الاستفتاح المعروف بـ "سبحانك اللهم وبحمدك" متضمناً الشهادة بالتوحيد والاستغفار. وتُنسب الترجمة المرفقة إلى نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد. ما زلنا في باب أسباب ذهاب الدين، وذكرنا الأسباب التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. من هذه الأسباب: ذهاب العلماء، وأن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعاً من الناس، وإنما يقبضه بقبض العلماء. فإذا ذهب العلماء اتخذ الناس رؤوساً جهالاً. وهكذا أيضاً من العرى التي تذهب في هذا الدين: الحكم، وأيضاً الصلاة وهي آخرهن، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تنقضن عرى الإسلام عروة عروة، كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن الحكم وآخرهن الصلاة». وأنت ترى هذا واقعاً مشهوداً، فالحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى ربما يكون في بعض البلاد شائعاً، يحكمون بالقوانين الوضعية، وقليل ما يحكم بالشريعة الإسلامية وتطبيق الحدود ونحو ذلك. وهكذا أيضاً أمور الصلاة، الناس تراهم لا يحافظون عليها في أوقاتها وأوقاتها بشروطها وأركانها، والقليل من يحافظ عليها. لهذا ترى الملاهي، وترى أصحاب الأعمال والأشغال ربما لا يصلون في أوقاتها وأوقاتها بأركانها وشروطها التي أمر الله سبحانه وتعالى. فكثير منهم يؤخر الصلاة ويتساهل في أمر الصلاة، واستهيل الصلاة، فهذا أمر خطير، فهذا من ذهاب الدين الذي أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وأيضاً من ذهاب الدين: ذهاب الخشوع، كما في حديث ابن مسعود: «إذا صلى الإنسان ذهب منه الخشوع إلا من رحم الله». فيدخل في الصلاة ويفكر في أمر دنياه وشؤونه وحياته، وماذا سيفعل بعد هذه الصلاة، وماذا عليه، وماذا نسي، وماذا كذا وكذا، فيأتيه الشيطان فيذكره أموراً كثيرة قد نسيها. فالخشوع مهم في الصلاة، وقد مدح الله الخاشعين في كتابه الكريم كما في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. وجاء أيضاً من أهم حديث ابن مسعود، حديث عوف بن مالك، أن النبي عليه الصلاة والسلام نظر يوماً في السماء فقال: «هذا أوان يرفع فيه العلم». انظروا يا عباد الله، في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرهم بأن هناك أوان يرفع فيه العلم. فقال رجل من أهل المدينة، فقال له زيد بن لبيد: يا رسول الله، كيف يرفع العلم وفينا كتاب الله قد علمناه أبناءنا ونساءنا؟ ظن أن وجود الكتاب يعني القرآن، هذا وجوده يعني وجود العلم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن كنت لا أظنك أفقه أهل المدينة». ثم ذكر ضلالة أهل الكتابين: اليهود والنصارى، كان عندهم الكتب من الله سبحانه وتعالى، ولكن ما عملوا بها وما اتبعوا ما فيها، فهنا يحصل الضلال وذهاب العلم. قال الراوي: فلقيت شداد بن أوس، فحدثته بما قال عوف، يعني من رفع العلم، وشداد كان حاضراً تلك الجلسة. قال: صدق عوف. قال: تدري ما أول ما يرفع من العلم؟ أو قال: ما ذهاب العلم؟ قال: ذهاب أوعيته. وتدري أي العلم أول يرفع؟ قال: الخشوع من الصلاة، حتى لا تكاد ترى خاشعاً. فذهاب الدين وذهاب العلم بذهاب الأوعية التي تحمله، وهم العلماء. فإذا ذهب العلماء والصلحاء والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، الذين يدعون بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حصل الضلال وحصل الشر في المجتمعات، لأن كل يتبع هواه، والعياذ بالله. فهذا الباب مهم، ينبغي للمسلم أن يبقى على كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الباب أيضاً قول ابن مسعود رضي الله عنه: «ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن، وإن كفر كفر. فإن كنتم لا بد مقتدين فبالميت، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة». ابن مسعود ينهى عن التقليد، ومعناه: اتباع من ليس بحجة بلا حجة، لأن هؤلاء الناس غير رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم، ليسوا بحجة. الحجة في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأنت تعبد الله بما شرع في الكتاب والسنة. لهذا يقول: لا تقلد أحداً دينك، دينك خذه من أين؟ من كتاب الله وسنة رسوله مما أنزل الله سبحانه وتعالى. قال: «إن آمن آمن»، يعني: إن كان على حق وإيمان كنت أن تمثله على حق وإيمان، وإن كان على باطل هذا تقلده في كل شيء وتتبعه في كل شيء، لأنه بشر، فقد يكون يوماً مصيباً ويوماً يكون مخطئاً، يوماً على حق وربما يكون تارة على باطل، وهو ليس عليه وحي ينزل، وهو يجتهد. لهذا انتبه أن تقلد رجلاً ليس معصوماً بلا حجة، يعني ليس عنده دليل وبرهان. فالتقليد مذموم، التقليد مذموم. لكن ما هو الممدوح؟ الممدوح عند العامي الذي لا يعرف الاستنباط من كتاب الله وسنة رسوله أنه يتبع الدليل من الكتاب والسنة على أيدي الرجال الثقات المأمونين. يعني نحن نتبع العلماء لا شك، العلماء هم قدوتنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم الذين يوضحون هذا الدين ويبينون لنا هذا الدين، فعن طريقهم وصل الدين، وهم ورثة الأنبياء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فنحن نقلدهم فيما كان فيه الحجة والدليل والبرهان، لأنه ليس عندنا علم كعلمهم. لهذا يقولون: العامي يقلد، لكن يقلد من؟ يقلد أهل السنة، علماء أهل السنة الذين عرفوا بالعلم، وعرفوا بالاستقامة على الشرع، وعرفوا أيضاً بماذا؟ باتباعهم للدليل. فيسعى يبحث عنهم: من هم العلماء؟ فإذا عرفهم لزم طريقهم، لزم ماذا؟ طريقهم. وأولاهم الأموات الذين ماتوا على السنة، الذين ماتوا على الخير، ماتوا على الهدى، فهم أولى من الأحياء، لأن الأحياء ماذا؟ قد يضلون، كما قال ابن مسعود: «الحي لا تؤمن عليه الفتنة»، يعني اليوم يكون على حق وهدى، ربما يزيغه الله سبحانه وتعالى، الأمر لله. لهذا أنت عليك بمن إذا اقتديت، يعني إذا اتبعت، قال: «من كان مستناً فليستن بمن قد مات». هكذا يقول ابن مسعود: «فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة». فانظر إلى آثار القوم، فانظر إلى آثار القوم من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، هكذا الأئمة الأربعة. تتبع هؤلاء وتنظر في أقوالهم، تكون على خير، تكون على خير عظيم إن شاء الله تعالى، أنك على خير عظيم. لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فأنت تسأل أهل الذكر الذين أمرك الله، فإن قمت يوم القيامة عملت أعمالاً تقول: يا رب، أنت أمرتني بأهل الذكر، وقد عرفت من هم أهل الذكر، عرفت أهل الذكر الذين سبقوك بالإحسان فاتبعتهم بإحسان. لهذا قال: «فإن كنتم لا بد مقتدين فبالميت، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة». قال عبد الله بن فيروز الديلمي رحمه الله: «وإن أول ذهاب الدين ترك السنة، يذهب الدين سنة سنة، كما يذهب الحبل قوة قوة». يعني: عندما يترك الناس السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب دينهم. فالدين هو السنة، هو كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأقوال ومن الأفعال ومن كذلك التقريرات، هذه السنة. فإذا الناس تهاونوا فيها تركوها، يذهب دينهم شيئاً فشيئاً. لهذا الصحابة كانوا متمسكين بالأمور تمسكاً شديداً، حتى ما يذهب منهم الدين. هذا يقول شداد: يقول له: ذهاب الأوعية، ثم يقول له: ذهاب الخشوع. انتبه: يذهب منك الخشوع، يذهب منك الجزء من الدين، فكلما ذهب الشيء يذهب منك الجزء من الدين، لأن الدين كاملاً ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فيدخل كذلك أقواله، ويدخل كذلك أفعاله، ويدخل تقريراته للصحابة رضي الله تعالى عليهم. فالإسلام سيأتي غريباً كما بدأ غريباً، كما