الدرس في أخطاء المصلين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الجهر بالنية عند الدخول في الصلاة خطأ شائع لأن النية محلها القلب ولا يشرع التلفظ بها. لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة الجهر بالنية، وأجمع الأئمة الأربعة على عدم مشروعيته.
النية تقع في القلب فقط، والتلفظ بها يوقع في الوسواس وتكرار التكبير، وأفعال المصلّي كالمجيء للمسجد تدل على نيته. العبادات توقيفية ولا مجال للابتداع فيها.
يجب على المسلم الالتزام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم دون زيادة أو نقصان في العبادات. التوفيق في ذلك كله من الله تعالى.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فنبدأ في ذكر أول خطأ يقع فيه بعض المصلين، وهو الجهر بالنية. فبعضهم إذا دخل في صلاة، سواء كانت فرضًا أو نفلًا، جهر بنيته، كقوله: «نويت أن أصلي صلاة العشاء أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا»، أو نحو ذلك. وهذا الجهر لا يجب ولا يستحب، بل عده العلماء من بدع الصلاة؛ لأن النية محلها القلب، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». والصحابة رضي الله تعالى عنهم نقلوا لنا ما دق وصغر من أفعال الصلاة، ومن كيفية صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأتِ عن أحد من الصحابة في وصفه للصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالنية. أبو هريرة رضي الله تعالى عنه لما لاحظ سكوت النبي صلى الله عليه وسلم بعد تكبيرة الإحرام، قال له: يا رسول الله، أراك بعد أن تكبر تسكت هنيهة، يعني تسكت فترة يسيرة، فماذا تقول؟ فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي بدعاء الاستفتاح، يأتي بدعاء الاستفتاح. الشاهد من هذا أن الصحابة لاحظوا جميع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فكيف بأمر مثل هذا وهو يتعلق بالنية، بل وبالجهر بها، ولم ينقلها أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ولذلك لم يقل أحد من الأئمة، أئمة المذاهب الأربعة، بمشروعية الجهر بالنية. يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى: «ولم يقل أحد من الأئمة الأربعة للشافعية ولا غيرهم باشتراط التلفظ بالنية، وإنما النية محلها القلب بالاتفاق». ولذلك قرر العلماء أن من خالف قوله نيته، فالعبرة بالنية لا بالقول. يعني لو إنسان مثلاً جاء وقت صلاة العشاء فقال: «نويت أن أصل لصلاة المغرب ثلاث ركعات»، والوقت الآن وقت صلاة العشاء، فالعبرة بما في قلبه لا بما تلفظ به لسانه؛ لأن النية محلها القلب لا اللسان. ولذلك لم يأتِ التلفظ بها في شيء من العبادات. وأما ما جاء عن الإمام الشافعي في قوله: «إذا نوى حجًا أو عمرة أجزأ وإن لم يتلفظ، وليس كالصلاة لا تصح إلا بالنطق»، فهذا الكلام من الإمام الشافعي ليس بصريح. ولذلك اتباع الإمام الشافعي اختلفوا في توجيه كلامه. فمن جهابذة الشافعية ومن أئمتها الإمام النووي رحمه الله، يوجه كلام الإمام الشافعي، فقال: «اعلم» أو قال رحمه الله تعالى، أي الإمام النووي، وهو من أعلم علماء الشافعية وبمذهب الإمام الشافعي: «وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا، يعني التلفظ بالنية، بل مراده التكبير، مراده التكبير». ثم استدل بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير»، رواه مسلم. يستفتح الصلاة بالتكبير، لم تقل بالتلفظ بالنية أو بقوله: «نويت أن أصلي كذا وكذا». فهذا توجيه من هو أعلم بمذهب الإمام الشافعي، وأن مراد الإمام الشافعي بقوله: «وليس كالصلاة لا تصح إلا بالنطق»، أي بتكبيرة الإحرام؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها. فلذلك لا تشرع، أو لا يشرع التلفظ بالنية، بل عده العلماء من بدع الصلاة؛ لأن العبادات توقيفية، وأعمال الصلاة توقيفية، فلا يجوز لأحد أن يزيد فيها. فإذا زاد ذكرًا أو فعلًا أو هيئة لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يشمله قوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». فالخلاصة أن المصلي لما يأتي إلى الصلاة يعلم أي وقت هذا، وأي فرض هذا، بل لربما بعض الناس إذا اعتقد أن التلفظ بالنية لابد منه يدخله شيء من الوسواس، فتجده يكرر التلفظ بالنية، ويتشدد في هذا الباب، وربما يكبر ثم يعود مرة ثانية يقول: «لعلي ما نطقت الكلمة نطقًا صحيحًا، لعلي ولعلي». وقد رأينا ذلك من بعضهم، ربما الإمام يقرأ وهو لا يزال يصارع في تكبيرة الإحرام، يصارع مصارعة: «نويت، نويت صلاة كذا، الله أكبر»، ثم يرجع مرة ثانية، وهكذا. النية محلها القلب، ولو قيل لشخص: اعمل عملًا بلا نية، لصار هذا من المستحيل، من المستحيل أن يطلب من شخص أن يعمل عملًا بدون نية أبدًا، لا يكون ذلك. فمجيئك إلى المسجد، ووقوفك في الصف، واستقبالك للقبلة يدل على إيش؟ هذا أنك ستصلي، وأنك عارف أي فرض هذا. أنت الآن جئت وقد أذن أذان المغرب، جئت ماذا تصلي؟ العشاء؟ والآن يؤذن أذان المغرب لا تصلي المغرب. ومثله في الصيام كذلك، النية لا تشرع في جميع العبادات، لم يرد ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. فأنت إذا تريد أن تصوم، تقوم في السحر، ولربما تقرب الطعام في هذا الوقت من أجل ماذا؟ هذا كله من أجل أن تفطر، أو من أجل أن تتعشى، أو من أجل أن تتغذى؟ لا، هذا يسمى سحورًا من أجل أن تصوم. إذن النية موجودة. فالقلب هو محل النية، ولا يكون عمل إلا بنية القلب، إلا بنية القلب. فهذه مسألة مهمة جدًا، أن كثيرًا من الأخطاء كما سيأتي معنا سببها الإحداث في الدين، سببها الإحداث في الدين، وعدم تقرير هذه القاعدة عند العبادات، وهو أن العبادات توقيفية. ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فيها ينبغي للمسلم أن يتقيد بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يزيد ولا ينقص مما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. أكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى الموفق. المترجم للقناة: ترجمة نانسي قنقر