الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 74، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
وقعت بيعة العقبة الثانية في العام الثالث عشر من البعثة، حيث بايع الأنصار النبي على نصرته وحمايته. تمت البيعة سرا في العقبة بمكة ليلا.
تعهد الأنصار في بيعة العقبة الثانية بحماية النبي كما يحمون نساءهم وأبناءهم، وقطع العلاقات مع الكفار. تم اختيار إثني عشر نقيبا لقيادة قومهم.
تميزت بيعة العقبة الثانية بحسن تدبير النبي، حيث اختار موعدا ومكانا سريين وأمر العباس بن عبد المطلب بمرافقته. أظهر النبي تخطيطا جيدا في كسب تأييد الأنصار.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وبعد الثنتين وخمسين أتى سبعون في الموسم هذا ثبت من طيبة فبايعوا ثم هجر مكة يوم اثنين من شهر صفر. في هذين البيتين إخواني في الله، بعدما مضى ذكره فيما يتعلق ببيعة العقبة الأولى. أردف المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الأبيات التي فيها بيان لبيعة العقبة الثانية، فقال رحمه الله تعالى: وبعد الثنتين وخمسين أتى، أي واتبلغ في هذا العمر، أتى سبعون في الموسم هذا ثبت من طيبة فبايعوا ثم هجر مكة يوم اثنين من شهر صفر. قد مضى معنى إخواني في الله ما يتعلق ببيعة العقبة الأولى، والتي وقعت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اثني عشر رجلا من يثرب من الأوس والخزرج، وكان ذلك في عام الثاني عشر من بعثته عليه الصلاة والسلام. ثم بعد العقبة ذهب مع أهل يثرب مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه داعية، وأشرنا إلى ما كان من أثر دعوته على أهل طيبة، إذ أنه دخل في الإسلام الجم الغفير. ثم جاء العام القادم، جاء العام القادم هو العام الثالث عشر من بعثته من نبوته عليه الصلاة والسلام، وفي موسم الحج، أي بعد تمام مرور العام، قدم من طيبة من يثرب جمع من الحجاج، إلا أنهم كانوا أخلاطا، بمعنى منهم من أسلم أو منهم من لا زال على كفره. تعلمون أن الكفار مع كفرهم كانوا يؤدون مناسك الحج في مكة، ففي هذا العام، في العام الثالث عشر من بعثته عليه الصلاة والسلام، قدم من يثرب جماعة وعدد كبير، حتى قال المؤرخون في هذا العام جاء الحجاج من يثرب بما يقدر عددهم بخمسمائة حاج. كما قلنا أخلاط، الكثير منهم كفار ومنهم من أهل الإسلام من سار مع القافلة، ثم وصلوا إلى مكة، وذلك في موسم الحج. ولما استقر الناس في رحالهم، وكل في مكانه وموقعه، ودخل الثلث الأخير من الليل، تسلل أهل الإسلام ممن هم من أهل يثرب من الأوس والخزرج، تسلل من خيامهم ومن أماكنهم خفية لا يعلم بهم أحد، وذلك للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة. وهذا طبعا تسلل من غير علم الكفار، لا من كفار قريش ولا من كفار يثرب، حتى الذين أتوا معهم من أهل بلدهم ما شعروا بهذا التسلل والخروج من خيام، ما شعر أحد بخروجهم قط. وكان عدد الصحابة الذين أسلموا والذين أتوا للبيعة كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى سبعون رجلا، كما قال: وبعد ثنتين وخمسين أتى سبعون في الموسم قد ثبت، أي سبعون رجلا هؤلاء من أهل يثرب، ومنهم من قال لا بل هم ثلاثة وسبعون، ومن ضمن هذا الوفد امرأتان ممن أسلمت وحضر مع الموكب ومع القافلة. فلما اجتمع الصحابة رضي الله تعالى وهم بهذا العدد بانتظار قدوم رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ قدم عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم