الدرس في شرح مسائل الجاهلية 25، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المؤلف قاعدة النفي والإثبات عند أهل الجاهلية، وكيف خالفوا شرع الله بإنكار ما أثبته وإثبات ما نفاه. اتباع الهوى والظن هو السبب في هذه المخالفة.
الهوى مذموم ويهوي بصاحبه إلى النار، واتباع الهوى يؤدي إلى العبودية له. الظن قد يكون مذمومًا أو ممدوحًا بناءً على سببه وعلم صاحبه.
يتناول تحليل مفهوم الظن في القرآن والسنة، موضحًا أنه قد يكون مذمومًا أو ممدوحًا. يُشدد على أهمية التحلي بالعدل والعلم لتجنب اتباع الهوى والظن المذموم.
يحذر من تأثيرات الجاهلية على الناس، ويشمل ذلك أهل المعاصي والبدع. ينتهي بالدعاء للنفع بما قيل والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة عشرة أن كل ما تقدم مبني على قاعدة وهي النفي والإثبات، فيتبعون الهوى والظن ويعرضون عما آتاهم الله. هذه المسألة إخواني في الله هي مسائل التي يعرج المؤلف رحمه الله تعالى على ذكر أهم القواعد التي قعدها أهل الجاهلية لأنفسهم ولأتباعهم. فقال رحمه الله تعالى: أن كل ما تقدم، أي من المسائل التي جاء ذكرها، مبني على قاعدة، وهذه القاعدة هم قعدوها لأنفسهم، قال: وهي النفي والإثبات. ما الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من قاعدة النفي والإثبات؟ هذه القاعدة بمعنى أنهم نفوا ما أثبته الله جل وعلا، وبالمقابل أنهم أثبتوا ما نفاه الله سبحانه وتعالى، فكان الأمر عندهم عكسيًا، فكانوا يخالفون شرع الله جل وعلا المخالفة الصريحة. ولهذا جاء في وصف القرآن لهم: ﴿والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله﴾، آمنوا بالباطل وكفروا بالله، فالأصل أن الله جل وعلا ألزمهم بالإيمان به ونهاهم عن الإيمان بالباطل، فكان منهم العكس، أنهم نفوا الذي أراده الله، نفوا الإيمان بالله جل وعلا، وأنهم أثبتوا الذي نفاه الله فآمنوا بالباطل. ولو تأملت يا عبد الله في المسائل التي أحال إليها المؤلف رحمه الله تعالى ما مضى، لرأيت عين المصادمة وعين المحاجة لأمر الله جل وعلا. أمرهم ربنا جل وعلا بالاجتماع ونهاهم عن التفرق، إذ بهم يأخذون بالتفرق ويتركون الاجتماع. نهاهم ربنا جل وعلا عن الشرك وأمرهم بالتوحيد، إذ بهم عكسوا فقالوا بالشرك ونفوا التوحيد. وهكذا في أمر الإخلاص وأمر كذلك سائر العبادات والمقامات العظيمة التي أمر الله جل وعلا بها. قال رحمه الله تعالى: أن كل ما تقدم مبني على قاعدة وهي النفي والإثبات، فيتبعون الهوى والظن ويعرضون عما آتاهم الله. طيب ما الذي أوقع الكفار في هذه المصادمة الصريحة؟ أنهم يصادمون ما جاء به الرب جل وعلا نفيًا إثباتًا عكسًا. أوضح المؤلف رحمه الله تعالى أن الذي أدخلهم في هذا الأمر وفي هذا المسلك الخطير هو استحكام هذه المسألة وهم أنهم اتصفوا باتباع الظن وباتباع الهوى. فقال رحمه الله تعالى: فيتبعون الهوى والظن. فلما كان من أمرهم اتباع الظن والهوى، هذا الذي أوقعوا في هذا النفي والإثبات، وهو أنهم ينفون ما أراده الله وأنهم يثبتون ما نفاه الله جل وعلا. ومن تأمل في تاريخ أهل الجاهلية ومن كان قبلهم من اليهود والنصارى ومن سائر الملل والنحل، وهكذا من تبصر وتأمل في حق من لا زال يوجد في هذه الأمة ممن هو على هذا النفي والإثبات، تجد أنه على حسب استحكام الهوى والظن فيه. وهذه قاعدة عظيمة. وقد جمع ربنا جل وعلا بين الظن واتباع الهوى، فقال سبحانه واصفًا أهل الكفر: ﴿الذين يتبعون الظن وما تهوى الأنفس﴾، يتبعون الظن وما تهوى الأنفس. فهذا وصف الكفار أنهم كانوا على هذا الخلق الزميم اتباع الظن واتباع الهوى. وهل هناك جامع يجمع بين الظن وبين الهوى؟ نعم، الوجه الجامع أنها من أعظم الإرادات التي تحرك الإنسان. فالظن هو من الإرادة العملية، والهوى من الإرادة العلمية. فتجد أن الكافر كان إذا أراد أن يتبع أمرًا ما، كان يشغل هذا الباب وهو اتباع الهوى، فيتبع ما تميل له النفس، ما تميل له النفس حبًا وبغضًا وكرهًا وإيمانًا. فالهوى هو الذي يحرك هذه الإرادة العلمية، وإذا أراد أن يحكم - وهي الإرادة العملية - إذا أراد أن يحكم، أفتح باب الظن، فعمل بالظن وحكم على الأشياء والأمور التي يعاشرها في دينه أو دنياه على حد زعمه، حكم ذلك بالظن بالتخرص بالوهم بالتخمين، ما عنده آثار عن من علم. فلهذا كان الجمع بين الظن وبين الهوى، وسنأتي من عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ما يدلل على هذا. إذن إخواني في الله نعلم أن الذي أوقع الكفار في هذا الاستحكام المصادمة لأمر الله جل وعلا في النفي والإثبات، أنهم كانوا ممن يتبعون الظن وما تهوى الأنفس. فما معنى الهوى؟ وما هو الظن؟ الهوى يقول علماء: هو هوى النفس. الهوى إذا أطلق فالمراد منه هوى النفس، وهوى النفس هي إرادة النفس إرادتها وهو ميلها. وأخذ العلماء يطلقون الهوى على محبة الإنسان للشيء وغلبته عليه وغلبته على قلبه، محبة الإنسان للشيء وغلبته على قلبه هذا يسمى الهوى، هوى النفس. أن يحب شيء بحيث أن هذه المحبة تستولي على قلبه، تستولي على قلبه. ونبه العلماء أن كلمة الهوى بإطلاقها لا يراد إلا الذم، ما يراد منها إلا الذم. ذكر ابن بطة رحمه الله تعالى في الشرح والإيبانة أن رجلاً جاء إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأراد خيرًا بعبارة قالها، فقال: الحمد لله الحمد لله الذي جعل هوانا في هواكم. وأراد الطريقة والسبيل والاتباع، لكن عبر بهذه اللفظة، فقال: الحمد لله الذي جعل هوانا في هواكم. فنكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه هذه العبارة، فقال رحمه الله تعالى: ما جعل الله في هذه الأهواء من خير، ما جعل الله في هذه الأهواء من خير. إن الهوى لا يهوي بصاحبه في النار، إن الهوى لا يهوي بصاحبه في النار. إذن علمنا في هذا الأثر أن ابن عباس رضي الله تعالى عن ذم الهوى، وعلى هذا عبارات السلف. ومن هنا نعلم أن من أخطاء الناس من بعض أرباب السلوك من جعل أن من مقامات السالكين إلى الله جل وعلا ما يسمى بمقام الهوى والعشق والصبابة، هذا لا يليق ولا يجوز. الهوى لا يذكر إلا بالذم إذا أطلق. وأيضًا استفادنا من عبارة ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن هذا الميل والذي يغلب على القلب أنه سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. حتى قال بعض العلماء: لما سمي الهوى هوى؟ قال: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا في كل داهية، وفي الآخرة في الهاوية. هذا الهوى سمي الهوى هوى لأنه يميل بصاحبه يهوي بصاحبه في الدنيا في كل داهية، وفي الآخرة في الهاوية. فالهوى يا عبد الله أمره خطير، كونك تميل يا عبد الله إلى ما تمليه عليه نفسك. وقد ذم ربنا جل وعلا اتباع الهوى في آيات كثيرة. بل لربما أن العبد لربما ينساق خلف الهوى لدرجة أنه يصل إلى درجة العبودية، قال جل في علاه: ﴿فرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾. تخيل يصل به تعلقه بهذه الأهواء لدرجة العبودية، يجعلها إلهًا، لدرجة أنه يسير خلف الهوى في كل شيء، في اعتقاده في توحيده في شركه في كفره. فلربما إذا كان هوى النفس سلك به مسلكًا لربما سلك هذا الفجور، ولو كان الفجور كفرًا ولو كان ردة. حال ما نراه من بعض الناس لربما يميل إلى امرأة، يميل إلى دنيا، يميل إلى شيء على حساب دينه، هذا اتخذ إلهه هواه. وضابط الهوى يا عبد الله كما قال العلماء هو أنك تميل نفسك ويتكون الغلبة على هذا القلب، هي هذه المحبة، فهذا هوى، ويكون ذلك على حساب الدين. فكل مخالفة تقع منك يا عبد الله لها حظ من الهوى، كل مخالفة تقع منك يا عبد الله هي عبارة عن نوع من أنواع الهوى. قال ربنا جل وعلا: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾، عدم الاستجابة لشرع الله جل وعلا هو في الحقيقة اتباع للهوى. حكم الشرع، أمر الشرع مما أمر الله في كتابه على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، إعراضك إعراضك عن هذا الأمر وعدم الاستجابة لشرع الله هذا دلالة على وجود الهوى. فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. فأهل الذنوب أهل المعاصي هم عندهم أهواء، ودليل الهوى أنه إن ساغ لميل النفس أعظم من سياغه لأمر الشرع. وهكذا أهل البدع، بل هم أصل الهوى، أهل البدع هم أصل الهوى. فحالهم لا يخفى، هم اتبعوا أهواءهم، بل جعلوا هذا الهوى هو الدين، هو الدين الذي يتقربون به إلى الله جل وعلا. تأتي من أدلة شرعية من الكتاب والسنة فيعرضون عنها، فيأتون بالذي تمليه عليهم أنفسهم، ما غلب على النفس ما تميل إليه النفس، وجعلوا هذا الأمر دينًا. ومن هنا كانت من عبارات سلفنا الصالح أنهم إذا سموا أهل البدع وصفوهم بهذا الوصف، فقالوا: أهل البدع والأهواء، أهل البدع والأهواء، لأنهم ما وصلوا إلى هذا المسلك إلا باتباع الهوى. إذن هذا ما يتعلق بالهوى. فالهوى يا عبد الله أمر عظيم، ومن أعظم ظواهر الهوى أنك يخرجك عن سبيل الحق، ولا تتبع الهوى فالهوى يضلك عن سبيل الله. كلما جرى للعبد أنه يتهاون في أمر النفس، فيما تمليه عليه النفس، فيما يحبه النفس المرة تلو الأخرى، اعلم يا عبد الله أن مآلك إذا كان هذا حالك سيخرجك عن سواء السبيل. ولا تتبع الهوى فيضلك عن سواء السبيل. هذا يا عبد الله ما يتعلق بالهوى، تحته مسائل، لكن الهوى مذموم. الثاني ما يتعلق بالظن، كذلك الظن ذمه ربنا جل وعلا: ﴿إن يظنون إلا ظن وذا هم إلا يخرصون﴾. فالظن هو أنك تعدل تحكم على الأشياء بغير علم، وإنما حكمك إنما جاء من قبل الظنون، وهي بمعنى التخرصات، بمعنى الأوهام، بمعنى التخمين. تخمن ثم تحكم، حكمك هذا بالظن، هذا مرفوض، هذا مذموم. وكان أهل الجاهلية على هذا، ما عندهم علم، كانوا من أجل الناس، وسمي ما كان يعيشون عليه بالجاهلية، جاهلية العلم. وجاهلية العلم: العلم والعمل، ومع ذلك كانوا يحكمون بماذا؟ إذا كانوا جهلة في علمهم وعملهم، بماذا يحكمون؟ ما يحكمون إلا بالظن. فكانوا محل ذم لله سبحانه وتعالى. لكن تأتي مسألة هنا، وأشار إليها العلماء، وهي مما قد يقع فيها الإشكال، أن بعض الناس يقول: الظن تارة كما نسمع أنه يأتي مذمومًا، وأحيانًا يأتي الظن في محل مدح، في محل مدح يمدح ربنا أهل الإيمان بأنهم أهل ظن: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون﴾. أليس هذا ظن؟ بلى، ربنا وصفهم بأن أهل إيمان يظنون بالرجوع إلى الله، وهم أهل محمدة. إذن ما معنى هذا؟ كيف المؤلف رحمه الله تعالى؟ وما يُتلى في القرآن أن الظن يأتي على صورة الذم، لكن أحيانًا يأتي الظن على صورة المدح؟ وهنا نبه العلماء رحمهم الله تعالى أن الظن في القرآن يأتي على عدة أنواع، يأتي على عدة أنواع. ونكتفي هنا بهذا المقام بما يكون فيه جلاء لهذه المسألة. أحيانًا يأتي الظن وما يسميه العلماء بالظن المرجوح، وهو بمعنى الوهم، بمعنى التخمين، بمعنى التخرصات. وهذا الذي كان عليه أهل الجاهلية، يحكمون على الأشياء في عقائدهم في حياتهم الدينية في معاملاتهم يحكمون عليها بغير علم، ما عندهم آثار من علم، وإنما يحكمون بالظن. فهذا الظن بهذه الصورة، وبهذا الضابط - وهو الظن الذي يسميه العلماء أهل الأصول بالظن المرجوح، ويسميه العلماء أهل التفسير بمعنى الوهم والتوهم والتخرصات والتخمينات التي ليس لها مستند من العلم - فهذا الظن مذموم، ولا يعمل به إجماعًا، ولا يجوز أن يعمل به. وعلى هذا ذم ربنا جل وعلا أهل الكفر، وكذلك يذم من كان من أهل الأمة تقوم أنت يا عبد الله ما عندك علم، وإنما تتخمن تتخرص في أحكام شرعية، إما تطبيق عملي أو حكم شرعي، ما عندك آثار، تقول: الله أنا أظن هكذا، من أين هذا؟ ما عندك آثار، هذا ما يجوز، هذا تخمين، هذا وهم، وهذا المذموم بإجماع العلماء. وعلى هذا الضابط تتنزل الآيات التي فيها نفي الظن والنهي عن الظن في القرآن والسنة. كما في قوله تعالى: ﴿وما أكثر الناس وما هم بمؤمنين، إن يظنون إلا ظنًا وإن هم إلا يخرصون﴾، التخرص هذا هو معنى الظن، التخرص الذي يفتي ويتكلم بغير علم، فهذا الظن الذي يذم في كتاب الله جل وعلا. وهناك الظن وهو بمعنى العلم، بمعنى اليقين، إذا كان الظن بمعنى العلم وبمعنى اليقين، فهذا الظن ممدوح ومحمود، وهذا الذي يُعمل به إجماعًا، يُعمل به بإجماع العلماء، كما في قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾، هنا يظنون أنهم ملاقوا ربهم، أي يعتقدون وجازمون ويعلمون علم اليقين أنهم ملاقوا الرب سبحانه وتعالى. فهذا الظن هو الظن المحمود، وهذا الذي ماذا؟ كذلك يُعمل به، ولا إشكال فيه، وهذا بالإجماع. الصورة الثالثة من صور الظن أن يأتي في القرآن بما يسميه العلماء بالظن الراجح، أو ما يسمى بغلبة الظن، بغلبة الظن. وهذا النوع من أنواع الظن، وهذا بإجماع الفقهاء يُعمل به، بإجماع الفقهاء. شيء يغلب على ظنك يغلب على الظن أن الحكم فيه كذا، أو أن العمل فيه كذا، يغلب على الظن، هذا يُعمل به، كما في قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهم أن يتراجعا إن ظن أن يقيم حدود الله﴾. فأجاز ربنا العمل بهذا الظن، وهو إن اعتقد أنه بإمكانه، بما يغلب على ظنه أنه سيقوم بما أمر الله جل وعلا به، فلا بأس أن يتراجع. إذن علمنا إخواننا في الله من هذه الصورة الثلاثة كيف تتنزل مسائل الظن. فالظن قد يأتي بصورة بمعنى التخرص وعدم العلم، فهذا لا يُعمل به. وأحيانًا يأتي كلمة الظن في القرآن بمعنى العلم واليقين، فهذا يُعمل به، وهذا محل محمدة. والصورة الثالثة أن يأتي الظن بما يسميه العلماء بغلبة الظن، بما يغلب على ظنك أنه صحيح، ولا عليه آثار من