الدرس في فضل الصدقة في رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 رمضان 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناولت الخطبة فضيلة الجود والعطاء في شهر رمضان اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود ما يكون فيه. وبينت أن الجمع بين الصيام والصدقة يضاعف الأجر ويعين الصائمين والقائمين، كما أن إطعام الطعام وقيام الليل من أسباب دخول الجنة.
أوضحت الخطبة فضائل الصدقة العظيمة في تطفئ غضب الرب وتكفير السيئات وكونها ظلاً للمتصدق يوم القيامة. وأكدت على وجوب زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، والحث على الإنفاق من أطيب المال لا من الخبيث.
بين المقطع أن الصدقة من كسب حرام لا تُقبل ولا يُثاب عليها لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. وحذر من المن والأذى في الصدقة لأنهما يحبطان الأجر، وأكد أولوية الإنفاق على النفس والأهل والأقربين فالأقربين.
اختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يوفق الحاضرين في شهر رمضان المبارك للخير والعطاء والجود. وأكد أن الله ولي ذلك والقادر عليه، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، إننا في شهر عظيم، وفي شهر كريم، يجود الله عز وجل على عباده بأنواع من الخيرات والكرامات، والكرامات. فينبغي علينا عباد الله أن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي كان في رمضان أجود الناس بالخير والعطاء. ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. في هذا الحديث عباد الله يجمع النبي عليه الصلاة والسلام بين خيرين، وبين فضيلتين قد من الله سبحانه وتعالى بهما على عباده، ألا وهو الصيام والجود والعطاء والخير في رمضان. وذلك لأن الجمع بين الصيام وبين الصدقة والإنفاق والجود في رمضان له آثار عظيمة ومعانٍ سامية، ينبغي على كل مسلم أن يكون حريصًا كل الحرص على أن يجود في رمضان أكثر مما يجود في غيره. فإن من معاني الصدقة والإنفاق في هذا الشهر الكريم أن هذا الشهر المبارك تضاعف فيه الحسنات، وترفع فيه الدرجات، وتعظم فيه الأجور، ويكثر فيه الثواب. ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتأسى فيجود، يجود على الناس بما أعطاه الله عز وجل. كيف لا وهو صلى الله عليه وسلم الذي ما سئل عن شيء فقال لا، كما قال جابر بن عبد الله، والذي كان عليه الصلاة والسلام لا يدخر شيئًا، والذي كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهو يريد عليه الصلاة والسلام إدراك فضيلة هذا الزمان الذي هو شهر رمضان، حيث تضاعف فيه الحسنات، كما يقول الرب سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة». وهكذا عباد الله من الآثار للجود والإنفاق والعطاء في رمضان أن فيه عباد الله إعانة للصائمين وللقائمين وللذاكرين. فإن من أجاد بالخير أجاد الله عز وجل عليه، والجزاء من جنس العمل عباد الله. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء». رواه النسائي والترمذي وابن ماجة من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه، وهو في صحيح الجامع. انظروا عباد الله، من فطر صائما، من أعان الصائم في الإفطار وغيره، فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «وأحب للرجل زيادة الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإعانة للصائمين لما فيه مصالحهم لتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم». فإن كثيرا من الناس يجلس في شهر رمضان لأجل التعبد لله عز وجل بالصوم والصلاة، فكان من يعين الصائمين والقائمين والذاكرين في شهر رمضان له أجر عظيم عند الله تبارك وتعالى. ومن ذلك عباد الله أن الجمع بين الصيام وبين الصدقة فيه إيجاب الجنة، فيه إيجاب الجنة عباد الله، التي ينبغي لكل مسلم عاقل أن يسعى جاهدا في تحصيلها، وذلك بأسبابها المشروعة التي جعلها الله عز وجل لعباده المؤمنين. قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها». قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام». لمن أطعم الطعام، ولمن أدام الصيام، ولمن صلى بالليل والناس نيام. رواه الترمذي، رواه الترمذي وصححه العلامة الألباني رحمه الله. انظر يا عبد الله إلى هذا الأجر العظيم لمن قام بإطعام الطعام، وأفضل شهر يطعم فيه الطعام هو شهر رمضان المبارك. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوما لأصحابه كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم اليوم صائما؟» فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: «من تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: «من أطعم اليوم منكم مسكينا؟» قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: «من تصدق اليوم منكم بصدقة؟» قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. قال: «من عاد منكم اليوم مريضا؟» قال أبو بكر: أنا يا رسول الله. خمس خصال قام بها أبو بكر في يوم واحد، خمس خصال قام بها أبو بكر في يوم واحد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعت هذه الخصال في مسلم إلا دخل الجنة، إلا دخل الجنة». إنها لخصال عظيمة، وفيها عباد الله الجمع بين الصيام وبين الصدقة والإطعام، ليدل على فضيلتهما. وهكذا عباد الله من هذه الآثار العظيمة للصدقة والجود والعطاء مع الصيام أن الله عز وجل يباعد عن النار من تصدق ولو بشيء يسير. قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة». متفق عليه من حديث عدي بن حاتم. اتقوا النار ولو بشق تمرة. فأفضل ما يتصدق به الإنسان في هذا الشهر المبارك... وقال نبينا صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «يا كعب بن عجرة، الصلاة قربان، والصيام جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء، كما يطفئ الماء النار». فبين عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن الصدقة تعظم بها الأجور، يكفر الله بها السيئات، ويرضى عنك الرب سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقة السر تطفئ غضب الرب». رواه الطبراني. صدقة السر يا عبد الله التي تخفيها ولا يعلمها أحد، فإن هذه الصدقة تطفئ غضب الرب، وينبغي للمسلم أن يسعى جاهدا في إطفاء غضب الرب، وفي مرضات الله سبحانه وتعالى، وفي مباعدة وجهه عن النار. فإن صدقة صغيرة يا عبد الله ربما تكون سببا في نجاتك من النار. ومن هذه المعاني السامية والآثار الحميدة عباد الله للصدقة في رمضان والخير في رمضان أن الصائم لا ينجو، لا ينجو في صيامه من اللغو والرفث، لا ينجو في صيامه من اللغو والرفث، فكان في صيامه خلل ونقص. ولهذا ينبغي عليه أن يجبره بالصدقة. شرع الله عز وجل الفطرة، طهرة للصائم من اللغو والرفث، طهرة للصائم في آخر رمضان، الفطرة في رمضان شرعها الله عز وجل طهرة للصائم من اللغو والرفث. لأجل هذا لا يسلم منه أحد من أن يلغو في نهاره أو يفعل شيئا يخل بصيامه أو ينقصه، فينبغي عليه عباد الله أن يجبره بالصدقة في رمضان. إن الصدقة عباد الله لها فضائل عظيمة ومزايا كثيرة. من ذلك عباد الله أن الذي يتصدق وينفق ماله في سبيل الله عز وجل، أن الله عز وجل يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: «كل مسلم تحت ظل صدقته حتى يقضى بين الناس»، المسلم تحت ظل الصدقة حتى يقضى بين العباد. قال يزيد: فكان أبو مرثد رضي الله يرحمه الله كان لا يخطئه يوم إلا وتصدق فيه ببصلة أو بكعكة. رواه الإمام أحمد. هكذا حرص السلف رحمهم الله تعالى على الخير وعلى نفع أنفسهم. فإن المتصدق إذا تصدق إنما ينفع نفسه، فإن ماله ما قدمه له يوم القيامة، كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله، ما من أحد ما لوارثه أحب إليه من ماله. قال صلى الله عليه وسلم: «فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر». متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. إنما له ما قدم، أي الذي قدمته فهو لك يا عبد الله، والذي أخرته ولم تنفقه وتتصدق به فإنما يكون لغيرك، يكون لورثتك. ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يحكي حال الإنسان يوم القيامة، حال الإنسان يوم القيامة يقول: «ابن آدم: مالي، مالي». وهل لك من مالك يا ابن آدم؟ يجاب عليه: «هل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأمضيت؟» رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وجاء أيضا من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه عند أبي داود. انظروا عباد الله، ابن آدم يقول يوم القيامة: أين مالي، أين مالي؟ مالك يا عبد الله هو ما قدمته في حياتك الدنيا. ولهذا لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة رضي الله تعالى عنها وقد ذبحوا شاة وتصدقوا بها إلا الكتف، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «يا عائشة، ما بقي من الشاة؟» قالت: بقي كتفها يا رسول الله. قال: «بقي كلها إلا كتفها، بقي كلها ذخرا عند الله جل وعلا إلا الكتف، فإنه لما أكل ولم يتصدق به لم يبق ذخرا عند الله سبحانه وتعالى». هكذا ينبغي علينا عباد الله أن نسارع في هذا الشهر المبارك وهذا الشهر الكريم في الجود والإنفاق والعطاء مما أعطى الله جل وعلا. وينبغي على المسلم أن يحرص كل الحرص على الإنفاق من الطيب، فإن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. هذه الآية المباركة عباد الله نزلت في معشر من الأنصار كما قال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، قال: نزلت فينا هذه الآية، كنا أصحاب نخل، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل منا إذا أراد أن يتصدق أتى بعذق فربطه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع ضربه بعصاه فسقط منه البسر والتمر. وكان ناس لا يرغبون في الخير، انظر يا عبد الله، كان ناس لا يرغبون في الخير، يأتي أحدهم بالقنو وفيه الحشف والشيص، أي فيه رديء التمر، فيه اليابس ليس فيه الطري، وفيه الطيب، قال: وبالقنو قد انكسر فيعلقه في المسجد. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾، لا تقصدوا في صدقاتكم الخبيث، ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، قال: لو أن أحدهم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحشة، إلا على إغماض وحشة. لو أهدي لك هذا الشيص وهذا الحشف ما أخذته إلا وأنت على حياء وعلى إغماض لعينيك لأنه ما يصنع به وما يفعل به. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، الله غني عنكم، والله عز وجل حميد في أفعاله. ينبغي علينا عباد الله أننا إذا تصدقنا أن نتصدق بأفضل ما نجد. دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوما المسجد وقد علق رجل قنو حشف، وكان مع النبي عليه الصلاة والسلام عصا، فجعل يطعن هذا القنو وهو معلق في المسجد، جعل يطعنه بعصاه، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها، إن رب هذه الصدقة يأكل حشفا يوم القيامة، إن رب هذه الصدقة يأكل حشفا يوم القيامة». الجزاء من جنس العمل. إذا كان هذا يا عبد الله في الشيء المباح والشيء الحلال يتصدق به الإنسان لكنه لا يخرج أطيب ما عنده لله جل وعلا، فكيف بمن يتصدق بالحرام من أموال الربا أو من أموال الرشوة أو من الأموال كذلك السرقة أو من التجارة في الخمر أو من التجارة في الدخان وهو يريد الأجر والثواب من الله؟ هل له أجر يا عباد الله؟ الجواب: لا. يبين ذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «من جمع مالا حراما فتصدق به ليس له فيه أجر، وإنما إصره عليه، إنما إصره عليه إثمه عليه». فمهما جمع الملايين، لو أنفق ملء الأرض، لو أنفق ملء الأرض ذهبا وهو من كسب حرام لا يقبله الله عز وجل، لأن الله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيبا، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تصدق أحدكم بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل». متفق عليه من حديث أبي هريرة. انظر يا عبد الله، الصدقة اليسيرة من كسب حلال، الله عز وجل يربيها لصاحبها في الجنة حتى تصير مثل الجبل العظيم. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، ينبغي على كل مسلم إذا تصدق أن يحذر في صدقته مما حذر الله عز وجل، ومما نهى الله عنه عز وجل في كتابه الكريم. فقد نهى الله سبحانه وتعالى في الصدقات عن المن والأذى، نهى الله عز وجل في الصدقات عن المن والأذى. قال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. انظروا يا عباد الله، متصدق من على غيره، متصدق مؤذٍ لغيره، هل تقبل صدقته؟ الجواب: لا، لأن الله عز وجل يحبط أجر تلك الصدقة. بل قال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث أبي ذر: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما عند النسائي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر». انظروا عباد الله إلى هذا الذي يمن على غيره: فعلت وفعلت كذا وكذا، هذا من الأذى يا عباد الله الذي حرمه الله عز وجل في الصدقة، وأخبر سبحانه أنه لا يقبل، لا يقبل سبحانه صدقة مان ولا مؤذٍ. فكيف بمن يشيع ذلك في الصحف والإذاعات: فلان قام بكذا وكذا، الهيئة الفلانية أو المؤسسة الفلانية أو الجمعية الفلانية، انظروا يا عباد الله قامت بكذا وكذا من المشاريع، هذا من المن والأذى نهى الله عز وجل عنه في الصدقة. وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن المتصدق إذا تصدق أن يخفي صدقته، فهي أعظم للأجر لأنها أبعد عن الرياء، لأنها أبعد عن الرياء. الذي يخفي صدقته بعيد عن الرياء، والذي يظهرها افتخارا، والذي يظهرها اشتهارا يريد أن يفتخر ويشتهر بين الناس بأنه متصدق، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة: ذلك الرجل الذي تصدق بتلك الصدقة عباد الله، ولكنه أراد من الناس أن يقال له كريم، وأن يقال له جواد، وأنه يفعل ويفعل الخيرات، فهذا يوم القيامة أول من تسعر به النار، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. عباد الله، إن الصدقة لها أجر عظيم عند الله، لا يعلم مقدارها ومزيتها وعظمها إلا من علم ما أنزل الله سبحانه وتعالى في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفضائل والأجور والثواب للمتصدقين. عباد الله، ينبغي على كل مسلم أن يحرص كل الحرص على أن يسد جوع أهله، وأن ينفق على أهله بما أعطاه الله سبحانه، فإن أعظم الصدقة عند الله جل وعلا الإنفاق على الأهل. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته على دابتك في سبيل الله، ودينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك». متفق عليه. أعظم الدنانير أجرا أن الرجل ينفق على أهله ولا يبخل عليهم بما أعطى الله سبحانه وتعالى. قال نبينا صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: «وابدأ بمن تعول». متفق عليه. ابدأ بمن تعول. ولهذا لما قال رجل لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عندي دينار، قال: «أنفقه على نفسك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على عيالك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على أهلك». قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على خادمك». قال: عندي آخر، قال: «أنت أعلم به». فإذا يا عباد الله ينبغي من التوسعة في غير إسراف ولا تبذير على الأهل والعيال والنفس، فإن ذلك من أعظم الأجور. قالت أم سلمة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا رسول الله، إن بني أبي سلمة في حجري، فهل لي من أجر أن أنفق عليهم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم لها: «أنفقي عليهم، أنفقي عليهم، فإن لك أجر ما أنفقت عليهم». ولما تصدقت ميمونة رضي الله تعالى عنها، تصدقت أو أعتقت عبدا من عبيدها أو وليدة من وليدها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك، كان أعظم لأجرك». فلذلك ينبغي على المسلم أن يبدأ في الصدقة والإنفاق على نفسه ثم على أهله وعياله ثم على الأدنى فالأدنى. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك». نسأل الله سبحانه بمنه وكرمه وإحسانه أن يوفقنا وإياكم في هذا الشهر المبارك، يوفقنا وإياكم للخير والعطاء والجود، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.