معجزات النبي صلى الله عليه وسلم

المحاضرة بعنوان معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بمسجد أبو بكر بن شيخ 29 ربيع الأول 1440هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

مصطلح الآية والمعجزة وآيات موسى عليه السلام

يفرق المحور بين مصطلح "الآية" الوارد في القرآن والسنة والقرون الأولى، ومصطلح "المعجزة" الذي ظهر في القرن الثالث الهجري معرفاً إياها بأنها أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة، ثم يستعرض آيات موسى عليه السلام كعصاه التي تحولت إلى حية ويده البيضاء ومواجهته لسحرة فرعون.

معجزات الأنبياء وآية النبي محمد صلى الله عليه وسلم العظمى

يستعرض المحور معجزات الأنبياء السابقين كناقة صالح وإحياء عيسى للموتى، ثم يركز على معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأبرزها القرآن الكريم المعجز بتحديه للعرب الفصحاء، ومعجزة نبع الماء من بين أصابعه الشريفة التي شهدها مئات الصحابة وعدها العلماء من أمهات المعجزات وأبلغ من معجزة موسى في انفجار الحجر.

إعجاز القرآن الكريم وتحدي المعارضين وعجزهم

يبين المحور أوجه إعجاز القرآن من خلال آيات التحدي بالإتيان بمثله أو بسورة منه، وعجز البشر والجن مجتمعين عن ذلك مع ذكر محاولات فاشلة لمسيلمة الكذاب والنضر بن الحارث، ويشير إلى تأثير القرآن في القلوب وإحصاء الماوردي لأكثر من عشرين وجهاً من أوجه الإعجاز دلالة على صدع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

شفقة النبي صلى الله عليه وسلم وحنين الجذع واتباع السنة

يتناول المحور شفقة النبي صلى الله عليه وسلم وبكاءه على أمته، وأثر القرآن في نفوس الكفار كعتبة بن ربيعة، ومعجزة حنين الجذع شوقاً إليه مستدلاً بها على وجوب شوق المؤمنين واتباعه، ويؤكد أن الاشتياق الحقيقي ورؤيته في الجنة يكون باتباع سنته لا بالبدع، محذراً من صد المبتدعين عن الحوض يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر لنا هذا اللقاء في هذا المسجد المبارك. وبادئ ذي بدء أتوجه بالشكر لإمام هذا المسجد وللقائمين عليه الذين أتاحوا هذه الفرصة، من باب قول الله عز وجل: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، ومن باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: « وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده »، فنسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع لما فيه الخير ولما يحب ويرضى سبحانه وتعالى. وحديثنا معكم ليس بغريب، وقد سمعه وقرأه الكثير فيما يسمعونه وفيما يقرأونه، سواء كان السماع في الخطب أو المحاضرات أو نحو ذلك، أو كان كذلك مقروءًا في كتب أهل العلم. الحديث حول ما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم وأيده بالدلائل والآيات والبراهين الدالة على صدق دعوته ونبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام، وهي ما تسمى عند المتأخرين بالمعجزات؛ لأن لفظ المعجزة لم يكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولا عهد الصحابة ولا التابعين، فهو لفظ جاء فيما بعد ذلك، أي في القرن الثالث. فكان المعروف والمعلوم في القرن الأول والثاني، القرن الذي بعث فيه النبي عليه الصلاة والسلام، هو لفظ الآية أو لفظ الآيات. وهذا ستجده كثيرًا في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وسنذكر شيئًا من ذلك: أن اللفظ الصحيح المستخدم هو لفظ الآية، والآية هي الدلالة البينة، العلامة الواضحة التي لا ريب فيها ولا شك، فيراها الناس أو يسمعها الناس فيعلموا صدق المدعي أو صدق القائل بها. وهكذا جاء في تعبير الصحابة رضي الله تعالى عنهم حيث عبروا بلفظ الآية، ثم جاء من بعدهم في القرن الثالث وعبروا بلفظ المعجزة، وهي لها تعريفات عند العلماء. فالمعجزة كما قال السيوطي رحمه الله - وهو أبلغ تعريف أو أفضل تعريف ولفظه مختصر - قال: هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة. هذا معنى المعجزة. فالنبي عليه الصلاة والسلام أوتي معجزات كثيرة، أي أمر خارق للعادة لا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثله، وهذه المعجزات - وإن شئت