علم، فهذا يُعمل به بإجماع الفقهاء. وعلى هذا فلا إشكال فيما سلف، الظن هنا الذي منعه المؤلف رحمه الله تعالى في قوله: فيتبعون الهوى والظن، أي الهوى والظن بمعنى التخرص، بمعنى عدم العلم. ثم قال رحمه الله تعالى: فيتبعون الهوى والظن، وبهذا خانوا الله. نعلم وهذا من فقه المؤلف رحمه الله تعالى أن أصل الضلال الذي دخل عليه دخل على أهل الكفر والجاهلية أنه وصلوا إلى هذه المرحلة من مراحل العتو، النفي والإثبات، ينفون ما أراده الله ويثبتون ما نفاه الله، هو الظن، اتباع الظن واتباع الهوى. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى: قال: وأصل الضلال اتباع الظن والهوى، أصل الضلال هو الأصل، وهو الركيزة لكل من ضل عن سواء السبيل، إن كان سواء السبيل بمعصية شهوانية أو معصية من الشبهات، من أهل البدع والأهواء أو من العصاة والفسقة. ما ضلهم إلا الدخول في هذا المسلك، قال رحمه الله تعالى: وأصل الضلال اتباع الهوى والظن. ثم ألمح رحمه الله تعالى - أي شيخ الإسلام - ألمح رحمه الله تعالى على أن هذه الميزة التي كانت في أهل الجاهلية هي كذلك الميزة التي كانت في المبتدعة. المبتدعة ما أوقعهم في الذي أوقعهم فيه من البدعة والضلال والخروج عن السنة، بمثل اتصافهم بهاتين الصفتين. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: وأما أهل البدع فهم أهل الأهواء وشبهات، يتبعون أهواءهم فيما يحبون ويبغضون ويحكمون بالظن. إذن أهل البدع والأهواء عندهم اتباع للظن، اتباع للهوى، وعندهم الحكم بالظن. ثم أسدل بهذه الآية: ﴿يتبعون الظن وما تهوى الأنفس﴾. فاحذر يا عبد الله من اتصاف بهاتين الصفتين، ولربما دخلت على المسلم من حيث لا يشعر. احذر يا عبد الله من أنك تتبع الهوى، فليكن شرع الله جل وعلا هو القائد لك. واحذر يا عبد الله أنك تحكم بالظن، تحكم بالظن، اتق الله يا عبد الله في مسائل الدين، وخاصة ما يتعلق بمسائل الدين، بمسائل الأحكام الشرعية، مسائل الإيمان، مسائل الكفر، مسائل البدعة، مسائل إخراج الناس عن دائرة الإسلام، اتق الله يا عبد الله، إياك أن تعمل هذا الظن. ومن هنا ثبت قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد أطال النفس رحمه الله تعالى حول هذه المسائل، وأن الذي يجعل المسلم بعيدًا من هاتين الصفتين أن يتخلق بما يضادها. وما هي؟ أنك يا عبد الله تحكم بالعدل، وأنك تحكم بعلم. تحكم بعدل، تحكم بعلم. كونك يا عبد الله تجعل العدل هو نبراسك، فحينها لن تتبع الهوى، لأن الهوى كما قلنا هو غلبة النفس، لكنك إذا ردعت هذه النفس الأمارة بالسوء التي تسحبك إلى الأهواء، ردعتها يا عبد الله بإقامة العدل، فحينها اعلم أن ليس للهوى فيك سبيل. لأنك تكون عادلًا تحكم بالعدل، بما أراد الله ولو على نفسك، ولو على أقرب الناس إليك، إذا كنت عادلاً. وهكذا يا عبد الله أن تحكم بعلم، لأنك بالعلم سيمتنع عنك الحكم بالظن، لن تحكم على الناس بالظن، ولا بالتخرصات، وإنما تحكم بعلم، لك به آثار، برهان من الله جل وعلا. ولهذا إخواننا في الله، فينبغي للمسلم أن يراعي مثل هذه الأخلاق العظيمة، وأن يحذر مثل هذه الأخلاق المشينة، اتباع الظن والهوى. فإن من أعظم ما دخلت على أهل الجاهلية، ولا زالت تدخل على فئات من الناس من أهل المعاصي والذنوب، وكذلك من أهل البدع والأهواء. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.