الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 117

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 117

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 117، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

هدية مارية القبطية وإنجابها لإبراهيم

أهديت مارية القبطية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة فولدت إبراهيم في السنة الثامنة وتوفي بعد سنة وبضعة أشهر. حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنًا بالغًا على وفاته.

مارية القبطية وغزوة مؤتة

يتناول المقطع الحديث عن مارية القبطية وعلاقتها بالمسلمين ثم ينتقل إلى غزوة مؤتة التي وقعت في السنة الثامنة للهجرة ويشرح تفاصيلها. يوضح المقطع الفرق بين الغزوة والسرية وفقًا للعلماء.

تسمية معركة مؤتة غزوة أو سرية

الخلاف في تسمية معركة مؤتة يعود إلى عدة أمور منها مشاهدة النبي للمعركة عبر الوحي وكبر حجم الجيش المشارك. أغلب العلماء يسمونها غزوة مؤتة لما ذكر من أسباب.

ختام الدرس وتأجيل التفاصيل

يختتم الشيخ درسه بالتأكيد على أن التفاصيل ستأتي في الدرس القادم ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله. يصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وأهديت مارية القبطية فيه، وفي الثامنة السرية لمؤتة سارت، وفي الصيام قد كان فتح البلد الحرام. في هذا البيت، والذي أشار فيه الناظم رحمه الله تعالى، وهو في الأرجوزة الميئية في بيان أحوال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام، وأهم حوادث السيرة النبوية، أشار إلى بعض ما وقع لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ففي البيت الأول قال: وأهديت مارية القبطية فيه، وفي الثامنة السرية لمؤتة سارت، وفي الصيام قد كان فتح البلد الحرام. في قوله رحمه الله تعالى: وأهديت مارية القبطية، أهديت أي أعطيت هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومارية، كما قال الناظم: وأهديت مارية القبطية، مارية القبطية دخلت في حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام على أنها هدية مقدمة من الملك المقوقس. وهذا الملك هو قد مر معنا في ما ذكرنا في بعثة نبينا للأمراء والسفراء للمناطق والدول والأقاليم، فقد أرسل نبينا المقوقس، وهو ملك الإسكندرية من مناطق مصر، وأرسل إليه حاطب بن أبي بلتعة يدعوه إلى الإسلام وإلى الإيمان. وكان من أمر المقوقس مع كفره، إذ كان على دين النصرانية، إلا أنه لم ينفعل كما فعل ملك الفرس، حيث مزق الرسالة، بل أخذ يمدح دين نبينا ويمدح دين الإسلام ويذكر الدين بخير، لكنه ما أسلم. ومع هذا أرسل بهدية، أرسل مع حاطب هدية هذه لنبيكم، ومن أرسل أرسل ماريا، ماريا القبطية، وكانت ماريا رضي الله تعالى عنها من أجمل النساء ومن أحسن الجواري، فأهديت ماريا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقال هنا: وأهديت ماريا القبطية فيه، أي في السنة السابعة، لا زلنا في حوادث السنة السابعة، أي في هذا العام. ودخلت ماريا إلى حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام على أنها ملك يمين، لم تدخل عليه كزوجة، وإنما كملك يمين، هكذا كانت منزلة ماريا في حياة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبعد مرور عام من دخول نبينا على ماريا حملت ماريا القبطية فولدت، وذلك بعد مرور العام في