الدرس في أخطاء المصلين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن القراءة القلبية دون تحريك اللسان والشفتين لا تصح شرعاً، لأن القراءة تتطلب إخراج الحروف من مخارجها. ويستدل بالآيات والحديث النبوي وتعريف العلماء للكلام بأنه نطق مفهم.
يؤكد المقطع أن العبرة في الصلاة بالنطق باللسان لا بمجرد الخواطر، مستدلاً بحديث تجاوز الله عما تحدثت به النفس. ويوضح أن ترك النطق بالأركان يبطل الصلاة، مقسماً أخطاء القراءة إلى ما يغير المعنى فيبطلها وما لا يغير المعنى فينقصها.
يشرح المقطع أن تغيير الضم إلى الكسر في «أنعمت» يفسد المعنى ويبطل الصلاة، بينما إبدال الذال دالاً أو الضاد ظاءً لا يبطلها لتقارب المخارج. ويشدّد على وجوب عرض قراءة الفاتحة على أهل الإتقان لتصحيح الأخطاء اقتداءً بالنبي ﷺ.
يحذر المتحدث المسلم من الوقوع في أخطاء الصلاة مؤكداً أن العلاج يكمن في العلم والتعلم وعرض القراءة على ماهر بالقرآن. ويختتم بالدعاء للفقه في الدين وشكر المشاهدين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فمن أخطاء المصلين عدم تحريك اللسان عند التكبير وقراءة القرآن والأذكار؛ فإننا نجد بعض المصلين إذا كان يصلي يكتفي بتمرير الأذكار أو القراءة على القلب، تجده صامتاً لا يحرك لساناً ولا يحرك شفة، وهذا في الحقيقة لا تسمى قراءة؛ القراءة لا تسمى قراءة إلا إذا حرك القارئ لسانه وشفتيه، أي أخرج الحروف من مخارجها. والدليل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿ ثُمَّ قَرَأَ ﴾، أو قول نعم، قول الله عز وجل: ﴿ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم قرأ بما تيسر من القرآن». قال العلماء: ومن مقتضيات القراءة في اللغة والشرع تحريك اللسان، واستدلوا على قولهم هذا بقول الله عز وجل: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لما يقرأ يحرك لسانه كي لا ينسى ما أوحي إليه، ويتعجل بتحريك اللسان خشية أن يذهب هذا الوحي الذي علمه جبريل إياه، فدل ذلك على أن القراءة لا تكون إلا بتحريك اللسان. والكلام لا يسمى كلاما إلا مع النطق، أما إذا كان بغير النطق بالإشارة أو بما يمر على القلب فهذا لا يسمى كلاما. والدليل قول الله عز وجل في قصة مريم عليها السلام: ﴿ قَالَتْ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾، ﴿ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾، فأشارت إليه. لو كانت الإشارة ولا شك أنها شيء مر على قلبها وقصدت معناه في قلبها، فلو كانت الإشارة كلاما لنكثت نذرها؛ لأنها نذرت ألا تتكلم، ﴿ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾، فالإشارة لا تسمى كلاما لا لغة ولا شرعا ولا حتى اصطلاحا عند النحاة على الصحيح، كما قال ابن فارس: «الكلام هو نطق مفهم». هذا في اللغة: الكلام نطق مفهم. ولذلك مما يدل على أن الإنسان لا يؤاخذ بما يمر على قلبه جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»، ما لم تعمل أو تتكلم. فالإنسان إذا مر على قلبه خواطر وأمور ولم يتكلم بها ولم يعمل بها هذا لا يؤاخذ، فهذا دليل على أن العبرة بالكلام والنطق لا بتمرير ما أراد بقلبه دون نطق لسانه. فكل هذه الأدلة تدلنا على أن من صلى ولم ينطق بالتكبير ولا بالفاتحة ولا كذلك الأذكار التي تقال في الركوع أو في السجود أو في التشهد، فهذا صلاته لا تصح؛ لأن من القول في الصلاة ما هو ركن كقراءة الفاتحة، كقراءة الفاتحة، فإذا لا بد أن تنطق بحروفها، تنطق بحروفها، ولو أن تسمع