الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 4، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
قسّم الإمام الباجي وصيته إلى قسم شرعي وقسم دنيوي، وركّز على القسم الشرعي الذي يدعو للإيمان بالله والعمل الصالح مستنداً إلى وصايا الأنبياء والنبي صلى الله عليه وسلم. وأكد أن من تمسك بالدين وبذل روحه له دون طلب الدنيا ينال الجنة.
استعرض المقطع أركان الإيمان الستة كما وردت في حديث جبريل، مبيناً أن الإيمان بالله يشمل ربوبيته وألوهيته وأسماءه وصفاته. وأشار إلى أن شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة لما قبلها ومتميزة بالسماحة ورفع الحرج.
أكد المتحدث على وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بكتاب الله كأولوية، موضحاً أن القرآن كلام الله المنزل وأن هجره يؤدي إلى الضلال والمعيشة الضنك. ودعا إلى العناية بتلاوته وتدبره والعمل به.
اختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى الأوصاف العظيمة للقرآن التي تدل على شرفه، معلناً عن استكمال ما تبقى في الباب القادم. وختم الجلسة بالتسبيح والاستغفار.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد أخذنا في وصية الإمام أبي الوليد الباجي رحمه الله، أن الوصية تنقسم إلى قسمين. قال: «الوصية تنقسم إلى قسمين: وصيته لأولاده». فما هما؟ ذكر قسمين في الوصية. هذا داخل في أي قسم؟ نريد القسمين فقط: قسم كذا، وقسم كذا. ثم بعد ذلك: القسم الأول يشتمل على كذا وكذا. أحسنت: الدنيوية والأخروية. أو المراد وصية شرعية، فهو قدم الشرعية قبل الدنيوية. فأوصاهم بالوصية الشرعية، يعني تكون أدلتها من الكتاب والسنة. فأوصاهم بأمور، وهذه الوصية الشرعية: أول ما وصى به فيها ما هو؟ إبراهيم: الإيمان بالله. وما دليل الوصية هذه؟ قول إبراهيم: وصية إبراهيم لبنيه، وكذلك يعقوب عليهما السلام، كما ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. فأوصاهم بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، وحذرهم من ماذا؟ من الشرك. وصية من؟ وصية لقمان لابنه. فذكر لهم وصية لقمان لابنه، فأمرهم بالإيمان وحذرهم من الشرك. وأيضا أوصاهما بأمر عظيم في هذا، أيضا ما هو؟ ما هو الأمر الذي أوصاهما به إذا دخلا في الإسلام أو كانا مسلمين؟ وهذا من فضل الله عز وجل: أن يتمسك بهذا الدين، وأن يبذلا له ماذا؟ كل شيء: أرواحهما. هل شيء أغلى عند الإنسان من روحه؟ لا شيء. روحك هي أغلى شيء عندك. قال: «ابذلا أرواحكما لهذا الدين». وحذر أيضا، حذرهما ماذا؟ من أن يبتغي بهذا الدين حطام الدنيا، يعني أن يصرفهم عن القيام بهذا الدين شيء من أمور الدنيا. وما هو جزاء من فعل ذلك؟ أي: من تمسك بالدين وبذل له روحه، ولم يبتغِ غيره، فمات؟ جزاؤه يوم القيامة: الجنة. جزاؤه الجنة، لأن هذا هو الدين الذي اصطفاه عز وجل لعباده واختاره، وحرم ما سواه. يعني دين الإسلام الذي بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وأمرهم أيضا بأمر آخر: ما هو الذي أمرهم به في وصيته؟ ما زلنا في المقدمة، لكن الوصية فيها بعض النقاط التي وقفنا عليها في وصيته. نعم: «يموتا مسلمين». نعم: «يموتا مسلمين». أيضا: بما كان عليه آباؤهم من الخير. فإذا كان الآباء على خير وصلاح وتقوى، فيمشيان على هذا المنوال، بل ويكون أفضل من ذلك إن أرادا الريادة والسيادة والسؤدد، فيقومان بأفضل مما قام به الآباء. أو قصر فيه الآباء؟ فيتبع المرء أهله وآباءه وأجداده في الخير، في الخير؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأيضا: نعم، لا يذكرها؟ ماذا؟ خير سلفهم، آبائهم وأجدادهم، الخير التي كانوا فيها، لأولادهم فيما بعد؛ لأنهم هم الخلف، فيكونوا خيرا خلف لخير سلف. وأيضا أوصاهم بالعمل، أوصاهم بالعمل، وأنه لا يغني والد عن ولد. لا تقول: كان أبي، أبوك ما سيدخلك الجنة نسبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». لم يسرع به نسبه. فلا تقول: من آل فلان، يعني ذهب إلى الجنة لأن أبي كان صالحا. اعمل أنت مثل ما عمل أبوك، إن كان من أهل الخير والصلح. فأوصاهم بالعمل. قل لهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا فاطمة بنت محمد، اعملي، فإني لا أغني عنك من الله شيئا». وهو رسول الله وأبوها، قال لها: اعملي، حتى لا تتكل، تقول: أبي رسول الله، إذن أنا من أهل الجنة. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوصى أهل بيته: «يا فلان، يا عمة، يا صفية، يا عمة رسول الله، اعملي، فإني لا أغني عنك من الله شيئا». فنحن من باب أولى. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأهل بيته هذا: اعملوا، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا. وكما قال الله عز وجل في الآية الكريمة في سورة لقمان: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾. هذا ما ذكرناه فيما سبق في الدرس السابق. قال المؤلف، الحافظ أبو الوليد الباجي، ما اسمه؟ سليمان بن خلف، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب. قال: «أقسام الوصية: وتنقسم وصيتي لكم قسمين، فقسم فيما يلزم من أمر الشريعة، أبين لكم منه ما يجب معرفته، ويكون فيه تنبيه على ما بعده. وقسم فيما يجب أن تكون عليه في أمر دنياكما، وتجريان عليه بينكما». فأما القسم الأول: فالإيمان بالله، وهو التصديق بأركان الإيمان. إذن دخل في القسم الأول من الوصية. قال: «فأما القسم الأول: فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والتصديق بشرائعه، فإنه لا ينفع مع الإخلال بشيء من ذلك عمل، والتمسك بكتاب الله تعالى جدة». فأمر في هذا القسم بالإيمان بالله. وهذا مستقى من أحاديث كثيرة، وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم الناس بأن يؤمنوا بالله، وبملائكته، وبكتبه، وبرسله، وباليوم الآخر. لم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى اليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وهما من أركان الإيمان. لأن أركان الإيمان ستة، ذكر المؤلف منها أربعة. فمن يكون ذلك من المعلوم، لأنه لا يؤمن أحد بالله وملائكته وكتبه ورسله ويصدق بذلك إلا ولا شك عنده تصديق باليوم الآخر، وكذلك عنده تصديق وإيمان بالقدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى. جاء ذلك في حديث جبريل، يعني: أركان الإيمان، وبيان أركان الإيمان، عندما أتى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حديث عمر المشهور، وحديث ابن عمر كذلك. فأحاديث كثيرة يبين عليه الصلاة والسلام: الإيمان بالله، إيمان بالله تضمن إيمان بربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وصفاته. وهذه لا شك أنها تحتاج وقفات. لو وقف الواحد مع الإيمان بالله سبحانه وتعالى بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، يحتاج إلى دروس. وهذا لا شك أن دراسة ذلك في كتب العقيدة المطولة. وهكذا أيضا الإيمان بالملائكة، وما يتضمن الإيمان بالملائكة، وثمرات الإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب المنزلة من عند الله عز وجل على أنبيائه ورسله، وكذلك الإيمان بالرسل جميعا، ممن أرسله الله، ممن علمنا وممن لم نعلم، ممن قص الله عز وجل، ومن لم يقصص الله عز وجل علينا. فهكذا أيضا المسلم والمؤمن يؤمن بأن هناك رسلاً أرسلهم الله عز وجل، وبلغوا وأدوا الأمانة. وهكذا أيضا يصدق بالشرائع المنزلة: شريعة داود، شريعة كذلك موسى، شريعة إبراهيم، شريعة كذلك نوح، وغيرهم من الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله، فيصدق بهذه جملة. وهكذا أيضا يصدق بالشريعة التي أنزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي خاتمة الشرائع، وهو المنهاج الذي ينبغي على كل مسلم أن يمشي عليه. الشريعة: شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ناسخة لجميع الشرائع. فهذه متممة ومكملة. وكذلك زاد الله سبحانه وتعالى من فضله وسماحة هذه الشريعة. معلوم أن هذه الشريعة التي بعث بها رسول الله عليه الصلاة والسلام شريعة سمحة، ليس فيها تعسير، لأن الله عز وجل قد رفع الآصار والأغلال على هذه الأمة. قد كانت فيما من كان قبلنا: كان يشدد عليهم في بعض الأمور. لكن شريعتنا شريعة سمحة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بُعثت بالحنيفية السمحة». فلذلك من يتمسك بهذا الدين لا يجد فيه تشديدا، بل بالعكس يجد من الرخص ما لا يعلمها. يعني هذا الدين عظيم. هذا الدين عظيم. بعض الناس لجهلهم بدين الإسلام يرون المتمسك هو المتشدد. يرون المتمسك هو ماذا؟ هذا المتشدد. هذا جهل بدين الله عز وجل. بل الله سبحانه وتعالى في هذه الشريعة العظيمة وضع ما يصلح عبادة، ما يصلحهم في دنياهم، وما سيؤول إليه المآل في أخراهم. فإذا تمسكوا حقا وجدوا الخير العظيم في هذه الشريعة السمحة. فإذا هذا الإنسان إذا صدق بشريعة الله سبحانه وتعالى وعمل بها، وما فيها من اليسر الذي أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام، بل ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾. رفع الله عز وجل عن هذه الأمة الحرج، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. ولكن يعلم ذلك من علمه، ويجهل ذلك من جهله. العلماء يعرفون سماحة هذه الشريعة، ولهذا تجد دائما الجواب عند أهل العلم لذلك السائل بما يوافق الشريعة التي بعث بها نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك ما فيها من ماذا؟ من التيسير، ما فيها من التيسير. قال: «فإنه لا ينفع مع الإخلال بشيء من ذلك عمل». يعني: احذروا أن تخلوا بالشرائع، وخصوصا الإيمان وأركان الإيمان. ما ينفعك بعد ذلك أنك تعمل أعمالا وأنت لم تحقق هذه الأركان. الأركان: أركان الإيمان. وكذلك لا شك أن الإسلام داخل، إسلام داخل. إذا قلنا الإيمان، فمن باب أولى: ماذا؟ أنك مسلم. إذا آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، بالقدر خيره وشره، فأنت المسلم. لأن الإيمان أرفع درجة من الإسلام. فالمؤمن يصلي، إذن هو صدق بالشريعة، فعمل بما في هذه الشريعة لأنه آمن بها. والإيمان كما هو معلوم عند العلماء مقرر في منهج أهل السنة والجماعة: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. هذا المؤمن الذي يفهم هذا: أن هذا هو الإيمان الحقيقي، أنه يعمل بلسانه، صدق بجنانه، يعمل بأركانه وجوارحه، سواء كان عملا قلبيا، أو كذلك عمل ماذا؟ أو كان كذلك عمل اللسان، أو الأعضاء. كل هذا يصدق به ويفعله، فيدخل في الإسلام ضمنا. إذا ذكر الإيمان دخل فيه ماذا؟ دخل فيه الإسلام. يقول: احذروا أن تنقصوا من شرائع هذا الدين، وخاصة أمر الإيمان بالله سبحانه وتعالى، أن يكون عندك شك في أمر الربوبية، أو أمر الألوهية، أو أمر الأسماء والصفات، أو كذلك يكون عندك شك في الملائكة، يكون عندك شك أو تكذيب، والعياذ بالله. لأن بعضهم يقول: إيش الملائكة هذا؟ نحن ما نراهم. فبعضهم يعيش بين المسلمين ومسمى مسلم، لكن ما عنده اعتقاد أن الملائكة خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وأنهم موجودون. أحاديث كثيرة تدل على وجود الملائكة، وتنزل الملائكة في بيوت الله سبحانه وتعالى، حلق الذكر، وغير ذلك. الحفظة من الملائكة مذكور في كتاب الله. لكن بعضهم يكون عقلانيا، بعضهم يكون عقلانيا، يريد يرى شيئا محسوسا، يريد يرى شيئا محسوسا، فيكون عنده شك في هذا الجانب. وهكذا أيضا الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى، والرسل الذين أرسلهم الله عز وجل، وغير ذلك من هذه الأمور. فيقول لهم: انتبهوا أن تخلوا بهذه الأمور التي ذكرتها لكم. ثم حثهم على التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى. وهذه وصية النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث العرباض بن سارية: النبي عليه الصلاة والسلام وعظهم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقالوا: أوصنا يا رسول الله. قال: «أوصيكم بكتاب الله، والسمع والطاعة، ولو تأمر عليكم عبد حبشي». انظروا: النبي عليه الصلاة والسلام ووصاهم أولا، قال: «أوصيكم بكتاب الله»، ثم بالسمع والطاعة، ثم بعد ذلك حثهم على التمسك بالسنة، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده. فإذن هما قرينان: كتاب وسنة. فقدم النبي عليه الصلاة والسلام القرآن لأهميته، لأنه كلام الله. وكم حصل بعد ذلك، بعد، أي، في ذلك، أولئك الذين قالوا: إن القرآن مخلوق، الفتنة التي حصلت في عهد المأمون وغيره، في عهد الإمام أحمد رحمه الله تعالى. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوصى بكتاب الله، ويقول كما في موطأ مالك، الحديث مشهور: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله». في رواية: «وسنتي». كتاب الله. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: إذا تمسكتم بالقرآن فإنكم لن تضلوا بعده أبدا. التمسك بالقرآن يشمل أموراً عدة، وسيذكر المؤلف جزءا منها. يشمل التلاوة، يشمل كذلك العمل، وهو الأصل. نكاة؟ تتدبر، تتفهم، وتعمل به، وتعض عليه بالنواجذ. فأنت على خير ما دمت متمسكا بالقرآن وتعاليم القرآن. لأن الله سبحانه وتعالى أنزله، وهو، أي: هذا القرآن، من لدن حكيم خبير. فوصف الله سبحانه وتعالى نفسه بأنه الحكيم، وهو من أسمائه، ووصف نفسه كذلك بأنه الخبير، وهو من أسمائه سبحانه وتعالى. الحكيم الخبير أنزل هذا القرآن العظيم. والقرآن كلام الله سبحانه وتعالى، كما قال ذلك ربنا في كتابه الكريم في سورة براءة: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾. في البداية كان النبي عليه الصلاة والسلام في بداية الدعوة كان يتلو عليهم القرآن. ومعلوم لما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. فقرأ. أول ما قرأ عليه القرآن كان ذلك نزوله في رمضان، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾، ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾. فهذا القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، ينبغي على كل مسلم أن يتمسك به. هل يختلف مسلم على ذلك؟ ما يختلف أحد من أهل الإسلام الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله على التمسك في القرآن. إذا قلت له: تمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى، هل سيعارضك؟ الجواب: لا. لكن القصور يحصل في أهل الإسلام. كلما ابتعدوا عن تعاليم كتاب الله سبحانه وتعالى، وعن تعاليم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حصل فيهم الجهل، وحصل فيهم كذلك الاختلاف. فالاختلاف مورده البعد عن القرآن العظيم. بل قال الله عز وجل فيمن يعرض عن كتابه: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾. نسيتها: ما كنت تحفظها ثم نسيتها. معنى نسيتها: تركتها. ما تبغى تتعلم، ما تبغى تتفقه، ما تبغى كتاب ربك، يعني: لم تقبل عليه، تركت هذا القرآن. فقط في المصحف على الرفوف، وربما يكون في البيوت. كثير من الناس معهم المصاحف في بيوتهم. هل يفتحونها؟ هل يقرؤونها؟ إذا دخلوا المساجد هل يقرؤون القرآن؟ ربما قرأ القرآن في الأسبوع من قراءة الكهف. هذا حال كثير من الناس، إلا من رحم الله عز وجل. قليل الذي يداوم على كتاب الله. والله عز وجل يتوعد الذين يبتعدون عن القرآن. والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يا رب، إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا». هذا القرآن اتخذوه هجرا. هجروا تلاوة. لأن هجر القرآن أقسام، كما ذكر ابن قيم رحمه الله تعالى. فمن الناس من يهجر التلاوة، ومن الناس من يهجر التدبر، ومن الناس من يهجر العمل بكتاب الله سبحانه وتعالى. يقرأ لكن ما يقرأ القرآن، لكن ما يعمل. ومنهم من يقرأ لكن لا يفقه، يعني مجرد قراءة، يتبرك بحروفه، يتبرك ماذا به؟ حروف. يقول: نريد حسنات. لكن ما يتدبر: هذا المراد من هذه الآية، ومن المخاطب بهذه الآية، وماذا تعني هذه الآية، ثم هل يلزمه العمل بهذه الآية؟ فهناك أقسام للناس في كلام الله عز وجل. فالمصنف رحمه الله تعالى أوصاهم بوصية عظيمة من الإيمان: أمور الإيمان الستة، وكذلك ذكر لهم الوصية بكتاب الله سبحانه وتعالى، وهم صغار، أن يهتموا به. وسيأتي بالفصل إن شاء الله الذي بعد هذا: أهمية التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى. ولعلنا نذكر ونستفيض قليلا، لأننا نحتاج، كلنا يحتاج إلى هذا الأمر: وهو العناية بالقرآن العظيم. لأن الله سبحانه وتعالى سماه: قرآن كريم، وسماه: قرآن عظيم. عظيم لعظمته، لأن المتكلم به هو الله سبحانه وتعالى، وهو كذلك كريم، وهو في كتاب مكنون، وهو لا يمسه إلا المطهرون. انظروا أوصاف عظيمة لهذا القرآن العظيم، تدل على شرفه. فإن شاء الله تعالى في الدرس القادم نكمل ما تبقى في هذا الباب. إلى هنا، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.