في المكان والزمان والوقت المحدد، إلا أنه لم يكن لوحده، وإنما أتى معه عمه العباس، العباس بن عبد المطلب، مع أن العباس لا يزال في تلك الفترة على كفره، لا يزال على دين قومه. إلا أنه أحب أن يحضر هذه البيعة ليستوثق لأمر ابن أخيه، مهما كان هناك الحمية الموجودة عند القرابة، وإن كان هناك خلاف، لكن في هذا الأمر تبقى القرابة مقدمة على كل شيء. فأحب العباس مع كفره أن يحضر البيعة وينظر من يبايع ومن هؤلاء الذين ستأخذ منهم البيعة، فقدم العباس لحضور هذه البيعة ليستوثق أمر ابن أخيه. فلما اجتمعوا بدء الكلام بدأ به العباس، استقل جمع الناس، فقال من قوله: قال إن محمدا منا حيث علمتم له مكان له منزل له نسب له قرابة، يخاطب يخاطب أهل يثرب، قال إن محمدا منا حيث علمتم وقد منعناه من قومنا فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا إنحياز لكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون فإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، كما يقال كلام فيه شدة، إذا رأيتم أنكم لستم على قدرة على حمايته وعلى صد العداء عنه، وأن نهاية أمركم ستسلموا وتخذلوه، من الآن دعوه اتركوه بين أهله وقرابته. قال فإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فقالت الأنصار لما سمعت هذا الكلام، قال قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ من ربك ولنفسك ما أحببت، تكلم يا رسول الكلام ملك ما شئت أن تملي عليه املي لله ولنفسك. فقالوا يا رسول الله تكلم فخذ لنفسك ولربك فخذ لربك ولنفسك ما أحببت، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاء القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، الحماية والمنعة هذا المراد، هذا المراد منكم أنكم تمنعوني وأن تحمون عني بما تمنع به نساءكم وأبناءكم. ولا شك أن الإنسان يبذل في سبيل أهله كل شيء، بل ربما تذهب نفسه في سبيل حماية أهله وأولاده، فهذا الذي أراده نبينا منهم، قال فأخذ البراء ابن معرور وهو من كبار سادات يثرب، فأخذ البراء ابن معرور بيده أي بيد رسول الله، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر، أي هذا لك هذا لك الحماية حتى الرمق الأخير. فقال رجل من الأنصار يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها، قال الشراح ويعني بهم اليهود، تعلمون المدينة يكثر فيها اليهود، وكان هناك تحالفات بين أهل يثرب بشكل عام مع كفرهم مع اليهود بينهم العهود والجوار إلى غير ذلك. فأشار الأنصار إلى أن هذه البيعة من ثماراتها أنها ستقطع العلاقة مع أولئكم النفر، فقال: فهل عسيت أن تحب فعلنا ذلك، فهل عسيت أن تجيب فعلنا ذلك وأظهرك الله عز وجل أن ترجع إلى قومك وتدعنا، هذه تحتاج إلى تأمل. قالوا يا رسول الله سنبايعك وسنقطع هذه الحباب والتحالفة، لكن ربما أظهر الله دينك ثم سترجع إلى بلدك وتدعنا وتتركنا، فقالوا وأظهرك الله عز وجل أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل الدم بالدم والهدم بالهدم، أنتم مني وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالبتم، أي حرمتي من حرمتكم وذمتي من ذمتكم، أنا وإياكم كشيء واحد، من آذاكم آذاني ومن آذاني فقد آذاكم. فكان هذه قمة التحالف بين نبينا عليه الصلاة والسلام وبين أهل المدينة، ثم قال رسول الله أخرجوا إلي منكم إثني عشر نقيبا، الآن وقت البيعة ولا يمكن لرسول الله أن يبايعهم شخصا واحدا واحدا تلو الآخر والوقت يمضي عليهم والأمر في غاية السرية حتى لا يرهم أحد من أهل الكفر. فأراد نبينا إلى اختصار فأراد من هؤلاء السبعون أن يرشحوا إثني عشر نقيبا، النقباء جمع نقيب والنقيب هو العريف وهو الناظر على قومه، فقال نبينا عليه الصلاة وسام أخرجوا إلي منكم إثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا له تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. فلما تمت البيعة وأمل عليهم البيعة، ما الذي صار؟ صارخ الشيطان صارخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت، أي بأقوى وأشد صوت يمكن أن يسمع، بصوت شديد قال: يا أهل الجباجب والجباجب بمعنى المنازل، يا أهل الجباجب أي المنازل هل لكم على مذمم، من المقصود بمذمم هذا لقب من ألقاب قريش كانوا يطلقونه على رسول الله، يقول في محمد أنه مذمم يعكسون اللقب. فقال الشيطان: يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصبات معه، الصباء الذين خرجوا عن الدين، هذا في نظر الكفار يرون أن كل من خرج على دين الآباء والأجداد يقال عنه صاب وهم الصباء جمعهم الصباء، فأراد الشيطان أن يفتن للعرب ومن حضر الموسم بخبر البيعة. فقال: يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصبات معه فقد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة، أزب العقبة أي هذا الشيطان العقبة، فقال رسول الله هذا أزب العقبة اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغن لك، ثم قال رسول الله لمن حضر ارفعوا إلى رحالكم، بمعنى الانصراف الآن ينصرف كل منه إلى حال لأن الآن سيسمع هذا الصوت وسيقوم الناس على إثر هذا الصراخ. قال: ارفعوا إلى رحالكم، ثم في الصباح انتشر الخبر انتشر خبر الصوت الذي فيه الوشاية من الشيطان لأهل الموسم بأن هناك شيء تم بين محمد وبين من معه، لكن ما علم من هؤلاء. فذهبت جماعة من كبراء قريش إلى يثرب لأنهم المظنة إلى مخيمات أهل يثرب، فقالوا: يا معشر يا معشر الخزرج لأنهم الأكثر من أهل الخزرج فالأغلبية لهم. فقالوا: يا معشر الخزرج قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا أي إلى رسول الله تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعوه على أمرنا، فقام أهل المدينة أهل يثرب بإنكار ذلك، أنكروا من هذا الذي قام بالإنكار الذي قام بالإنكار الكفار منهم، كما قلنا الذي جاء مع وفدي يثرب هم أخلاط منهم الكفار هم الأكثر والقلة من أهل الإسلام. أهل الإسلام ذهبوا لواذة تسللوا لا أحد يدري بهم ورجعوا خفية ما أحد درى بهم، فلما أصبح الخبر جاء كفار قريش إلى كفار من يثرب وأخبروهم بالذي صار، ماذا كان من كفار يثرب؟ الحقيقة قال ما صار شيء ما وقع هذا منا شيء، قال فأمكروا هذا، قال وما وقع ذلك منا شيئا وحلفوا بالله أنهم لم يكن ذلك منهم. هل بعد اليمين شيء؟ وفي حرم الله وفي موسم الحج، فقامت قريش وصدقت بخبر هؤلاء، وأظن أن هذا الكلام قد خرج من فراغ وليس له أساس من الصحة. وفي هذه الحال مع النقاش بين كفار قريش وبين كفار أهل يثرب، كان أهل الإسلام ينظر بعضهم إلى بعض، أي ماذا بأن الله قد سلمهم من ذلك، فمن كشف أمرهم ولا وقعوا في كذب ولا وقعوا في شيء، وإنما سلمهم الله بالصمت، سكتوا وجعل الحوار بين الفريقين، وانفض المجلس وماذا وما علم أحد بما صار وبما وقع. هذا الحديث إخواني في الله بطوله رواه الإمام الحاكم وأحمد في مسنده، وهكذا الطبراني، قال إمام الهيثم رحمه الله