السنة الثامنة في شهر ذي الحجة، هكذا قال المؤرخون. ولدت ماريا وأنجبت طفلا وضيئا جميلا شبيها برسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد فريح المسلمون فرحا شديدا بهذا الإنجاب، أن رزق الله عز وجل نبينا بهذا المولود الذكر، وأسماه نبينا صلى الله عليه وسلم على اسم جده، فأسماه إبراهيم على جده إبراهيم عليه السلام. إلا أن هذا الطفل عاش لمدة سنة وبضعة أشهر، إذ جاءته المنية وهو ابن ثمانية عشرة شهرا، توفاه الله في هذا السن الصغير، وقد حزن حزن نبينا حزنا بالغا، وقال: وإن على فراقك يا إبراهيم لمحزنون. وكان هذا لحكمة، وقد ذكرنا في أوائل الأرجوزة المئية الحكمة من أن الله عز وجل ما ترك لرسول الله ذرية من الذكور، وإنما أبقى له الذرية من الإناث، هذه حكمة أرادها الله عز وجل. وكان من خصائص مارية القبطية رضي الله تعالى عنها أن بها كان الربط بين المسلمين وبين الأقباط، وأعني بالربط من حيث الأرض، اجتماع الحضارة القبطية مع حضارة الإسلام عن طريق مارية، وقبل ذلك عن طريق هاجر، إذ أن هاجر وهي أم إسماعيل بإجماع العلماء هي مصرية وهي قبطية، وهي أم إسماعيل. وكانت هذه العلاقة التي أنشأتها مارية لها أثر عظيم، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا فتحت مصر فاستوصوا بالأقباط خيرا، وهم ما كانت عليه مارية منذ قبل، الأقباط هم أهل مصر، وكانوا يدينون بدين النصرانية، ولا زالوا من ذهب إلى مصر الآن ويسأل عن الأقباط، هم نصارى وهم سكان مصر. فقال عليه الصلاة والسلام: إذا فتحت مصر فاستوصوا بالأقباط خيرا، فإن لهم ذمة ورحما. والحديث رواه الطبراني والحاكم، ويحسنه الشيخ الألباني رحمه الله. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: فإن لهم ذمة ورحما، أي صلة رحم بيننا وبينهم. وما هي الرحم؟ قال علماء: مارية وهكذا هاجر أم إسماعيل. وتوفيت مارية القبطية في سنة السادسة عشر من الهجرة، وقد دفنت بالبقيع، وصل عليها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. إذن هذا ما يتعلق بقول الناظم: وأهديت مارية القبطية فيه، أي في هذا العام السابع. ثم قال رحمه الله تعالى: وفي الثامنة السرية لمؤتة سارت. وفي الثامنة، إشارة إلى أننا الآن سننتقل إلى عهد جديد، وهي أهم الحوادث في سنة الثامنة من الهجرة، لأن المؤلف ينتقل من عام بعد عام في ذكر أهم مراحل السيرة النبوية التي خاضها نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: وفي الثامنة السرية لمؤتة سارت، وهي سرية مؤتة. سرية مؤتة، إخواني في الله، وقعت في شهر جماد الآخر من عام سنة الثامنة للهجرة، كما قال العلماء. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ولما كان في جماد الآخرة من سنة ثمان بعث صلى الله عليه وسلم الأمراء إلى مؤتة، وهي قرية من أرض الشام. ومؤتة قرية من أرض الشام، وسميت الغزوة غزوة مؤتة لأن هذا الجيش الإسلامي تمركز في هذه القرية، فسميت الغزوة على اسم القرية. وهذه القرية تقع شرق الأردن. ومن مسائل هذه الغزوة، إخواني في الله، هي مسألة هل هذه المعركة بشكل عام معركة مؤتة هل هي سرية أم هي غزوة؟ المشهور عند العلماء في كتب التاريخ والسير والمغازي، أنهم يفرقون دائما على أن السرية هي الجيش إذا خرج من غير رسول الله، والغزوة هي الجيش إذا خرج برسول الله. هذا الضابط الذي يسير عليه أكثر العلماء. طيب قد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك في مؤتة، هل نبينا خرج ولا ما خرج؟ لا، نبينا ما خرج في مؤتة، وإنما بعث أمراء أرسل أمراء على هذا الجيش. ولهذا سيأتي معنى على أن غزوة مؤتة تسمى كذلك يسمى جيشها بجيش الأمراء. وذكر شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في كتاب الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال بعث رسول الله جيش الأمراء. حتى الإسم أصبح يسمى بجيش الأمراء، أي إذا أردت أن تسمي هذه المعركة من حيث الموقع مؤتة، ومن حيث القيادة جيش الأمراء. طيب نأتي الآن إلى أصل المسألة، فنبينا ما خرج، وإنما جعل على هذا الجيش أمراء كما سيأتي معنا. قد يقول القائل: إذا كان نبينا ما خرج، إذن لماذا وقع الخلاف بين أهل العلم؟ على هذا الضابط فهي سرية كما ذهب الناظم. الناظم قال: وفي الثامنة السرية لمؤتة سماها السرية على القاعدة المشهورة. طيب لماذا وقع الخلاف في هذه المعركة خصوصا؟ وقع الخلاف القوي بين أهل العلم لعدة أمور. الأمر الأول وهو الأعظم، على أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يخرج إليها، فقد كان يشاهدها صلى الله عليه وسلم. قد يقول: وكيف كان يشاهدها؟ الوحي رفع وكشف له الحجاب عليه الصلاة والسلام، فكان يرى أحداث المعركة رأي العين، يراها أمامه. بل كان يصف الأحداث إلى أصحابه: قتل فلان، وحمل الراية فلان، وقتل فلان، وحمل الراية فلان، يصفها وهو أين في المدينة، وهم أين في بلاد الشام، بينهم مفاوز. لكن الحجاب كشف لرسول الله، فكان يصفها. فقال العلماء: إذن مشاهدة النبي لهذه الغزوة يعتبر كالحاضر لها، كأنه حاضر لها. يعني مثله كباقي الغزوات عندما يكون في مكان مرتفع في بدر وغيرها، يجعله يكون في مكان مرتفع ويشاهد المعركة، وتسمى المعركة غزوة. قال: وهكذا في مؤتة، عندما شاهدها وكأنه حاضر، إذن يعد هذا الحضور كحضور حسي، وإن كان معنوي. فقالوا: إذن هي غزوة. أضف إلى ذلكم ما كان في هذا الجيش من الكثرة والوفرة، إذ أن هذا الجيش من خصائصه كان أكبر جيش أعده النبي صلى الله عليه وسلم للقتال، أعظم جيش بالكثرة هذا الجيش الذي أخرجه لمؤتة. قال: وهذه الجيوش الكبيرة الغفيرة ما تكن إلا للغزوات العظيمة. أضف إلى ذلك ما كان من أنها حرب دامية اشتد فيها الوطيس، وحمي فيها الهمى، وصارت فيها من الأشياء المهولة ما الله به عليم. وأيضا لعظيم نفعها وأثرها، إذ أن هذه المعركة كانت بوابة لما سيأتي بعد من فتح بلاد الشام وغزو النصارى إلى عقر بلادهم وديارهم. فقال العلماء: فمثل هذه الأشياء التي تضافرت لا يمكن أن نجعلها كسرية كباقي السرايا الخفيفة التي يكون أثرها قليل أو يكون عددها أقل. قالوا: هذا الغزو بهذا الحجم حقها أن تسمى غزوة. وهذا الذي ذهب إليه أكثر العلماء، ومنهم الإمام البخاري، ومنهم ابن إسحاق رحمه الله تعالى، وجماعة من كبار الحفاظ إلى تسمية هذه المعركة بغزوة مؤتة. وهذا الذي تجدونه عند أكثر من يؤلف في هذه المعركة أن يسميها بغزوة مؤتة. وهذه الغزوة، إخواني، فلا كان من عظيم خصائصها أن أول معركة وقعت خارج الجزيرة العربية، أي خارج الحدود، إذ أنهم انتقلوا إلى جهة بلاد الشام. هذه إخواني في الله مقدمة سريعة، وإلا سيأتي معنا بإذن الله في درس غد التفصيل في هذه الغزوة من حيث ما يتعلق بسبب الغزوة، وما صار فيها، وما كان من نتائجها. فنرجيء الكلام بإذن الله إلى درس قادم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.