قلت الآيات - هذه دالة على صدق نبوته ورسالته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولفظ القرآن كما قلنا جاء باستخدام لفظ الآيات، فقال سبحانه: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ كما في سورة العنكبوت، ويقولون: ﴿ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ﴾ وهذه في سورة يونس. فالله سبحانه وتعالى ذكر أن هؤلاء يريدون آية، أي دلالة وعلامة واضحة أن ما يقوله هذا الرسول الذي يدعي النبوة والرسالة صادق، فطلبوا آيات كثيرة، وسنذكر في حديثنا إن شاء الله تعالى بعض الآيات الدالة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، وهي من باب الدعوة؛ لأن الأمر دعوة إلى دين. فالنبي عليه الصلاة والسلام جاءهم بدين لم يعهده آباؤهم، كما يقولون، وإلا فدين إبراهيم كان موجودًا، وهكذا أيضًا موسى وعيسى، كان هناك بقايا من أهل الكتاب سواء كانوا من اليهود أو كانوا من النصارى، لكنهم لم يبحثوا عن الدين الصحيح كما بحث بعضهم، كورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل. مات زيد بن عمرو بن نفيل قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال عليه الصلاة والسلام: « يبعث أمة وحده »، أي على التوحيد، لأنه بحث عن الدين الصحيح. فهؤلاء الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غيروا الدين وبدلوه، فلم يبحثوا عن الدين الصحيح الذي هو دين إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، حتى بعث النبي عليه الصلاة والسلام بدين الإسلام فأنكروه. منهم من أنكره حسدًا، ومنهم من أنكره كبرًا، ونحو ذلك من الأمور التي ذكر الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾. فلفظ الآيات جاء في القرآن الكريم. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ». فانظر إلى هذا الحديث العظيم الذي يبين فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الأنبياء جميعًا أوتوا من الآيات على حسب ما كان في أقوامهم. فنحن نؤمن أن الأنبياء الذين أرسلهم الله عز وجل إلى أقوامهم قد أيدهم بالآيات السمعية أو الحسية، لأن العلماء يقسمونها إلى سمعية وهي الملفوظة، وإلى حسية يرونها أو يلمسونها. وسنذكر بعض الدلائل على ذلك، منها ما جاء في قصة موسى عليه الصلاة والسلام: الله أعطى موسى العصا، ماذا كان يشتهر في قوم موسى؟ كان في زمن فرعون الذين أرسل إليهم موسى، كان يشتهر السحر، فكان هناك سحرة كثير يخيلون للناس أشياء غير صحيحة. فبعث الله إليهم موسى وأعطاه آية: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴾. ولما جاء إلى فرعون بالعصا قال: ﴿ وَلَوْ جِئْتَكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ ﴾ بعد الأسئلة والحوار الذي بينه وبين فرعون، قال فرعون: ﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾، قال: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴾، قال لمن حوله: ﴿ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴾، قال: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾، إلى أن قال: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ ﴾، يعني ما اقتنع فرعون بأن الله عز وجل رب العالمين وأنه رب المشرق والمغرب وأنه رب آبائهم الأولين، ما اقتنع بهذه الحجة، قال: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ ﴾، قال: ﴿ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾، قال: ﴿ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾. ماذا قال فرعون؟ ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾، هنا ظنوا أن هذا من قبيل السحر، حتى جاء بعد ذلك الاختبار الحقيقي. ما هو الاختبار؟ عندما جمع السحرة لميقات يوم معلوم، فاجتمع السحرة، وجاء موسى عليه الصلاة والسلام، وألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا: ﴿ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ﴾، فألقى موسى عصاه ﴿ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾، ﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾، ﴿ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ ﴾، ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾. هنا عرفوا معنى الآية، أن هذا ليس من قبيل السحر، أنها عصا بإذن الله رب العالمين تنقلب إلى حية كبيرة أو إلى ثعبان كبير، فالتقفت كل ما ألقوه. هذه معجزة وآية، آية آمن الناس، فغضب فرعون لذلك، وقص الله ما أنقص في كتابه الكريم. فهذه آية ودلالة على صدق نبوة موسى عليه الصلاة والسلام. وأما عيسى عليه الصلاة والسلام، فقال العلماء: كان في قومه الطب، اشتهروا بالطب، ولهذا عيسى عليه الصلاة والسلام طلب منهم قومه آيات، طلبوا المائدة فأنزلها الله عليهم، وهكذا أيضًا طلبوا أشياء أخرى، فكان عيسى عليه الصلاة والسلام يدعو ربه، فالله عز وجل أعطاه آيات كانت عندهم من قبيل المعجزات الباهرات، فأعطاه الله عز وجل إحياء الموتى، وأعطاه إبراء الأكمه والأبرص، كل ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى، ليعلم أن هذا الرسول ما يأتي بشيء من عنده. فهم يطلبون التحدي، فيأتي الرسول عليه الصلاة والسلام ويدعو ربه، والله عز وجل يؤيده بتلك الآية التي طلبوها. طلب قوم صالح آية: ﴿ فَأْتِنَا بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾، قال: ﴿ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. لما طلبوا الآية أتت الآية، ولكنهم عقروها، ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا ﴾. فهنا يأتي بعد ذلك التكذيب بالآيات. وللآيات دلائل عظيمة أوتيها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وما هي آية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟ هي القرآن، أعظم آية. وهذه الآية لما كان العرب الذين بعث بهم النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال العلماء، أهل فصاحة وبلاغة، يميزون الكلام الفصيح، يميزون الشعر، يميزون الكهانة، يميزون الشعوذة ونحو ذلك، يميزون كلام البليغ الفصيح الذي يؤتيه الرجل، فكان في العرب فُصحاء وكان بلغاء وكان فيهم فصحاء. فبعث الله النبي عليه الصلاة والسلام وأعطاه أعظم آية، وله هناك دلائل كثيرة أوتيها النبي عليه الصلاة والسلام، بعض هذه كما قال العلماء أبلغ، يعني غير القرآن، بعضها أبلغ مما أوتي الأنبياء السابقون. فمثلًا موسى أعطاه العصا، ضرب بالعصا الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا. انظروا: انفجار الماء من ماذا؟ من الحجر، ضربه، ضرب الحجر فانفجرت ماذا منه؟ اثنتا عشرة عينًا، فنبع الماء من عند الأحجار. والنبي عليه الصلاة والسلام من أين نبع الماء؟ من بين أصابعه، كما قال في الحديث: أنس يروي هذا الحديث، حديث متفق عليه، نبع من بين اللح والعصم والعظم والدم، كما قال الخطابي رحمه الله، وهذه أبلغ من الحجارة؛ لأن المتوقع أن الحجارة ينفجر منها الماء إذا حفرتها، فإذا حفرت في الجبال في الحجارة وبعض الحجارة كما قال الله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ﴾، فهذا شيء كما يقال معهود، لكن أبلغ من هذه الآية التي أوتيها موسى هي نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، فهي في حديث متفق عليه من حديث أنس، وكانوا في مسير في الزوراء، ونبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: كنا ثلاثمئة أو زهاء ثلاثمئة، يعني ما كان عندهم ماء، والنبي عليه الصلاة والسلام أتي بإناء، وضع يده فيه فنبع الماء، فسق القوم، سقى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهم ثلاثمئة رجل أو نحو ثلاثمئة رجل. وذكر كذلك جابر: نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية، فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معه ركوة، يعني ماء في إناء صغير يتوضأ منه، والقوم عطاش وليس معهم ماء، فلما رأوا النبي عليه الصلاة والسلام أجهشوا إليه، فجاءوا إليه عليه الصلاة والسلام، فقال: « ما لكم؟ »، قالوا: ليس عندنا ماء يا رسول الله نشرب أو نتوضأ منه، فوضع النبي عليه الصلاة والسلام يده في الركوة فنبع الماء من بين أصابعه. وهذه رؤيا عين الصحابة يرون ذلك بأم أعينهم، والماء ينبع من بين أصابعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الراوي: قلت لجابر: كم كنتم في غزوة الحديبية؟ قال: كنا خمسة عشر مائة، أي ألف وخمسمائة، قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، لو كان هؤلاء القوم مائة ألف لكفاهم ما نبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه آية عظيمة، حتى قال القاضي عياض رحمه الله: إنها من أمهات، أي آية عظيمة تأتي من أمهات المعجزات للنبي صلى الله عليه وسلم، إنها من الأمهات أي الكبار. وسيأتي هناك أمهات بعد القرآن العظيم، آيات عظيمة رآها الصحابة ورآها غيرهم من الناس، آيات دالة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم. صلى الله عليه وسلم كان فيها تثبيت، لأن بعضها يأتي والصحابة رضي الله تعالى عنهم أو الناس في جهد أو في بلاء أو في كرب، فيظنون أنها فرج، فيأتي النبي عليه الصلاة والسلام بالآية والمعجزة بينهم، فيأتي الفرج من الله. يأتي هنا تثبيت الإيمان لقلوب هؤلاء الصحابة. فأنت يا عبد الله عندما تقرأ آية ومعجزة من آيات النبي عليه الصلاة والسلام تزداد إيمانًا، لأنك تنظر كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يأتي في الوقت المناسب بهذه الآية. قلنا إن بعض الآيات كانت أبلغ، وسيأتي أيضًا ذكر حنين الجذع، وماذا قال فيه العلماء، وأنه أبلغ من آية عيسى عليه السلام وهي إحياء الموتى، وهي إحياء الموتى. سنأتي إن شاء الله إلى ذكر حنين الجذع الذي صاح في المسجد وحن كما يحن الصبي للنبي صلى الله عليه وسلم. فالآيات عظيمة وأعظمها كتاب الله، ولهذا كان التحدي به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فالله عز وجل لما طلب المشركون، أو لما قال المشركون: إنه السحر وأنه كهانة وأنه يعلمه بشر، أجابهم الله عز وجل: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾، هذه في سورة يونس. ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ ﴾، وهكذا أيضًا: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾. أنتم تقولون افترى هذا القرآن، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. تقولون مفترى، كلام بشر، سحر، ائتوا لنا بآية واحدة أو سورة أو عشر سور، وتحداهم الله أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا. ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِمِثْلِهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ كما في البقرة، ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾، ثم عمم سبحانه كما في سورة الإسراء فقال: ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾، لو كان كلهم متعاونين ومتظاهرين، جاء أبلغهم وأفصحهم، ما استطاعوا أن يأتوا بسورة ولا آية، بل قال بعض العلماء: ولا كلمة مما في كتاب الله عز وجل. ولهذا من ادعى أنه سيأتي بمثله أو بكلمة أو بنظم مثل نظم القرآن فإنه يفتضح، ويعرف أنه ليس من عند الله سبحانه وتعالى، ويعرفه الناس أن هذا من عنده. حتى لما قال مسيلمة الكذاب: « يا ضفدع نقي كم تنقين للماء تعكرين ولا الشراب تمنعين »، هذا عنده أنه كلام بليغ وأنه وحي، لأنه ادعى النبوة وأنه يأتيه الوحي، فأتى بهذه الكلمات. فلما سمع أبو بكر رضي الله عنه هذه الكلمات قال: « هذا ليس من إل، ليس من إل »، يعني ليس من عند الله سبحانه وتعالى، لأن الإل تأتي بمعنى الله، ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ﴾، قال العلماء: إل أي الله، هذه لغة، قال: هذا ليس من إل، يعني ليس من عند الله، إنما اختلقه من تلقاء نفسه. وكان هناك فيهم من يستطيع أن ينظم، لكن لا يستطيع أن ينظم كنظم القرآن العظيم الذي فيه النور وفيه الهداية وفيه الحلاوة، فيه التناسق، فيه كل شيء. جاء النضر بن الحارث، وكان من أفصح الناس، فأراد أن ينظم، أن يركب مثل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، مثل القرآن، فقال: « والزارعات زرعة، والحاصدات حصدة »، بعد الزرع يأتي ماذا؟ الحصاد، قال: « والزارعات زرعة، والحاصدات حصدة، والطاحنات طحنة، والعاجنات عجنة، فالخابزات خبزة، فاللاقمات لقمة »، يعني انظروا، يريد أن يأتي بقرآن من عنده، أي وحي، أنا بأجيب مثل ما جاء ماذا؟ محمد، مثل ما جاء محمد، قال: أنا بأجيبكم كلام، هو يقول مثلًا: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾، هذا وصف، وصف بليغ دقيق للخيل، وهكذا ﴿ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ﴾، وصف للرياح، فيصف الله عز وجل الرياح ويصف العاديات الخيل ويصف غيرها من المخلوقات بوصف دقيق بليغ. هم يريدون أن يأتي بمثل هذا، فقال: « والزارعات زرعا، ناس زرعوا، بعد ذلك الحاصدات حصدة، بعد ما حصدنا، قال الطاحنات، أي نطحن هذا الزرع بعد ذلك، قال العاجنات، اللي يعجنونه بعد ذلك، قال ماذا؟ الخابزات، من هذا الزرع يخبزونه بعد ذلك، قال آخر شيء، قال: فاللاغمات، أي الأكلات، أكلة، فاللاغمات الأقمات ». فهل هذا بالله من يستمع إليه يقول أن هذا معجز، وأن هذا عليه حلاوة، وأن هذا عليه طلاوة، أعلاه مورق وأسفله مغدق، كما قال هم هؤلاء كفار قريش قالوا: ﴿ إِنَّ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾، هذا في كتاب الله عز وجل، حينما كانوا يستمعون القرآن يأتون في الليل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في بيته، فاستمعوا القرآن، ثم يعاتب بعضهم بعضًا، يأتي أبو جهل والوليد بن المغيرة وأبو سفيان، لأنهم عرفوا صدقًا ما يقول النبي عليه الصلاة والسلام، لكن منعهم من ذلك بعد أن تبينوا أنه كلام الله عز وجل، منعهم من ذلك ومن ذلك الكبر والحسد. كم بعثوا من البعوث إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليرجع عن قوله؟ لأنهم يعلمون أن من سمع هذا القرآن تأثر به، كم سامعين له يتأثر به، يعرف أن هذا كلام ليس كلام البشر، هذا كلام رب البشر سبحانه وتعالى، لأنه معجز من كل الوجوه، من كل الوجوه، فهو له حلاوة، له طلاوة، فلما يقرأه الإنسان ما يمل منه ولا يكل منه، ويشتاق إليه، ويرتاح به، ويسكن ما في صدره، وقليل ما في ذلك، حتى أوصل الماوردي رحمه الله تعالى إعجاز القرآن الكريم من عشرين وجه، من عشرين وجه. إن قلت الفصاحة والبلاغة والبيان، كل وجوه العربية، إن قلت التحدي، إن قلت الإخبار عن ما في الأمم السابقة، وهكذا المغيبات، بل كشف الله عز وجل ما في الصدور وهم مع النبي عليه الصلاة والسلام، ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾، تمني كان هذا عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بفرود، ﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴾. كم آية تنبئ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بما في نفوسهم، كثير في القرآن الكريم، وخصوصًا في الجهاد وفي القتال. فهذا القرآن معجز من جميع الوجوه، فذكر الماوردي رحمه الله تعالى أكثر من عشرين وجهًا، لأن هذا القرآن الذي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم معجز من عشرين وجهًا. حتى ذكر عن ابن الأعرابي رحمه الله رحمه الله أن أعرابيًا سمع قارئًا يتلو: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾، قال: فسجد الأعرابي، قال: والله سجدت لي فصاحت هذا الكلام، كالمثَل، بل بعض الكلمات لا تجد لها نظيرًا، لا تجد لها نظيرًا لهذا المتكلم بكلام الله عز وجل، تجده يتكلم بعربية وبلسان عربي مبين، مثل: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾، متال، كلمة واحدة في القرآن، وهي آية من آيات الله عز وجل، فهل سيأتون بمثل هذه الكلمة؟ فكلام الله عز وجل معجز من جميع الوجوه، فتحداهم الله عز وجل أن يأتوا بمثله أو بسورة أو بعشر سور أو بنحو ذلك، فما استطاعوا أبدًا. ودل هذا القرآن والمعجزة العظيمة التي أوتيها نبينا صلى الله عليه وسلم عن صدق دعوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالقرآن معجز، هذه إحدى المعجزات وإحدى الدلائل التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي دالة على دعوته، فكان يدعو الناس بها. بل عليه الصلاة والسلام كان يتأثر هو نفسه بالقرآن، فما من أحد إلا وتأثر بالقرآن، حتى هو بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام تأثر بالقرآن، طلب من ابن مسعود أن يقرأ عليه، كما في الصحيح من حديث ابن مسعود أنه طلب منه أن يقرأ عليه، قال: أقرأ عليك وعليك أنزل يا رسول الله؟ قال: « إني أحب أن أسمعه من غيري »، فقرأ عليه سورة البقرة، أو قرأ عليه سورة النساء، حتى بلغ قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾، قال: « حسبك »، قال: فالتفت فإذا عيناه تذرفان. تأثر النبي عليه الصلاة والسلام، انظر إلى الموقف يوم القيامة، النبي عليه الصلاة والسلام تفكر في ذلك اليوم أنه يأتي بشهيد على أمته، الأمة التي قصرت أعمالها في أن يلحقوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وأنت يا محمد شهيد على هؤلاء، أي على قومك، شهيد على أمتك، فذرفت عيني النبي صلى الله عليه وسلم شفقة ورحمة بهذه الأمة، ما هي الأعمال التي قدموها حتى يكون يوم القيامة من الناجين ومن المفلحين؟ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ذرفت عينيه من الشفقة على هذه الأمة. وكذلك الصحابة، منهم أبو بكر، ومنهم أسيد بن حضير، ومنهم كذلك عمر، ومنهم كذلك معاذ، ومنهم غيرهم، واحد من الصحابة، بعضهم أسلم بسماعه للقرآن، أسلم لما سمع كلام الله عز وجل يتلى عليه، لأنه معجز. والكفار كانوا ربما أرسلوا بعضهم لكي يحاجج النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما يدعوه إلا بكلام الله عز وجل، ما يقرأ عليه إلا القرآن، يستمع، وهذا من الأدب، أن الذي يأتيك يريد أن يحاججك ويجادلك، أنك تنصت حتى يأتي بما عنده. فجاء عتبة بن ربيعة، وأرسله كفار قريش إلى النبي عليه الصلاة والسلام يفاوضه، تريد ملكًا ملكناك، تريد شرفًا جعلناك أكثرنا شرفًا، تريد كذا وكذا، وعرض عليه الأمور كلها، أنت جئت تسفه أحلامنا وتعيب آلهتنا ونحو ذلك. فلما انتهى من حججه وعرضه، العرض المغري أنه يكون ملكًا أو أميرًا أو شريفًا وسيدًا أو أكثرهم مالًا، النبي عليه الصلاة والسلام قال له: « انتهيت، انتهيت يا أبا الوليد »، قال: نعم، قال: « فاسمع »، فقرأ عليه من سورة فصلت: ﴿ حَم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾، يعني هذا القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم، ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴾، إلى أن وصل عليه الصلاة والسلام: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾، قال: حسبك، هنا ظن أن العذاب سيأتي إذا أعرضوا عن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أعرضت الأمم السابقة، عاد وثمود، أهلكهم الله، فإن أعرضوا فقل لهم أنذرتكم صاعقة، ولهذا كانوا يعلمون أن من دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تستجاب عليه الدعوة. كفار قريش كانوا يخافون من أن يدعو عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام بالقحط، فقحطوا: « اللهم سبعًا »، لما ما استجابوا له قال: « اللهم سبعًا كسن يوسف »، حتى كانوا يرون السماء مثل الدخان، قحطوا، أكلوا الجيف، كل شيء، حتى جاء أبو سفيان: « تريد إهلاك قومك »، إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هنا طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يرفع عنهم العذاب من الله سبحانه وتعالى، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام، فكشف: ﴿ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾، أي عائدون في كفركم وغيكم ونحو ذلك، كما في سورة الدخان، أنزل الله هذه السورة في بيان حال هؤلاء، إذ أعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم، وعادوا إلى كفرهم. فانظر يا عبد الله كيف تأثير القرآن العظيم في قلوب هؤلاء، تأثر به الكفار، لكن منعهم كما قلنا، منعهم كما قلنا الكبر، ومنع بعضهم كذلك الملك والسيادة والرئاسة، وظنوا أن النبوة، أي لما يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإنهم يمنعون من ملذات وشهوات ما كانوا فيه. فالله عز وجل رحيم بعباده، النبي عليه الصلاة والسلام لم يطلب منهم ملكًا ولم يطلب منهم رئاسة ولم يطلب منهم شيئًا من أمور الدنيا التي يتمتعون بها، وإنما طلب منهم الإيمان بالله عز وجل وأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، يتركوا عبادة الأوثان والأصنام، ويتركوا كذلك المحرمات من الربا والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك مما حرمه الله عليهم، فإن فعلوا ذلك أفلحوا ونجحوا في الدنيا والآخرة. فمعجزة القرآن معجزة خالدة عظيمة، هذه