الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 80، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع تفسير آية 'لمسجد أسس على التقوى من أول يوم' واختلاف العلماء حول مدلولها، كما أبرز أهمية بناء المساجد في الإسلام من خلال أفعال النبي صلى الله عليه وسلم.
بعد استقرار النبي في المدينة، بنى المسجد النبوي أولًا، ثم تبعه بناء مساكنه حول المسجد، حيث بنى مساكن لزوجاته على توالي الأعوام.
المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويليه الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس إخواني في الله في المنظومة الميئية كانت الإشارة إلى أهم أعماله التي أشار إليها الناظم رحمه الله تعالى، وهو ما كان من بنائه لمسجد قبا، ومن ثم ما كان من بنائه لمسجده عليه الصلاة والسلام. وإن من المسائل المتعلقة بهذا الباب ما يتعلق بقوله جل وعلا ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾. هذه الإشارة إلى أي مسجد؟ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم، هذا المدح لهذا المسجد يوصف به أي المساجد؟ على قولين اثنين، فجمهور العلماء يذهب إلى أن هذه الآية تتحدث عن مسجد قبا، وأن هذا هو المعني بهذا الكلام وبهذا المديح أنه مسجد أسس على التقوى من أول يومه. وطائفة من الفقهاء والعلماء ذهبوا إلى أن المقصود بهذا الوصف ما كان من مسجده عليه الصلاة والسلام. كل استدل بحديث صحيح وبنص واضح، فمن ذهب -وهم الجمهور- إلى أن الآية تتحدث عن مسجد قبا، بما جاء في سنن الترمذي، وجاء عند أبي داود بإسناد صحيح، وفي صحيح الجامع من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «نزلت هذه الآية لمسجد أسس على التقوى من أول يوم قال في أهل قبا»، نزلت في أهل قبا، وذلك إذ أنهم كانوا يستنجون بالماء. فهذا الحديث كذلك واضح على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الآية إنما نزلت في مسجد قبا. والقول الثاني: من ذهب إلى أن هذا المسجد هو المسجد النبوي استدل بما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي المسجدين أسس على التقوى؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «هو مسجدكم هذا»، فهذا كذلك نص صريح وبيّن على أن المسجد النبوي هو المعني بهذه الآية: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾. ولهذا إخواني في الله من خلال هذه النظر، من خلال هذه الأدلة تباينت أقوال العلماء، والقول الصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية تتنزل على مسجد قباء وعلى المسجد النبوي، إذ أنهم يدخلان في هذا الحكم ويدخلان في هذا الوصف، إذ أن المسجدين كلاهما قد بني من أول يوم على تقوى من الله. وممن ذهب إلى هذا الجمع الإمام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، إذ قال: «ومسجد قباء أسس على التقوى»، قال: «وهكذا مسجده صلى الله عليه وسلم أسس على التقوى». وما إلى هذا الجمع الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، وجماعة من الفقهاء من المحققين ذهبوا إلى أن هذه الآية تتنزل على مسجد قباء فهو أسس على التقوى، ونزلت هذه الآية كذلك في مسجد النبوي إذ أنه أسس على التقوى، وهذا هو الجمع الحسن. ولهذا يقول العلامة عبد المحسن العباد: «يقول إن هذه الآية أن مسجد قباء هو أسس على التقوى وأن المسجد النبوي أسس على التقوى وتقوى بنص السنة»، بنص السنة. فالقول يا إخواني في الله في هذا الباب على أن كلا المسجدين قد أسس على تقوى من الله جل في علاه. مسألة ثانية كذلك تتعلق بما وقع من فعله عليه الصلاة والسلام من بنائه المساجد، لما وصل إلى ديار بني عمرو بن عوف ما هي إلا أيام وليالي جلس فيها حتى بُني مسجد قباء، وما إن وصل المدينة بل ما أناخ راحلته وما بركت إلا على موضع سيكون مسجدًا، وأمر نبينا لتوّه بأن يشتريه لكي يبنيه. على ماذا هذا يدل؟ هذا الحرص من رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه إشارة إلى أهمية بناء المساجد، فيه الأهمية إلى بناء المساجد وأنها تبنى وأنها تعمر. فتأمل يا عبد الله في همته عليه الصلاة والسلام قبل أن يفكر بأي أمر، وهو قد نوى أن يستقر في المدينة وأن تكون هي العاصمة الإسلامية وهي مدينة الخلافة، أول ما بدأ به نبينا صلى الله عليه وسلم أن اقتار بقعة يبنى عليها المسجد. وقد بنى مسجدًا في قبا، وهذا المسجد الثاني يبنى. ومن هنا تعلم يا عبد الله على أن الفرد أو المجتمع إذا أراد أن ينعم بالأمن والأمان والاستقرار والازدهار مهما كان حاله، فلينظر في علاقته مع ربه، إذ أن المساجد ما أسست على أنها بنيان فارغ أو أنها جدران فقط لا، إنما بنيت المساجد لما بنيت له لأن تكون صلة بين العبد وبين الله سبحانه وتعالى. فحرص نبينا صلى الله عليه وسلم هذا أيما حرص. ومن الخطأ العظيم ومن الجرم الجسيم ما نجده إخواني في الله في أحوال المسلمين، تجد أن لربما تبنى مدن بحال تبنى بأبراجها بفنادقها بمحلاتها بمعارضها وأين المساجد؟ ما هنالك مسجد، كيف هذا؟ لا مسجد. أو تجد كذلك في بعض المخططات التي تخط لها الأراضي تجد مخططًا على مد البصر عبارة عن قطع تلو قطع، قطع تلو قطع، أين المساجد؟ لا مساجد، كيف أراضي فقط؟! طبن هكذا. تخيلوا أن هذه الأراضي قد اشتريت من أصحابها أراضي سكنية أين المساجد؟ بل ربما مما يؤسف له أن تجد في بعض المخططات ما يسمى بمرافق حكومية، فمرافق حكومية لها أهمية، طب أين بيوت الله عز وجل؟ أليست لها أهمية؟ تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «قالت أمر رسول الله ببناء المساجد في الدور»، ببناء المساجد في الدور -الدور أي الأحياء والأنحاء وأماكن الناس وتجمعات- تبنى المساجد فيها. وبهذا تعلم يا عبد الله أهمية الإسلام. ولهذا إذا أرادت بلدة ما أو شعبًا ما أو مجتمعًا ما أن ينعم بالراحة والاطمئنان فلينظر إلى علاقته مع ربه ببناء المساجد. ومن تأمل بعد ذلك إلى علاقة المسجد بأحوال الناس بجيل الصحابة كيف كانت المساجد؟ كان المسجد هو كل شيء، وأعني كل بألفاظ العموم بما دلت عليه من العموم. المساجد في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام نعم، كانت محل عبادة والتعبد بصلاة الجمع والجماعات، بالاعتكاف، بالإقبال على ذكر الله، بقراءة القرآن. كانت المساجد في عهد رسول الله محلًا للعلم والتعلم، تقام حلقات العلم، حلقات الذكر، التعليم والإرشاد. كانت المساجد محلًا للوعظ، فكان يخطب عليه الصلاة والسلام بين الفينة والأخرى ويذكر أصحابه. كانت المساجد في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام محلًا في إخراج الجيوش والبعوث، فكان تعقد الرايات وما يتحرك جيش إلا من مسجده عليه الصلاة والسلام. كانت المساجد في زمنه عليه الصلاة والسلام محلًا لاستقبال الوفود، ما كان هناك ديوان، يأتي وفد يستقبله رسول الله في مسجده عليه الصلاة والسلام استقبال الوفود. كذلك كانت المساجد محلًا لالتقاء الناس لالتقاء المسلمين -إن صح التعبير- التقاء الأحبة إذا غابوا التقوا في الصلوات الخمس، كل ينظر إلى أخيه ينظر إلى جاره، بعد الصلاة يسلم على هذا ويكلم هذا ويطمئن هذا على حال هذا، ملتقى الناس، ما كان عندهم تواصل اجتماعي إلا في بيوت الله جل وعلا. كانت المساجد في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام ملجأ للفقراء والمساكين كأهل الصفة ممن قدموا من مكة لا مأوى لا سكن، أين مأواهم؟ في بيوت الله، نومهم أكلهم شرابهم في بيوت الله، في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام. بل ربما وصل الحال حتى العلاج، كان ربما المريض ما وجد مكان يتداوى، يؤتى به إلى المسجد فتجعل له خيمة كما فعل مع سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه عولج في خيمة في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام. هل تعلم يا عبد الله حينما أقول: كان المسجد في حياة الصحابة هو كل شيء، كل شيء؟ كان الواحد إذا انكسر حاله واقتضت به الهموم والغموم والكروب وتراكمت عليه حتى الديون يلجأ إلى المسجد، كم كان النبي يدخل إلى المسجد فيرى أصحابه ما شأنك؟ هم ركبه، يأتي إلى المسجد. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «المسجد بيت كل تقي»، صححه الألباني. فإذا علم الناس إخواني في الله فضيلة المساجد حين يعلم عظم هذا البنيان والذي ينبغي أن يعمر ليس العمارة الحسية فقط، بل العمارة الحسية والعمارة المعنوية، وأن الناس يشجع على بناء المساجد وعلى إعمارها بذكر الله، فإن المساجد إخواني في الله من أعظم ما سعى إليه نبينا، وهذا واضح من خلال ما ذكرنا منذ أن وصل -لا أقول في السنة الأولى بل في الأيام الأولى- في الأيام الأولى من وصوله سعى عليه الصلاة والسلام إلى بناء مسجد. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: «قال ثم بنى من حوله مساكنه». ثم أتى من بعد، في هذه السنة نقف عند قوله: «ثم بنى من حوله مساكنه»، في هذا العام، في هذا العام عندما بنى نبينا مسجدًا صلى الله عليه وسلم بنى معه الحجرات، والحجرات هي الدور التي بناها نبينا لأزواجه. وقد بنى نبينا عليه الصلاة والسلام من مساكنه بنى مسكنين فقط، أول ما شرع في بناء المسجد النبوي بنى وكان من أصل البناء كما قال المؤرخون بنى دارين وبنى سكنين، أولاهما لسودة وهي زوجته وكانت في عصمته، وقد مضى ذلك معنا في العهد المكي أنه قد تزوجها رضي الله تعالى عنها، فبنى لها سكنًا، ثم بنى سكنًا آخر وهو لمن؟ لعائشة استعدادًا للدخول عليها. في هذه الدار التي بناها نبينا عليه الصلاة والسلام، إذن لم يبنِ نبينا سوى هذه البيوت. ولهذا قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: «لم يبلغنا من كلامه معنى كلامه لم يبلغنا أن النبي بنى بيوته دفعة واحدة»، لهذا ما صح أنه بنى البيوت تسعة مرة واحدة، هذا ما صح، وإنما كلما تزوج زوجة بنى لها دارًا ثم أخرب ثم بنى لها دارًا هكذا على توالي الأعوام. ولهذا يقول بعض العلماء في هذا البيت الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في قول: «ثم بنى من حوله مساكنه»، الجمع في مساكن يوهم على أن النبي قد بنى جميع المساكن، لا ما بنى جميع المساكن، وإنما في أول أمره بنى هذين المسكنين، مسكن لسودة ومسكن آخر استعدادًا لاستقدام والدخول على عائشة رضي الله تعالى عنها، هذا ما نذكره في هذا المقام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.