الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المؤلف كتابه 'فضل الإسلام' بآية 'اليوم أكملت لكم دينكم' موضحًا دلالتها على كمال الإسلام وعقيدته وشريعته. يُبين أن هذه الآية تدل على فضيلة الإسلام وتمامه.
يشرح المؤلف اكتمال الدين الإسلامي وعدم حاجته لإضافات، ويشير إلى نعم الله على الأمة الإسلامية ورضا الله عن الإسلام وأهله. يُظهر معية الله الخاصة لمن يرضى عنهم وفضل الإسلام في تنظيم حياة المسلم.
يُفسر المؤلف الآية الكريمة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، موضحًا أن الإسلام هو الدين الوحيد المقبول عند الله، وأن الله قد أكمل الدين به وأتم نعمته على المسلمين.
يختم المؤلف بالدعاء أن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر تواضعه واعترافه بقدرة الله تعالى ويُنهي كلامه بالتسليم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب فضل الإسلام. المؤلف رحمه الله تعالى جعل رسالته فضل الإسلام مكونةً من عدة أبواب، وكلها تهدف إلى بيان فضيلة الإسلام، فأول باب قام بتبويبه رحمه الله تعالى هذا الباب، فقال: باب فضل الإسلام. وذكرنا في مقدمة الرسالة ما يتعلق على عجاله بأهمية الإسلام وفضله، سواء كان في نفسه أو كان على غيره أو كان من باب فضل الإسلام على أهله، بما يغني عن الإعادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية الكريمة دلالة وإشارة إلى ما فيه فضيلة للإسلام. وهنا في قول المؤلف: وقول الله تعالى، يصح في ذلك وجهان، أن تقول: وقول الله تعالى بالجر، أو وقول الله تعالى بالرفع، في الجر على العطف، وبالرفع على الاستئناف بالرفع، فتقول: وقول الله، أو وقول الله، وكل ذلك صحيح. قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. في هذه الآية العظيمة إخواني في الله، إشارة إلى فضيلة الإسلام، وذلك من عدة وجوه. أولًا، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، اليوم المشار إليه في هذه الآية هو يوم عرفة، كما جاء ذلك مصرحًا في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب، أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة يوم الجمعة، وذلك في حجة الوداع. صلى الله عليه وسلم نزلت عليه هذه الآية، وقال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. وهذه الآية إخواني في الله، فيها بيان على أن الله سبحانه وتعالى قد أكمل لنا هذا الدين. وفي ذلك عدة مسائل. المسألة الأولى: دين الإسلام يقوم على عقيدة وعلى شريعة، الإسلام من تقاسيمه باعتبارات ينقسم إلى عقيدة وإلى شريعة. فبما أن الله سبحانه وتعالى أكمل لنا الدين، فإن العقيدة كاملة لا نقص فيها، والشريعة كذلك كاملة لا نقص فيها. والعقيدة والشريعة لها وسائل تؤدي إلى تقريرها، فبما أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فبما أن المقصد وهي شريعة كاملة، فإن تقرير الوسيلة تقرير القاع، عقيدة وهي وسائلها كاملة. وبما أن الشريعة كاملة، فإن الوسائل المؤدية للشريعة هي كذلك كاملة. فعند الغايات وعند الوسائل كاملة مكملة لا نقص فيها. يفهم هذا: العقيدة كاملة ووسائلها كاملة، والشريعة كاملة ووسائلها كاملة. الجليل: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، فما هناك دين قد أكمل من كل الوجوه في المقاصد والغايات والوسائل سوى دين الإسلام. هذه فائدة. الفائدة الثانية: أن نعلم إذا كان هذا من خصيصة دين الإسلام أنه قد كامل، فإن ما عداه من الأديان أنها لم تكمل. لم تكمل اليهودية، لا ما