الآية الآيات الكريمات ينبغي لكل مسلم أن يتمعن ويتفكر فيها إذا قرأ كتاب الله عز وجل، يخشع قلبه: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾. أبو بكر رضي الله تعالى عنه ذكر عنه أنه كان رجلًا أسيفًا، يعني يبكي إذا قرأ القرآن، بل أن قريشًا لما كان في بداية الدعوة وكان أبو بكر رضي الله عنه يتلو القرآن، كانت تخاف على أبنائها وبناتها ونسائها، تخاف عليهم من أن يستمعوا من أبي بكر، فكانوا يصدون الناس عن داره، لا تذهبوا إلى بيت أبي بكر، لأنه إذا قرأ القرآن كان يتأثر وكان يبكي رضي الله عنه وأرضاه، فخافوا أن يتأثر أولادهم بتلاوة القرآن، فكانوا يصدون الناس عن أهل الحق الذين في صدورهم كتاب الله وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن دلائل معجزات النبي عليه الصلاة والسلام حنين الجذع، هذا ذكره غير واحد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فذكر جابر رضي الله تعالى عنه كما في صحيح البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوم الجمعة يأتي إلى جذع فيقوم عليه ويخطب الناس، فقالت له امرأة، وفي رواية رجل: قالوا: أفلا نصنع لك منبرًا تقوم عليه؟ فقال: نعم، فصنعوا المنبر، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام يقوم عليه، قال: فصاح الجذع وأنّ كما يئن الصبي، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم واحتضنه وأسكته حتى هدأ. في رواية ابن عباس عند الدارمي أنه قال عليه الصلاة والسلام: « لو لم ألتزمه لظل إلى يوم القيامة »، لا إله إلا الله، سيظل الجذع يئن أنين الصبي إلى يوم القيامة إذا لم يهدئه ويسكته النبي صلى الله عليه وسلم. كان الحسن البصري عندما يقرأ هذا الحديث على الناس يقول: يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشتاق إليه، تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشتاق إليه، فما لكم لا تشتاقون إليه صلى الله عليه وسلم؟ أين أنتم؟ هذا جماد، خشبة تحن إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام لما ترك القيام عليها، وأنتم ما هذه القلوب التي لا تجعلكم تشتاقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ صلى الله عليه وسلم، الاشتياق الذي يكون في قلب المؤمن أنه يسأل الله عز وجل أن يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام ويراه في الجنة، يراه عند الحوض، ولا تحصل على ذلك إلا بالاتباع، لا كما يفعله بعض المتصوفة، يرون أن الاشتياق بالمولد، تشتاق إليه بالمولد، يعني بالبدع، البدع ما تقربك من النبي عليه الصلاة والسلام بل تبعدك عنه، لأنك إذا أتيت يوم القيامة وتريد يا عبد الله أن تستقي من الحوض، تمنعك الملائكة، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: « أمتي، هؤلاء من أمتي »، يقولون له: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا، غيروا ما كنت عليه من السنة، غيروا الدين، أتوا بمحدثات، أتوا ببدع، لهذا يصرفون، فلا يرون النبي عليه الصلاة والسلام والعياذ بالله. هذا جذع خشبة يحن ويشتاق إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم، فما بالكم أنتم؟ فالمسلم يشتاق لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الرحمة المهداة، فإذا تريد ذلك فعليك أن تتبعه صلى الله عليه وسلم، صلى الله عليه وسلم، لا أن تبتدع في دين الله، فليست البدع بمقربة منه صلى الله عليه وسلم، وتنال شفاعته يوم القيامة. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: ما أعطي أحد من الأنبياء مثل ما أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من جلسائه، قال: يا أبا عبد الله، قال: قد أعطى الله عيسى إحياء الموتى، فقال الشافعي رحمه الله: وانظروا إلى الذكاء وكذلك الفطنة، قال: حنين الجذع أبلغ من إحياء الموتى، حنين الجذع جماد يصيح ويئن كما يئن الصبي، كأنه صبي يتكلم، هذا حنين الجذع جماد، لكن الميت بشر مات، فما بقي إلا أن تعاد إليه الروح، فهو ليس بجماد، فأيهما أبلغ: أن يصيح الجماد، أو أن يحيى الميت؟ أبلغ وأقوى، كما قال الشافعي رحمه الله: أن الجماد يتكلم، الذي ليس فيه الروح، ولكن كما جعل الله عز وجل للجم