قال عليه الصلاة والسلام: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ». طوبى للغرباء، يتمسكون إذا فسد الناس، الناس يتركون الإسلام، يتركون السنن، ما يعملون بها، معهم الاسم فقط. لكن هؤلاء الذين يتمسكون، قال: طوبى لهم في آخر الزمان. فيذهب الدين بترك السنن، يذهب الدين سنة سنة. تنسى الآن، لما يأتي عالم ويحيي بعض السنن، يقولون: هذا جاء بدين جديد. هو ما جاء بدين جديد، هذه السنة اندثرت، أن الناس تناسوها بسبب الجهل، بسبب الجهل وعدم الرجوع إلى أهل العلم، وعدم القراءة في كتاب الله وفي سنة رسوله، فشافوها غريباً. فعندما يأتي أهل السنة إلى مجتمعات يحيون السنة التي هي ماذا؟ اندثرت ونسيت مع الجهل، في فترات يكون ما فيها علماء، ما فيها صلحاء، ما فيها دعاة يدعون إلى الله عز وجل، يأتي الجهل، بل تأتي الخرافات والبدع، فيظن الناس أن هذه البدع والخرافات هي السنة. فيأتي من يطرح هذه البدع والخرافات ويحاربها ويقمعها بالدليل من الكتاب والسنة، فيقولون: هذا أتى بدين جديد، هذا أتى بدين جديد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: «كما يذهب الحبل قوة قوة»، يعني الحبل يكون مفتولاً يكون مربوطاً بعضه ببعض، فيذهب شيئاً فشيئاً. فلذلك إذا حافظنا على السنن وأحيينا السنن بقي لنا الدين، وإذا تركنا السنن نسيها الناس، فإذا لم يعمل بها من هم أولى بالعمل بها، كما قال معاوية: «فغيركم أحرى أن لا يقوم به». خطب الناس رضي الله عنه وأرضاه، قال: «يا معشر العرب»، نادى في الناس: «يا معشر العرب، لأن لم تقوموا بهذا الدين فغيركم أحرى أن لا يقوم به». هل تريد أن يأتي الأعاجم ويقومون بهذا الدين، وأنتم العرب؟ يخاطبهم: أنتم الذين نزل فيكم القرآن، أنتم أولى به من غيركم، فغيركم أحرى من أن لا يقوم به. وربما جاء في فترات من قام بهذا الأمر أعاجم، وليسوا من عرب، وليسوا من عرب. فهو يحثهم على أنهم يلتزموا شرائع الإسلام ويقوموا بها ويعملوا بها، حتى يراهم الناس. فإذا رأوهم الناس: أنتم دعاة أهل السنة، أنتم يا من تطلبون العلم، يا من تتفقهون في الكتاب والسنة، أنتم اعملوا، يراكم الناس عملتم بالسنة فتحيى السنة. لكن أنتم ما عملتم بها وما دعوتم الناس إليها، فكيف يعرف الناس أنها سنة؟ كيف يعرف الناس أنها سنة؟ فانظروا أهل البدع ينشطون في بدعهم، وأهل السنة ماذا؟ يتكاسلون في إحياء السنة، إلا من رحم الله. وقال: سمعته ابن عمر يقول: «ما ابتدعت بدعة إلا زادت مضياً، ولا تركت سنة إلا زادت هوياً». وقال: يعني عبد الله بن فيروز الديلمي، أبوه صحابي، واختلف في عبد الله هل هو صحابي أم ليس بصحابي، فهو كما قال الحافظ في كبار التابعين، وذكره في الإصابة في تمييز الصحابة، فهو ليس بصحابي، عبد الله بن فيروز، لكن فيروز أبوه صحابي، وممن أرسله أبو بكر في جيوش الردة، في جيوش الردة، وحارب مع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، حاربوا الأسود العنسي، وظفروا به وقتلوا عدو الله. قال: وسمعته ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر الصحابي، يقول: عبد الله بن فيروز سمعته عبد الله بن عمر يقول: «ما ابتدعت بدعة إلا زادت مضياً»، يعني زادت تقدماً وانتشاراً، «ولا تركت سنة إلا زادت هوياً»، يعني اندثاراً، والعياذ بالله. ولهذا أهل السنة يحيون السنة حتى تزداد مضياً وتنتشر، وتقمع بجانبها ماذا؟ البدعة. فإذا أحييت السنة قمعت ماذا؟ البدعة. هذه ثلاثة آثار في هذا الباب في مسألة ذهاب الدين. مسألة ذهاب الدين: كيف يذهب الدين؟ يذهب الدين بذهاب العلماء، بعدم إحياء السنن، بترك السنن. فالله الله، يتمسك المسلم بدينه وإحياء السنة، وهكذا أيضاً يلزم غرز أهل العلم، ويسأل أهل العلم، حتى يبقى له دينه، حتى يبقى له دينه كاملاً ولا يذهب منه شيء. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر