الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 5، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستهل المحور بوصية السلف بالتمسك بكتاب الله حفظاً وتلاوة وعملاً باعتباره أصل العلوم ومنهاج المسلمين. ويستعرض عناية العلماء المتقدمين بتأليف المصنفات في علوم القرآن مع نقل ندم ابن تيمية على عدم صرف عمره في خدمة القرآن.
يبيّن المحور أن القرآن شامل لكل شيء وأن دور العلماء استنباط أحكامه، ملوماً تقصير المسلمين في تعلمه. ويذكر فضائل آياته وإعجاز نزوله على سبعة أحرف، مؤكداً أن طمأنينة القلوب لا تتحقق إلا بذكر الله وقراءة القرآن.
يؤكد المحور أن القرآن شفاء ورحمة، ويستحب سماعه من الغير كما فعل النبي مع ابن مسعود. ويحث على المداومة على التلاوة والتدبر وتكرار الآيات عند الخشوع، مبيناً أن الله يرفع بالقرآن أقواماً ويضع آخرين.
يُختتم المجلس بالاكتفاء بما ذُكر من علم وذكر، مع الحمد لله والثناء عليه. ويختتم القارئ بدعاء كفارة المجلس مستغفراً الله تائباً إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فقد أخذنا في الدرس الماضي التصديق بأركان الإيمان، وهو القسم الأول من الوصية، فحث أبناءه ونصحهم بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، والتصديق بشرائعه، وأنه لا ينفع مع الإخلال بشيء من ذلك عمل، أي: إذا أخل بأركان الإيمان المذكورة في حديث عمر رضي الله عنه. ثم قال الحافظ أبو الوليد الباجي رحمه الله، وهو يوصي ولديه: «حفظ القرآن والعمل به»، أي: من الوصايا التي يوصي بها أولاده أن يحفظوا كتاب الله عز وجل وأن يعملوا به. فقال: «والتمسك بكتاب الله تعالى جده، والمثابرة على تحفظه وتلاوته، والمواظبة على التفكر في معانيه وآياته، والامتثال لأوامره، والانتهاء عن نواهيه وزواجره». هذه وصية عظيمة أن يوصي بكتاب الله سبحانه وتعالى؛ لأنه أصل العلوم. فالمسلم مأمور بالتمسك بالقرآن العظيم: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي». فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالتمسك بكتاب الله تعالى. وأحاديث العرباض بن سارية شاهد على ذلك، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أوصاهم قال: «أوصيكم بكتاب الله تعالى». فهذه هي الوصية العظيمة: أن يوصى بالتمسك بكتاب الله تعالى. والمراد بالتمسك: العمل. التمسك هو العمل، أن يعمل بما في القرآن بتعاليمه وبأوامره، وينتهي عن نواهيه وزواجره، وأن يثابر على ذلك. وكذلك يحفظه ما استطاع إلى ذلك سبيله، ويتلوه حق تلاوته كما أمر الله عز وجل بذلك. هذا كله من العناية بكتاب الله تعالى. والأدلة على ذلك كثيرة من السنة، أُلفت مؤلفات كثيرة في العناية بكتاب الله عز وجل. والعلماء السابقون اعتنوا بذلك، سواء كان في بعض علوم منه، أو كان ذلك في فضائله أو نحوه. فمثلا: أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله ألف في فضائل القرآن، «فضائل القرآن» كتاب عظيم. ألف الإمام أبو داود «المصاحف»، «كتاب المصاحف». وابن مجاهد ألف كتاب «السبعة»، أي: السبعة القراء. فهكذا العلماء المتقدمون اعتنوا بكتاب الله عز وجل. ومنهم من يؤلف مثلا في الوقف والابتداء، في بعض أمور القرآن. كل هذه العناية تدل على أن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يشتغلون به ويعتنون به عناية عظيمة، فألفت فيه المؤلفات الكثيرة في علوم القرآن. والكثير منا يجهل هذه المؤلفات، ربما اشتغل ببعض العلوم الأخرى عن كتاب الله عز وجل، وظن أن هذا العلم ليس فيه مؤلفات، أو مؤلفاته قليلة. بل بالعكس: أكثر المؤلفات هي في القرآن العظيم. والذين لم يعتنوا ويشتغلوا بالقرآن كثيرا ندموا، ندموا على عدم العناية بالقرآن العظيم. قد يكون لهم فيه كلام في بعض كتبهم، يشتغلون ببعض العلوم منه، لكنهم ندموا على ذلك، أنهم لم يعطوا القرآن حقه، لم يعطوه حقه والعناية به. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ندم في آخره، وهذا مشهور عنه، أنه قال: «وندمت أني لم أشتغل بالقرآن العظيم»، مع أنه شيخ الإسلام. وإذا نظرت في مجموعة الفتاوى التي جمعت له وجدت له في التفسير، وجدت له في القراءات، وجدت له كذلك في فهم معاني القرآن، وفي الردود على الكفار والملحدين والمبتدعين من كتاب الله عز وجل الشيء الكثير. ومع ذلك ندم أنه لم يصرف عمره كله في الاهتمام بالقرآن العظيم؛ لأنه كنوز، القرآن فيه كنوز، وفيه علوم كثيرة. وكما ذكر الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في «الإتقان»: ثمانين نوعا من علوم القرآن. «الإتقان في علوم القرآن» للإمام السيوطي ذكر فيه ثمانين نوعا من علوم القرآن. مثل ما ألف في الحديث في علم الحديث في المصطلح، ألفت تلك القصائد، وألفت كذلك غيرها في علوم مصطلح الحديث، وألف كذلك في علوم القرآن حتى وصلوها إلى أكثر من ذلك. هي ثمانين، ليست في الحصر، وإنما ربما نقل في الأهمية. وإلا فعلوم القرآن علوم كثيرة. كم نعلم نحن منها؟ لو نظرنا إلى حالنا وإلى أنفسنا: كم نعلم من علوم القرآن؟ ربما واحد يدرس في المصطلح، المصطلح يدرس البيقونية، ويعرف شيئا من علوم المصطلح. ولكن ماذا تعرف من علوم القرآن؟ ماذا معك منه؟ سيقال: صفر على الشمال، لا شيء، ما عندي شيء. بل حتى بعضهم لا يحسن التلاوة، لا يحسن التجويد، لا يعرف أحكامه، وهو مطالب، مطالب بأنه يتلو القرآن حق تلاوته: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. لا شيء، وهو محسوب، محسوب على المسلمين. المسلمون كتابهم ومنهاجهم ودليلهم هو القرآن، هو الذي سيقودهم إلى الله عز وجل. ولكن كثير مننا غائبون عنه، غائبون عن كتاب الله سبحانه وتعالى، لا نعطيه حق التلاوة، ولا نعطي حق القراءة، أي: كثرة منه. حتى قراءة: حتى لو ما تعرف تقرأ، حاول أنك تقرأ وتستكثر منه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه له أجران». حديث صحيح في الصحيحين. حتى ما ينسى، حتى ما ينسى القرآن. النبي عليه الصلاة والسلام جعل وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى لمن يتعتع في القرآن أجران. حتى ما يترك هذا الكتاب العزيز؛ لأنه أم العلوم وأصل العلوم. كل شيء في كتاب الله سبحانه وتعالى، كما قال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. الله ما فرط في القرآن من شيء. علم السابقين، ومن كان في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وما سيأتي، نبأوا ما كان بعدكم. وهكذا فيه من الأحكام العظيمة. لكن بعد ذلك يأتي دور أهل العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿لِيَعْلَمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وكم استنبطت من أحكام، سواء كان في العقائد، وفي الفقه، وغيره. كله للعناية بكتاب الله. يجلس العالم جلسة تأمل وتفكر وتدبر للقرآن العظيم، فيستنبط منه أشياء عظيمة. هذا شأن أهل العلم الذين يغوصون في بحاره. لكن نحن ننظر إلى أنفسنا الآن: كم نعرف من علوم القرآن؟ ما نعرف شيء من علوم القرآن إلا من رحم الله عز وجل. وهذا يدل على أننا غير مهتمين به. هذا الحال يقال، أو الواقع يقال: نحن أهل سنة وجماعة، ومتمسكين بالكتاب والسنة. التمسك بالكتاب والسنة: أين تمسكك بكتابك أنت؟ ماذا تعرف منه؟ ماذا تعرف عنه؟ ماذا تشتغل به؟ يعني: حتى التفسير، ربما بعض ما يجلس حلقة التفسير لأجل أن يستفيد آية من كتاب الله سبحانه وتعالى. والنبي عليه الصلاة والسلام ماذا يقول للصحابة في حديث عقبة بن عامر الذي في الصحيحين: «لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية، خير له من ناقة، وآيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهن من الإبل». آية وحدها حث الصحابة: نتعلمها خير له من أن يأتي بناقة عظيمة، عظيمة السنام، في غير إثم ولا قطيعة رحم، تكون له. فما بالك بالآيتين والثلاث والأربع والخمس إلى آخره؟ هذا خير له من أعدادهن من الإبل. فإذا طالب العلم، نحن نقول: طالب العلم ينبغي أن يشتغل ويعتني بكتاب الله، ولو بنوع واحد من أنواع علوم القرآن. التجويد من علوم القرآن، لأنك تستطيع به كعلم آلة أن تتقن القراءة، تعرف كيف تقرأ. وبعد ذلك تأتي للعلوم الأخرى، مثل القراءات وغيرها، تتعلمها لأجل أن تستفيد وتستزيد، وتعرف أمور اللغة العربية. لأن هذا القرآن من فضل الله سبحانه وتعالى: ما نزل على حرف واحد، نزل على سبعة أحرف، وهي لغات العرب، وكلها موجودة في النسخة التي كتبها عثمان رضي الله عنه في عهده، ووزعها على الأمصار. والصحابة بعد ذلك لما جمعوا القرآن من الصدور ومن الصحف، الصحف جعلوها في مصحف واحد، حتى ما يختلف، ولم يضيع منها شيء. فلا يعتقد أنه ضاع شيء من القرآن. ما ضاع شيء من القرآن أبدا، بل السبعة الأحرف موجودة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم طلب ذلك من جبريل، قال: «أقرأني جبريل على حرف، فقلت: زدني، فزاده إلى سبعة أحرف»، وهي لغات العرب. فالقرآن عربي مبين فصيح. فما نجد مثلا من الإيمالة في القرآن، هي لغة قوم، هي لغة أقوام، وليس قوم واحد، أقوام من العرب كانوا يميلون الحروف، وهي الألفات، إذن ذوات الياء، هذه كانت موجودة في لغة العرب. وإبدال كلمة بكلمة، وحرف بحرف، أو حذف حرف وإثبات حرف، هذا كله من لغات العرب، وتسهيلا للأمة الإسلامية، تسهيلا. لسان العرب قد ينطق هذه الكلمة، قد ينطق هذه الكلمة، فجاء القرآن يجمع لغات العرب. وهذا كما قال أهل العلم: من باب الإعجاز. كيف شخص واحد يعرف لغات العرب كلها؟ شخص واحد يأتي بلغات العرب كلها، وهو موجود في قرية واحدة، موجود في قرية واحدة، موجود في بلد واحد، موجود في قريش أو في المدينة، ثم يأتي بلغات العرب كلها. ما عاش عليه الصلاة والسلام في اليمن، ولا عاش في الشام، ولا عاش في العراق، ولا في غيرها من الأمصار، وإنما كان عليه الصلاة والسلام بين مكة والمدينة. ومع ذلك يأتي القرآن ويحوي لغات العرب. وهذا إعجاز، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾، وفي آية: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾، يأتوا بسورة. فهذا إعجاز لهم وتحدي لهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لو اجتمعوا كلهم الجن والإنس، كما في سورة الإسراء. وهذا يدل على عظمة القرآن العظيم، وأن المسلم كلما قرأه وتلاه وتفكر وتدبر فيه، وجد فيه من الأسرار العظيمة، ووجد فيه من العلوم الكثيرة، ووجد فيه كذلك من انشراح الصدر. انشراح الصدر: هذا هو المطلوب. شرح صدرك عندما تقرأ كلام الله. انظر أنت: لو قرأت نثرا، كتابا من الكتب، لو قرأته ستمل منه، مرة، مرتين، ثلاث، تمل منه. حتى القصائد، القصائد الشيقة تمل منها. لكن لما تقرأ القرآن، ما تمل منه أبدا، بل تشعر أنك بحاجة إليه، تشعر أنك بحاجة إلى القرآن؛ لأنه ذكر، والله عز وجل قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فقلوبنا لا ترتاح إلا بسماع القرآن. وإذا وجدت ضيقا وغير ذلك، فأعلم أن في صدرك شيء، تعالج نفسه. لأن بعضهم قد يقول: أنا يضيق صدري عند سماع القرآن. فهذا قد يكون فيه عين، قد يكون ممسوسا؛ لأن المسلم لا يضيق صدره من القرآن. فالله عز وجل جعل اطمئنان القلوب وانشراح الصدور، جعلها عندما يتلى القرآن، ويسمع القرآن، ويقرأ القرآن. ومنه الشفاء: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. فالمسلم يرتاح لسماع القرآن. وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يطلب من الصحابة، من بعضهم، أن يقرأ عليه. وهذا معنى غفل عنه بعضنا. بعضنا يظن أنه إذا كان قارئا أنه لا يحتاج أن يسمع القرآن من غيره، يقول: خلاص، أنا عندي قراءة، وأنا أعرف القرآن، وأنا أستطيع أن أقرأ القرآن وأتدبره. يقول: لا، هذا خطأ الاعتقاد، هذا أو الظن، هذا خطأ. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لابن مسعود: «اقرأ علي». قال: أقرأ عليك وعليك أنزل يا رسول الله؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». أن أسمعه من غيري. فإذا تحب أن تسمع القرآن من غيرك، وتتفكر فيه، وتتأمل آياته. حتى بكى عليه الصلاة والسلام لما قرأ ابن مسعود، ووصل إلى قوله في سورة النساء: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. إذن نعتني، أيها الإخوة طلاب العلم، نعتني بالقرآن. نجعل لنا حظا ووردا منه. لو نعلم بركة القرآن ما تركناه. كما قال عثمان: «لو سلمت قلوبنا ما شبعت من كلام الله عز وجل». لو كانت قلوبنا صافية نقية سليمة، والله ما تشبع من القرآن العظيم. وأننا نجد فيه الانشراح، ونجد فيه كذلك الخير العظيم. القرآن يا إخوان رفعه، كما في حديث عمر رضي الله عنه: كان قارئا للقرآن، عالما بالفرائض، مولى، يصلي بالناس، وأما الناس، وصار إماما للناس وقدوة للناس. بما هذا؟ لما سئل عمر، استغرب نافع مولى في مكة، استخلف، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنه كان قارئا لكتاب الله، عالما بالفرائض. قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين». ويكفينا الخيرية فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، كما في حديث عثمان: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». خيركم، ما قال: «من»، لأن «من» تأتي للتبعيض. قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، ﴿الرَّحْمَانُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾. علم القرآن، الرحمن، علم القرآن، سبحانه. إذن ينبغي أن يكون لنا حظ في الليل والنهار من القرآن العظيم: تلاوة أولا، ثم أيضا عند تلاوته التدبر والتفكر والتمعن في آياته. إذا احتجت أن تكرر آية، وجدت فيها معنى وفائدة لك، فكررها. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى ذات ليلة، أصبح يكرر آية وحدها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. إذن هذه الآيات، كما قال ابن القيم: لو احتاج العبد إلى آية واحدة أن يقوم بها ليلة، لما فيها من الحاجة والفائدة، سواء كان لبدنه أو لقلبه، فإنه يقوم بها. ما يحتاج أنك تقوم الليلة لأنك تحفظ القرآن. آية وحدها وجدت فيها راحة، سورة صغيرة وجدت فيها راحة، تجلس مع هذه السورة، أو تصلي بهذه السورة، حتى لو تكررها في كل ركعة، تكررها في كل ركعة. لأنني وجدت الانشراح، لعل عندي شيء يزيله الله سبحانه وتعالى. بمعنى هذه الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. آية واحدة، حتى أصبح عليه الصلاة والسلام. إذن ما يحتاج منا كثر التفكير. الشيطان حريص على أنك لا تقرأ القرآن، حريص على أنك لا تعمل بالقرآن، حريص على أنك لا تتدبر وتتفهم القرآن. إبليس اللعين. إذن أنت أخزه، أخزه. فإذا شعرت عندك بأي شيء في نفسك، فحاول أنك تأخذ مصحفا وتقرأ وتتلو القرآن، فلن ينفعك شيء من حطام الدنيا، إلا أنك تستزيد من كلام الله سبحانه وتعالى. فآيات القرآن التي جاءت فيها فضائل، وسور القرآن التي جاءت فيها فضائل، والقرآن كله الذي جاء فيه الفضائل في الآخرة، كلها معلومة، وفي الصحيحين. وقد سمعها كثير من إخواننا: حديث أبي أمامة أن القرآن يشفع لأصحابه، حديث أنس أنهم أهل الله وخاصته. وهكذا البقرة وآل عمران، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، كلها في الصحيح. أحاديث كثيرة تدل على شرف القرآن وعظمة القرآن. وينبغي علينا أننا نحسن القراءة، كطلاب علم، كطلاب علم، نحسن قراءتنا. نحن في هذا المسجد المبارك، أننا نقرأ على إخواننا الذين يحسنون القراءة، حتى نكون مع السفرة الكرام البررة بإذن الله تعالى. فالواحد يطلب منا في هذا الأمر، ويجد فيه، يطلب المزيد، ويطلب العلو، ويطلب الرفعة. لا تطلب الدون، اطلب الرفعة دائما. الأمور تأخذها بقوة: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. فإذا أمرنا بأننا نقرأ القرآن، كما أنزل، فإذا نقرأه على الإخوان الذين قد أخذوا القرآن وتعلموا القرآن، نقرأه عليهم، ونستفيد منهم، ما داموا بيننا موجودين. فأنتم أولي، الله الحمد، هئتم لهذا الأمر، فلا تصرفوا أوقاتكم في غير كتاب الله، وفي غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه الوصية القصيرة التي أوصى بها أبو الوليد رحمه الله أولاده: التمسك بالقرآن، والعمل بالقرآن، وحفظ القرآن. حفظه، اهتم بحفظه، حفظ القرآن. وهكذا أيضا تدبر آيات القرآن، وحسن تلاوة القرآن، والعمل به. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. نكتفي بهذا إلى هنا، والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.