آداب الغضب 3

آداب الغضب 3

الدرس في آداب الغضب 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب التعامل مع الغضب وفضائل كظم الغيظ

يتحدث عن أهمية التحلي بالآداب عند الغضب وتجنب أسبابه والتحلي بفضائل كظم الغيظ. الغضب نوعان محمود ومذموم ويترتب على كظم الغيظ أجر عظيم.

معنى الرجولة الحقيقية في التعامل مع الغضب

يشرح أن الرجولة الحقيقية تكمن في التحكم بالنفس عند الغضب وليس في قوة الرد أو التطاول على الآخرين. القوي هو من يملك نفسه عند الغضب.

كيفية التعامل مع الغضب ومصارعته

ينبغي للمسلم عند الغضب أن يبادر إلى مصارعة غضبه ويتذكر المخاطر والعواقب المترتبة عليه وأن يروض نفسه على كظم الغيظ.

ختام الدرس والدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه ويختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.

  • 14 جمادى الآخرة 1443هـ - 17/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصلةً إخواني في الله بما نحن بصدده من ذكر الآداب، وكان الوقوف على آداب الغضب وذكرنا من أهم مباحثه أن الغضب على قسمين: غضبٌ محمود وهو الذي يكون لله ولدينه، وهناك ما هو الغضب المذموم، وهو ما يكون انتصارًا للنفس. وكان حديثنا عن هذا النوع من أنواع الغضب التي ينبغي أن يتوخَّى منه الحذر. وكان مما ذكر من أهمية هذه المباحث أن نتعرَّف على الآداب التي ينبغي أن يتحلَّى بها كل مسلمٍ ومسلمةٍ حين غضبه، إذ أنه ما من أحد إلا وهو عُرضة للغضب، فإن الغضب من الأمور الجبلية التي جُبل عليها الإنسان إذا رأى أو سمع ما يثيره. وذكرنا فيما ذكرنا إخواني في الله مراجعة سريعة لما مضى، أن من أهم الذي ينبغي أن يفعل في باب الغضب أنك تبتعد أصلاً عن كل ما يُؤدي ويفضي إلى الغضب. فإن علمت بمجلسٍ يؤدي إلى الغضب فلا تجلس، أو بصحبة فلان وفلان يؤدي إلى الغضب فلا تجلس ولا تصاحب هؤلاء، أو السماع لأمرٍ ما يؤدي إلى الغضب فلا تستمع، وهكذا. وعلى هذا يتنزل قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: «لا تغضب، لا تغضب»، أي لا تطعاط الأسباب المفضية إلى الغضب. ومن الآداب كذلك أنك يا عبد الله تستذكر الفضائل التي جعلها الله جل وعلا لمن كظم غيظه. فمن ذلكم أنك تعلم أن هذه وصية نبيك عليه الصلاة والسلام حينما قال له ذاك الرجل: «يا رسول الله، أوصني»، قال: «لا تغضب». فهذه وصيته، امتثلها يا عبد الله. كذلكم من فضائل كظم الغيظ أنك تدخل الجنة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تغضب ولك الجنة، لا تغضب ولك الجنة». وكذلك من فضائلها أن الله سبحانه وتعالى ينادي عليه على رؤوس الخلائق فيزوجه من الحور العين ما شاء. ومن الفضائل أيضًا ما جاء في حديث ابن عمر أن من كظم غيظه ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة. وكذلك من فضائل كظم الغضب أنها من صفات عباد الله الصالحين. إذا أراد المسلم أن يتعرف على منزلته عند ربه فلينظر في مثل هذه الأخلاق العظيمة، ومنها ما يكون من كضمه لغيظه. وربنا جل وعلا عندما ذكر من صفات الصالحين قال عنهم سبحانه وتعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فهذا من صفات عباد الله. ومن هنا نعلم إخواني في الله خطأ ما يدند به بعض الناس ممن تنتابه حالات الغضب، فإذا ذكر ووعظ بترك هذا الخلق الزميم يقول: «أخي هذا طبعي، هذا طبعي، أنا حار»، إيش تريد من كلمة «أنا حار»؟ يعني تترك لا نكلمك، لا نخاطبك، لا ننصحك، لا نرشدك، يعني لا أحد يعتب عليه لأني حار أو بحجة أني عندي حالة نفسية. لا يا عبد الله، طبيعة ما هي طبيعة، عادة، سجية، هذه تجعل في ميزان الشرع: «لا تغضب ولك الجنة»، «لا تغضب» من صفات عباد الله الصالحين. والعكس بالعكس، فإن من صفات السيئة التي يبتل بها الناس أن تكون يا عبد الله سريع الغضب، هذا يذم. وإن أوصلك الغضب إلى أشياء مذمومة فإنك ستحاسب عليها، فلا ينفعك هذا العذر الذي تدلي به «أنا هذا طبعي، أنا إنسان حار»، أنت إنسان بشري سوي، لهذا ينبغي أن نعلم أن من فضائل كظم الغضب أنه من فعل عباد الله الصالحين. كذلكم إخواني في الله مما ينبغي أن يتحلى به عند ساعة الغضب أن تعلم أن الرجولة أين تكمن. بعض الرجال يرى أن الرجولة تكمن في إظهار قوة ردة فعله، يعني هذا يتطاول عليه، لا ما أجعلك تتطاول عليه أبدًا، ترد عليه بكلمة، أرد عليك بجملة، ترد عليك بسبة، سترد عليك بقاموس من السباب والشتائم، تعطيني لطمة، تعطيت لطمات، فيظن بعض الناس أن الرجولة تكمن في قوة الرد، هذا ليس بصحيح. أتدري يا عبد الله أين تكمن الرجولة؟ تكمن الرجولة فيما هو أعظم من ردة الفعل، أعظم ردة فعل في ساعة الغضب أن تتمالك غضبك. ولهذا ما يستطيع لهذه المسألة لهذه المنزلة إلا القل من الرجال. ولهذا ثبت في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالسرعة، ليس الشديد بالسرعة» بضم الصاد وفتح الراء، أي ليس الشديد القوي صاحب البأس الذي يصرع الناس، صاحب المصارعة، هذا ليس القوي. فمن القوي؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالسرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، هذا هو الرجل، والرجال قليل في مثل هذا المضمار. قليل بإمكانه أن يفضفض عما في نفسه، لكن أبى، أبى فتمالك غضبه وجعل غضبه بيده، هذا الذي ما أحد يستطيع عليه إلا القلة. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنما الشديد أي القوي الذي يملك نفسه عند الغضب». وجاء عند ابن حبان قال عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد من غلب الناس، وإنما الشديد من غلب نفسه»، هذا القوي، هذا أن كان أحد سيفتخر بشيء يفتخر بمثل هذه المقامات على أنه استطاع أن يتمالك نفسه ولينجر خلف انتقام نفسه. وقد ثبت كذلك في مسند الإمام أحمد وفي غيره على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السرعة كل السرعة أي الشديد كل الشديد، كل الشدة والقوي والمصارع كل المصارع»، قال: «الذي يغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر جلده فيسرع غضبه»، هذا من أقوى الناس. إذا أردت يا عبد الله أن تثبت رجولتك، ليس الرجولة يا عبد الله بأن تفضفض ما في نفسك بالسب والشتم واللعن والضرب، وإنما قال: «الذي يغضب وانظر أين وصل به الغضب فيشتد غضبه ويحمر وجهه ويقشعر جلده كل هذه التغيرات صارت معه ثم قال فيسرع غضبه»، ليس يسرع الخصم وإنما يسرع نفسه التي بين جنبيه يجعلها رادة خسيئة لا يعطيها ما تتمنى من أذية غيره ممن استثاره في ساعة غضبه. وجاء من حديث أنس أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يتصارعون، أي يتصارعون كما يفعل جماعة مننا يتصارع كل يحاول يظهر نفسه ويظهر قوة بأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذا؟» قالوا: «يا رسول الله هذا فلان الصريع، ما يصارع أحدًا إلا صارعه، هذا رجل عندنا ما شاء الله تبارك الله قوي، ما دخل في منافسة إلا وكان هو الأغلب وكان هو الأقوى فيصرع خصمه في الأرض». قالوا: «هذا فلان الصريع ما يصارع أحدًا إلا صارعه»، فقال عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على من هو أشد منه؟ تريدون أن تعرف من هو أفضل منه قوة وبأس وشدة؟» قال: «رجل ظلمه رجل، رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلبه شيطانه وغلبه شيطان صاحبه»، هذا هو من أقوى الناس استطاع أن يغلب ثلاثة خصوم. قال: «رجل ظلمه افترى عليه استثارك استثارك فماذا قمت؟» قال نبينا: «فكظم غيظه لأن هذا مظلمة ما ترضاها، فلابد أن ينتابك حالة غضب». وقد قلنا أن الغضب في طبيعة النفس البشرية حالة سوية، هذا شيء متوقع أن الإنسان يغضب، لكن الشأن كل الشأن في تعاملك مع غضبك. فقال عليه الصلاة والسلام: «رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلب أي غلب الغضب أسكته»، قال: «وغلب شيطانه الذي يؤزه إلى فعل ما يسوء»، قال: «وغلب شيطان صاحبه». وهذا الحديث أورده الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة وإسناده حسن. إذن أمام هذه الأحاديث إخواني في الله تأتي هذه الفقرة خلاصتها على أن الذي ينبغي أن يفهم في باب الغضب على أنك يا عبد الله بين أمرين: إما أنك في ساعة غضبك تبادر إلى مصارعة وغلبة خصمك، أو أنك تبادر إلى مصارعة غضبك، واعلم حينها أن مصارعة الغضب هو والله إثبات لرجولتك وإلى قوة بأسك. فليس الرجولة يا عبد الله أنك تتنازل إلى من هو دونك، وإذا ما صاحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصاحب الأرض فتردى مع الردي. كذلك مما يذكر في باب كيف التعامل مع الغضب أنك تستذكر يا عبد الله المخاطر. مرة معنا أن مما ينبغي أن يكون نصب عينيك في ساعة غضبك أنك تستذكر الفضائل حتى تعينك على كظم غيظك. كذلك بالمقابل مما يعينك على كظم غيظك يا عبد الله أنك تستذكر المخاطر، تعرف العواقب المترتبة إن تركت لنفسك العنان بإظهار ما يكون في الجنان والقلوب والصدور. فمن العاقل إخواني في الله؟ وهذا العاقل السوي هو الذي يفكر قبل أن يقدم على أمر ما. فقبل أنك يا عبد الله تغضب وتتفاعل مع هذا الغضب لحظة ولو كانت على الطائر، تستذكر مآلات المخاطر. فإنك يا عبد الله إذا تركت الغضب يجري مجراه فإنك يا عبد الله ستسب وستشتم وستطلق وستفعل وتفعل. وقد مر ذلك معنى في أوائل الدروس عن حالات كثيرة أصحابها هم حبسة في الزنزانات، بل منهم من ينتظر الإعدام إما بمشنقة وإما بمسقلة أو إما رمية بالرصاص. ما الذي أوصلك يا عبد الله؟ ساعد غضب، ساعد غضب. فالإنسان يستذكر المخاطر ولا يسترثل في غضبه. ولهذا قال من قال من السلف: «الغضب أوله جنون وآخره ندم»، أوله جنون وآخره ندم. حتى في الدول الغرب ما عندها دين ما عندها شريعة إلا أنها تحرص تحرص على أن أهلها ومن كان من أبناء شعبها أنهم لا يستثاروا ولا يغضبوا، لعلمهم أن الإنسان إذا غضب انفلت. تدخل إلى محل مثلاً ولا تجد مضاربة، هذا بالسكين يطعن، وهذا يكسر، وهذا يخرب، وهذا بالكراسي فوق ظهر صاحبه، وهذا كسر المطعم غضب، أو سيارات تتصادم، أو هذا يلحق فلان بسيارة ويصدمه، لماذا؟ غضب. فالدول مع كفرها تعلم مآلات الغضب، ولهذا هم ما عندهم دين يردعهم، لكن حرصوا على أنهم يروضوا أفراد شعبهم بأساليب بأساليب لعلها تجد نفعًا. ما عندهم لا قرآن ولا شريعة ولا توراة ولا إنجيل، بلد إلحادية، حتى بلغ من بعضهم أن بعضهم يكون معهم ماذا؟ مسجلة يجعل فيها ماذا؟ ألحان هادية، يقول: هذه الألحان جعلها معك إذا غضبت أطرح الألحان في أذنه واستمع إليها حين ستسترخي، لماذا؟ تهدئ لأعصابه حتى لا يغضب. وبالبعضهم ولعل هذا معروف عند علم النفس يقول: إذا غضبت أو بدت عليك ساعات الغضب خذ نفسًا عميقًا نفس بعد نفس، لماذا هذا يخفف من حدة غضبك؟ لماذا لجأوا إلى هذا؟ لجأوا إلى هذا لعلمهم أن الغاضب إذا غضب خرج عن طوره فحرب وكسر ودمر وقتل مما لا تحمد عواقبه. هذا إخواني في الله بعض المسائل الذي تذكر. وبقي كذلك مسائل أخرى ذكرها العلماء في كتبهم، وهي مما تعين في كظم الغيض، وهي من المسائل المهمة كما أشرنا سابقًا. ونحن بأمس الحاجة إلى التفقه فيها وإلى معرفة معانيها ومراميها لأهمية هذا المبحث في حياة كل مسلم ومسلمة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.