نفسك، ولو أن تسمع نفسك. هذا في الصلاة السرية، أما في الصلاة الجهرية: إن كنت إماما فلا شك أنك تسمع من خلفك، وإذا كنت مأموما وقرأت الفاتحة تسمع نفسك حتى لا تشوش على من بجانبك. فاحذر أن تغفل عن هذا الأمر وهو أن تنطق بالقراءة، فهذا الخطأ ربما يعرض صلاة العبد للبطلان والعياذ بالله. ويدخل في ذلك أيضا أن يكون النطق في الصلاة صحيحا، أن يكون النطق في الصلاة صحيحا. ولذلك قسم العلماء الأخطاء في القراءة في الصلاة إلى قسمين: أخطاء تؤثر في صحة الصلاة وتبطلها، وذلك إذا غيرت المعنى، وأخطاء تنقص من الصلاة ولا تبطلها، وهذا إذا كانت لا تخل بالمعنى. مثال ذلك فيما يخل بالمعنى: بعضهم مثلا في سورة الفاتحة، وأنا قد سمعت هذا من بعض الأئمة في بعض محطات الطريق يقدمون أي واحد، فأحدهم يقرأ الفاتحة، فبدلا من أن يقول: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾، يقرأ: «أنعمت عليهم» يضم التاء، وهذا المعنى يفسد؛ لأن «أنعمت» وهي القراءة الصحيحة بفتح التاء هذا للخطاب، أنت الآن تخاطب ربك وتقول: يا رب اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت أنت عليهم يا رب، فالتاء هنا تاء المخاطب، ليس التاء المتكلم. فإذا قلت: «أنعمت عليهم» بضم التاء، فهذه التاء عند أهل العربية تسمى تاء المتكلم، يعني المعنى يكون كأنك تقول: «أنعمت أنا عليهم»، «أنعمت أنا عليهم»، تنسب الإنعام إلى نفسك، وهل أنت المنعم وهل أنت الرب سبحانه وتعالى حتى تنعم على غيرك؟ فهنا المعنى يختل تماما، فهذا من الأخطاء الفاحشة التي تخل بصحة الصلاة. وبعضها ربما لا يخل: إذا مثلا هناك أحرف متشابهة كالدال والذال، بعضهم يقول: «صراط الذين أنعمت عليهم الذين الذين»، هذا دال بدون نقطة، والصحيح لأنه اسم موصول بالذال ليس بالدال، فتقول: «صراط الذين أنعمت الذين»، مش «الذين الذين». فهذا قال العلماء: هذا الخطأ إن شاء الله لا يخل بالصلاة لتقارب مخارج الحرفين. ومثله بين الضاد والظاء: بعضهم يقول: «ولا الضالين» بالظاء، لا، الصواب بالضاد: «ولا الضالين»، ليس بالظاء، بالظاء. فلتقارب المخارج بعضهم يجعل الضاد ظاء، وهذا من الخطأ في القراءة، لكن قال العلماء: هذا الخطأ لا يؤدي إلى فساد الصلاة لتقارب المخرجين، لكنه في النهاية هو خطأ في القراءة. وهذا يدعون جميعا إلى أن نعرض قراءتنا على غيرنا، اعرض قراءتك يا أخي على ماهر بالقرآن حتى يصحح لك أخطاءك في القراءة، خصوصا الفاتحة لأنها ركن من أركان الصلاة كما جاء في حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فاعرض الفاتحة على غيرك، فإن وجدت أخطاء سواء كان تخل بالصلاة أو لا تخل بالصلاة، بادر وسارع إلى تلافيها وإلى تصحيحها والنطق الصحيح بها. وهكذا السور التي تكثر من قراءتها في صلاتك كقصار السور، اعرضها على غيرك من المهرة في القرآن. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن على جبريل كما في حديث ابن عباس في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان: «كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن». فذكر العلماء أن من مدارسة القرآن مدارسة لفظه والنطق به، ومدارسة معناه وتدبره، ونحو ذلك من معاني المدارسة، من معاني المدارسة. فيحذر المسلم من أن يقع في مثل هذه الأخطاء في صلاته، ودواء ذلك العلم، العلم أن يتعلم المسلم وأن يعرض قراءته لماهر بالقرآن. نكتفي بهذا اليوم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وإياكم في دينه. إلى هنا والله تعالى، وشكراً للمشاهدة.