تعالى في المجمع، قال ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وغصرح بالسماع، وقال العلامة الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على فقه السيرة، قال وهذا سند صحيح، وهكذا شعيب الأرنؤوت رحمه الله قال حديث قوي، وهذا إسناد حسن من حديث كعب ابن مالك. فشاهد إخواني في الله من خلال هذا الحوار والحدث الذي وقع نعلم حقيقة ما وقع في بيعة العقبة الثانية من حيث الحضور كانوا سبعين أو قرابة سبعين رجلا، وكان الموعد في موسم الحج، وفوائل الحديث كثيرة جدا، لكن أكتفي بفائدة واحدة تستفاد من هذه القصة إخواني في الله. ما يكون من حسن التدبير ومن حسن التنظيم الذي ظهر من رسول الله عليه الصلاة والسلام في تتمة أمر البيعة بحيث أنه تم وانتهى ولم يعلم به أحد، حسن التدبير وحسن التنظيم من رسول الله عليه الصلاة والسلام يكمن في عدة أمور، الأمر الأول في اختيار الموسم، إذ أنه اختار موسم الحج، وهذا الموسم الناس فيه ينشغلون بمناسكهم بطوافهم بالكعبة عند الأصنام، ينشغل الناس بذوات أنفسهم. فكان هذا من حسن تدبيره أن اختار هذا الموسم بالذات، كذلك من حسن تدبيره عليه الصلاة والسلام أن اختار اليوم، فقد ذكر المفسرون أن البيعة تمت في أوسط أيام التشريق، في أواصط أيام التشريق، فما جعله في اليوم الأول الذي الناس فيه يومها قد ينشغل بالنسك، أي أهل يثرب بالنسك وغيره، ولا جعله في آخر أيام التشريق الناس ينشغلون بالاستعداد بالرحيل، وإنما اختار صلى الله عليه وسلم أواصط أيام التشريق. وهكذا ما يتعلق حسن التنظيم والتدبير من خلال الوقت، اختار نبينا وقت البيعة أن يكون في الثلث الأخير من الليل، ما اختار أوله لماذا؟ لأن أول الليل يبقى من الناس من يحب السهر من يحب المشي من يخرج هنا وهنا لربما شد الانتباه خروج السبعين من أماكنهم، فأول الليل ليست مضمت خروج، وكذلك ما اختار آخر الليل لعل الناس الذي قد شبع من نوم الليل ربما يستيقظ في آخره. فاختار نبينا ثلث الليل، ثلث الليل والذي فيه أن الناس فيه كلهم رقود، فكان هذا من حسن تدبيره عليه الصلاة والسلام، وأيضا ما يتعلق من حسن تنظيمه المكان، أن اختار العقبة، عقبة منا، فهو مكان ليس بالبعيد حتى يظهر الناس، وكذلك ليس بالأمر المكشوف، إذ أن العقبة في تلكم الأزمان كانت خلف جبل، فكانوا يستثيرون خلف الجبل، فلا ينكشف لماذا ينكشف أمرهم. كذلك من حسن تنظيمه عليه الصلاة والسلام أن استحب معه العباس، كان بإمكان رسول الله أن يأتي بالصديق الذي كان يلازمه في أعظم المحافل، لكن في هذا المحفل ترك نبينا الصديق واختار العباس، ذهب جماعة من أهل العلم إن اختيار العباس في هذه البيعة إنما كان والله تعالى أعلم من باب التأتيم، إذ خرج مع عمه الكافر هل أحس يراقبه أي ممكن هذا عمه معه سيكشف لنا أمره وحاله. فاطمأنه أن النبي خرج مع عم العباس وما علم أن العباس قد تواطأ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن خلال هذه الحادثة وحيثياتها يا عبد الله تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خطط لهذه البيعة على أحسن نظم وأطر التنظيم والتنظير، وهذا كذلك هناك فواد أخرى لعلها في مقام آخر نذكرها. فالشاهد إخواني في الله، فبيعة العقبة الثانية من البيعات المهمة التي من خلالها استوثق نبينا لنفسه بأنه وجد المنع وجد الحماية من أي عداء سافر، ماذا يشن عليه؟ صلوات ربي وسلام عليه، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.