الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن هذا المحور الأصناف الممنوعة من الإرث وهم القاتل العمد، والرقيق، والمخالف في الدين، مبيناً أنها موانع شرعية لا مجرد انقطاع نسب. ويستعرض حكمة حرمان القاتل استناداً إلى الآية الكريمة وقاعدة «من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه» مع إجماع العلماء على عدم توريثه.
يوضح المحور حكمة تخصيص لفظ «الأزواج» في آيات المواريث دلالة على التشاكل والتناسب بين الزوجين، وهو ما ينعدم بين المؤمن والكافر فينتفي التوارث. كما يبين أن الرقيق لا يرث ولا يورث لأن ماله لسيده، وأن المبعض تتبعض أحكامه فيستحق ما رتبه الله للحر من نصيبه.
إذا كان الوارث نصفه حراً ونصفه رقيقاً، فإنه يرث بنصفه الحر فقط بينما يذهب نصيب نصفه الرقيق إلى الورثة الآخرين لأن الحرية قابلة للتملك والرق ليس كذلك. فيحجب المبعّض ويرث ويورث بقدر ما فيه من الحرية، كما يُثاب أو يُعاقب العبد بقدر ما فيه من موجبات ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فذكر المؤلف رحمه الله أن هناك من لا يرث، أناس أو أنواع من الناس لا يرثون، وهم: القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والمبعض، والخنثى. ومعنى أحكامهم غير معنى الذين لا يرثون لمجرد انقطاع النسب، بل هم موانع للإرث. القاتل، والرقيق، والمخالف للدين. كما ذكر العلماء أن أسباب أو موانع الإرث ثلاثة: القتل، والرقة، والرق، واختلاف الدين. الرق معناه أن يكون العبد أو تكون المرأة أمة، وهذا يسمى الرق. أو المخالف للدين، معناه الكافر. قال: فأما القاتل، فما الحكمة أو هل يستفاد من هذه الآيات حكم هذه المسائل؟ قال: نعم. قال: فأما القاتل والمخالف في الدين فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية في توزيع المال على الورثة بحسب قربهم ونفعهم الديني والدنيوي. وقد أشار تعالى لهذه الحكمة بقوله: ﴿ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾ [النساء: 11]. وقد علم أن القاتل قد سعى لمورثه بأعظم الضرر، فلا ينتض ما فيه من موجب الإرث أن يقاوم ضرر القتل الذي هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث. فيقول: إن الله عز وجل يقول: ﴿ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾، لكن هذا ضار بوارثه، قتل وارثه، فلذلك حرم من الإرث. قال: فعلم من ذلك أن القتل أكبر مانع يمنع الميراث ويقطع الرحم الذي قال الله فيه: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 75]. مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية أن من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وبعضهم يقيد هذه القاعدة على أنه كما ذكر السيوطي وغيره: أن من استعجل شيئًا قبل أوانه في باب الحرمة عوقب بحرمانه، أو على سبيل الحرمة. وهنا جاء حديث في أن القاتل لا يرث، لكن اختلفوا في صحته، لكن قد ذكر أكثر من واحد الإجماع على أن القاتل لا يرث. على أن القاتل لا يرث، معناه: لو قتل الابن مورثه بالقتل، هنا القتل العمد، ومنهم من قال: القتل الخطأ أيضًا، لكن الظاهر أن القتل هنا العمد. وأما الخطأ فهو ما لم يتعمد قتله، فلا يدخل في ذلك. وكذلك قد أجمع العلماء على أن القاتل المتعمد لا يرث، ولو كان ابنه. لو قتل ابنه لا يرثه، ولو قتل الابن أباه لا يرث أباه. وهذا كما قال المؤلف: أنه داخل في هذه القاعدة، أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. فهذا الذي يريد موت أبيه فتعجل فقتله حتى يرث ما عنده من المال، فعوقب -معنى إذا عرف أنه للقاتل- عوقب بحرمانه هذا المال. قالوا بهذا. ونحن نعرف أن المخالف لدين المورث