كاملت، لم تغطي جميع حوائج الناس. وهكذا النصرانية لم تأت لتغطي جميع شؤون الحياة. لهذا أصحابها من يهود ومن النصارى وجدوا من النقص في شرائعهم ما استوجب عليهم أن يستكملوه بجهل تارة وبعلم تارة أخرى. لهذا كان منهم رهبانية ابتدعوها، كان منهم الاتكاء والأخذ من القسيسين والأحبار والرهبان، بل جعلوها شرائع لا تجوز مخالفتها. كل ذلك احتياج منهم لوجود النقص في شرائعهم. لكن في شريعتنا ما هذا موجود، لأن شريعتنا قد كملت. الفائدة الثالثة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، فيه الرد على الطوائف العديدة والغفيرة والكثيرة التي تنتمي للإسلام، منهم من ينتسب إلى المدرسة الفلسفية، منهم من ينتسب إلى علم المنطق وأهل الكلام، ومنهم مبتدعة من شتى الطوائف والفرق والنحل والملل، ممن ظن أن الإسلام يحتاج إلى اجتهاده ويحتاج إلى زيادته. فوجدنا منهم من يضيف أشياء في العقيدة، في الشريعة، في العلم، في العمل، ويأتي ببدع وحوادث يرى أن الإسلام ما يقبل إلا بها. والآية ترد عليه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، الإسلام ما هو بحاجة إلى نظريات أحد أو إلى قواعد أحد أو إلى بروتوكولات أحد، فهو قائم بنفسه، قد كمله الله من عنده سبحانه وتعالى. ثم قال سبحانه: ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾. أتم الله جل وعلا النعمة على الأمة بنعمة الإسلام. لا زالت نعم الله تترى على هذه الأمة المحمدية، وما بكم من نعمة فمن الله. لكن النعمة الإسلام هي النعمة التي أتم الله بها على هذه الأمة. والنعم تنقسم إلى قسمين: إلى نعم دينية وإلى نعمة دنيوية. والنعمتان الدينية والدنيوية قد اجتمعتا في الإسلام. وجدت في الشريعة الإسلامية نعمة الدين، يا عبد الله، في الإسلام ما نجده من رفع الدرجات والتكفير للسيئات ورفع للخطيئات ومواسم الخيرات والبركات والعمل اليسير من ورائه الأجر الكثير، هذا ما تجد إلا في هذه الأمة. نعمة دينية جعلها الله في الإسلام، ما تجدها عند غيره. وأيضًا نعمة دنيوية، فبالإسلام إخواني في الله، يعني أن الإسلام قد هذب حياة المسلم، ليس فقط في شؤونه وتنظيم حياته مع ربه، بل حتى مع جميع خلقه، من ناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما يكون بينك وبين أهلك، بينك وبين أولادك، بينك وبين جيرانك، بينك وبين أرحامك، بينك وبين قرابتك، بينك وبين الصغير، بينك وبين الكبير، بينك وبين الصديق، بل بينك وبين العدو. أين تجد هذا التنظيم؟ جئوني بشريعة أو بدين فيه التنظيم لحياة الفرد أو المجتمع بهذا المستوى، والله لن تجد. هذه نعمة دنيوية تكفل الله جل وعلا بهذه الشريعة، تعيش فيها يا عبد الله من غير هموم ولا غموم ولا سوء ولا كروب، يرفع عنك كل الآفات الذي تمس دينك وخلقك وحياتك. هذه نعمة دينية أتمها الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة. ثم قال سبحانه: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. الله سبحانه وتعالى رضي لنا هذا الدين. ومن خلال هذه الآية، وبما أن الإسلام هو الدين المرضي الذي يرضاه ربنا سبحانه وتعالى، فمن خلال هذه الآية نعلم أن الله يرضى عن كل من تمسك بهذا الدين. فالله رضي عن هذا الدين ورضي عن الذي يتدين بهذا الدين. فأهل الإسلام هم الأمة المرضية، بدليل أن الله حباهم بالإسلام: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. وكل من رضي الله تعالى عنه، فليعلم أن الله معه ينصره، ويعمه بالمعية الخاصة، وأن الله سبحانه وتعالى سيتكفل بعنايته ورعايته. وأن الرضا نوع من أنواع المحبة، فما ظنك يا عبد الله بعبد يحبه الله؟ كيف سيكون معه؟ يجعل له من كل ضيق مخرجًا، ويجعل له من كل هم فرجًا، بأن الله سبحانه وتعالى يوفقه ويسدده في كل أموره وشؤونه. ولن تجد هذه المعية إلا للأمة الإسلامية، لأنها هي الأمة المرضية، بدليل: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. وفي هذه الآية كذلك: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، فيه أن الله سبحانه وتعالى ما يرضى إلا عن دين الإسلام، وفي الإسلام فقط. وأن أي دين غير دين الإسلام ليس بمرضي عنه. وتأمل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، الإسلام إخواني في الله، هناك إسلام عام، وهو الذي جاء به كل نبي من أنبياء الله، إبراهيم جاء بالإسلام، وموسى جاء بالإسلام، وعيسى جاء بالإسلام، وهو الإسلام العام. لكن لما جاء نبينا جاء بالإسلام الخاص ببعثته وبالقرآن الذي أتى به عليه الصلاة والسلام، فقال سبحانه: ﴿ورضيت لكم الإسلام﴾، أي الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، فهو ناسخ لجميع الأديان والإسلام الذي مضى، فلا يقبل ربنا سبحانه وتعالى إلا الإسلام الذي جاء به المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. وفي هذا رد على من زعم أنه يمكن الوصول إلى الله سبحانه وتعالى بأي دين. وهذه فكرة خبيثة موجودة عند بعض الملاحدة وبعض المفكرين، من ظن أن الكل يمكن أن يصل إلى الله. قال: نحن نصل إلى الله عن طريق الإسلام، واليهود بإمكانهم أن يصلوا إلى الله عن طريق شريعة موسى، وأن النصارى يمكن أن يصلوا إلى الله عن طريق النصرانية بدين عيسى عليه السلام. وهذا باطل. قال سبحانه: «ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه». فما هناك دين يقبله الله ولا يرضى الله عنه إلا دين الإسلام. فمن ابتغى تدين بغير دين الإسلام، فهو قد حبط عمله، أو في الآخرة من الخاسرين. وفي هذا إخواني في الله، مما سمعنا من هذه الآيات الثلاث الذي قال فيها ربنا: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، من فضيلة الإسلام علينا أن الله كمل به الدين. أكمل ربنا به الدين، فلا نبتغي الكمال في غيره، ولا يحتاج إلى زيادة ولا إلى إضافة. وفي قول سبحانه: ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾، أن النعمة العظمى نعمة الدنيا والدين والآخرة قد جعلها الله في الإسلام. وفي قوله: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، أن الله جعلنا أمة مرضية. فهذه الآية إخواني في الله، تعتبر من أعظم الآيات التي فيها الإشارة إلى كمال وفضيلة الإسلام. وهذا الذي أراده المؤلف حين قال: باب فضل الإسلام، وقول الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. فحازت هذه الآية على ما سمعتم من الفضائل والمناقب والمحاسن التي يجدها المسلم ولا يجدها غيره. وبأن نختم هذا المقام بفائدة عظيمة، وهي أن هذا الذي حبان الله به من الإسلام ليس هو السبيل يا عبد الله أنك تغتر على الناس أو تغتر على الله بأنك من المسلمين. فهي نعمة من الله، وإلى الله سبحانه وتعالى هو الذي حباك وهو الذي هداك وهو الذي اصطفاك واجتباك على هذا الدين. فمن أن يتأتيك المنة على الله، كما قال سبحانه: «يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين». فلهذا الآية تستوجب منا عظيم الشكر وعظيم الحمد لله ليل نهار على أن الله اصطفانا على هذا الدين. وما كان من فضائل ذلك أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.