لا إرث له، وذلك أنه قد تعارض الموجب الذي هو اتصال النسب الموجب للإرث، والمانع الذي هو المخالف في الدين الموجب للمباينة من كل وجه. يعني: ما دام القاتل الذي قد ضرّ بمورثه أنه قتله، فمن باب أولى الكافر الذي ليس له علاقة بالمسلم، فالمسلم ليس له علاقة أبدًا بالكافر، فتنقطع العلاقة. فما دام أن النسب ينقطع، وهنا أكثر من النسب، فيقول: إنه يبين أن الكافر لا يرث المسلم. وقد جاء ذلك صريحًا عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم في حديث علي وغيره: «الكافر لا يرث المسلم، ولا المسلم يرث الكافر». وأيضًا ذكرها علي رضي الله عنه في الصحيفة. قال: فإذا قال: يوضح ذلك أن الله قد جعل حقوق المسلمين أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية. فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وحق به، فيكون قول تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ إذا اتفقت أديانهم. وأما مع تباينهم فالأخوة الدينية مقدمة على الأخوة النسبية المجردة، معناه: نسب فقط. وأما إذا... فالأخوة الدينية مقدمة عليها. فإذا انقطعت الأخوة الدينية فإنه لا يرث أحدهما الآخر. قال ابن القيم في «جلاء الأفهام» ويعمل هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة دون المرأة، كما في قول تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ﴾ [النساء: 12]، إيذانًا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المفضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين. انتهى. فهذا حكمة، يقول الشيخ هنا: إن هذه الأحكام تدل عليها الآية لكن بالاستنباط، ويدل على حكمة ما ذكره الله عز وجل في هذه الآيات، وذكر كلام لإمام القيم أن الله عز وجل قال: إن ما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، وأما إذا كان ليس بينهما تناسب والتشاكل فلا يقع بينهما التوارث. قال: وأما الرقيق فإنه لا يرث ولا يورث. أما كونه لا يورث فواضح، لأنه ليس له مال يورث عنه، لأن ماله لسيده، فعن... ما لم يكن مكاتبًا، فماله لسيده يرجع لسيده، ماله مال، فلذلك فهو لا يورث. وكذلك لا يرث. قال: وأما كونه لا يرث فلأنه لا يملك، فإنه لو ملك لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت. يعني يقول الآن: ليش العبد ما يأخذ شيء؟ لأنه لو ملك هذا المال، المال سيرجع إلى سيده، والسيد أجنبي عن هذا الميت الذي مات وهو قريب لهذا العبد، فلذلك فالعبد لا يتحصل على شيء من الإرث. قال: فيكون مثل قوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ [النساء: 11]، و﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ﴾، لكل واحد منهم السلس ونحوها، لم يتأتى منه التملك، معناه سيكون ماله لسيده. قال: وأما الرقيق لا يتأتى منه ذلك، فعلم أنه لا ميراث له. قال: وأما من بعضه حر وهو الذي سُمّي المبعض، وبعضه رقيق، معناه: عتق جزء منه، نصفه عتق وبقي نصفه الآخر، وهذا يسمى المبعض. وأما من بعضه حر وبعضه رقيق، فإنه تتبعض أحكامه، فما فيه من الحرمة أو ما فيه من الحرية استحق بها ما رتبه الله في الموارد. معناه: إذا كان ابنًا مثلًا يتحصل على النصف، نصفه الذي هو حر، والنصف الثاني الذي هو رقيق لا يتحصل على شيء، معناه يأخذه الورثة الآخرون. قال: لكون ما فيه من الحرية قابل للتملك، وما فيه من الرق فليس بقابل لذلك. فإذا يكون المبعض يرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية. وإذا كان العبد يكون محمودًا ومذمومًا، مثابًا ومعاقبًا بقدر ما فيه من موجبات ذلك، فهذا كذلك. طيب، فهذه بعض المسائل، إن شاء الله تعالى نكمل بقية المسائل في درس لاحق.