شرح كتاب التوحيد 13

شرح كتاب التوحيد 13

الدرس في شرح كتاب التوحيد 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث فضل التوحيد

يبدأ الشرح بتوضيح أهمية التوحيد ودوره في دخول الجنة، حيث يشهد العبد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويؤمن باليوم الآخر. رتبة العبد في الجنة تتوقف على عمله الصالح.

تفصيل في فضل التوحيد وتحريم النار

يتم تفصيل شرح حديث عتبان الذي يدل على فضل التوحيد، حيث حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله. التحريم على النار ينقسم إلى تحريم مؤبد وتحريم إلى أمد.

أسباب دخول الموحدين النار وخلاصهم منها

يشرح شيخ الإسلام أسباب دخول بعض الموحدين النار بسبب ضعف تصديقهم بالتوحيد أو كثرة سيئاتهم، ثم يخرجون منها ويدخلون الجنة. هذا يبين أن دخول النار لفترة هو احتمال للموحدين.

ختام الشرح والدعاء للنبي

يختتم الشرح بتوضيح فضل قول لا إله إلا الله بإخلاص لله تعالى، ويتم الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في حديث عباد بن الصامت رضي الله تعالى عنه، والذي أورده المؤلف -ورحمه الله تعالى- في كتابه، أو في باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. وفي هذا الحديث الذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه». وهذه المفردات قد مرت معنا بذكرها وشرحها وما يتعلق بفوائدها. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وأن الجنة حق والنار حق»، أي من أتى بهذه الأمور: الشهادة بالوحدانية لله، والنبوة والرسالة لرسول الله، وهكذا بالمثل النبوة والرسالة والعبودية لعيسى عليه السلام، ثم تشهد «وأن الجنة حق والنار حق». وهذه إشارة إلى أهمية الإيمان باليوم الآخر، وأنها من أركان الإيمان. الإيمان باليوم الآخر -إخواني في الله- قال العلماء: هو يقوم على ثلاثة مسائل، الإيمان باليوم الآخر يقوم على ثلاثة مسائل وأمور، أولاها الإيمان بالبعث والحشر، والثاني الإيمان بالحساب والجزاء، والثالث الإيمان بالجنة والنار. هذه الأمور الثلاثة هي الركائز في الإيمان باليوم الآخر، فالإخلال بواحد منها هو إخلال باليوم الآخر، فصاحبه يعد كافرًا قد خرج من الدين والملة؛ لأنه لم يؤمن باليوم الآخر. فقوله عليه الصلاة والسلام: «وأن الجنة حق والنار حق»، فيه إشارة -كما قلنا- إلى الإيمان باليوم الآخر. ومنها أن تؤمن بهذه الدور بأنها مخلوقة خلقها الله عز وجل، وأنهما الآن موجودتان، لا كما يقول جماعة من المبتدعة: بأن الله ينشئهما إذا قامت القيامة، لا، بل قد أنشئت وقد خلقت وهي موجودة الآن، كما قال ربنا جل وعلا في حق الجنة: «أعدت للمتقين»، وفي حق النار: «أعدت للكافرين»، أعدت بمعنى هيئت، انتهى أمرها، مفروغ منها، قد هيئها الله وقد جهزها. فنؤمن بأنها خلق من خلق الله، وأنها موجودة الآن، وأن النار جعلها الله جل وعلا دارًا للكافرين، وأن الجنة هي دار جعلها الله جل وعلا لعباده المتقين. فهذا قوله عليه الصلاة والسلام: «وأن الجنة حق والنار حق». قال: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». إذا من أتى بهذه الخصال: الشهادة، أتى بالشهادتين، والإيمان بنبوة وعبودية عيسى، «وأن الجنة حق والنار حق»، إن جئت بهذه الأمور -يا عبد الله- قال عليه الصلاة والسلام: «أدخله الله الجنة»، هذا هو جواب الشرط، هذا هو جواب الشرط وجزاؤه، يجازيك الله عز وجل بأن يدخلك الجنة. فقوله: «أدخله الله الجنة»، دليل على أن من كان موحدًا لله، فالله جل وعلا يدخله الجنة ولابد، بأن الله يدخله الجنة ولابد. وهذا فيه فضيلة للتوحيد، وهذا الذي أراده المؤلف -رحمه الله تعالى- عندما أورد لنا هذا الحديث تحت هذا الباب؛ ليبين لنا أن من فضيلة التوحيد أن من أتى به أدخله الله الجنة. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «على ما كان من العمل»، ما معنى ذلك للعلماء والشراح في شرح هذا الحديث؟ هذا المقطع بالذات، لهم عليه قولان اثنان. القول الأول قالوا: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، أي أن الموحد هو سيدخل الجنة، لكن طبقته، منزلته، رتبته في الجنة، إنما تكون على حسب عمله. الجنة -إخواني في الله- ليس طبقة واحدة، بل الجنة طبقات، الجنة درجات، فهناك درجة للأصفياء، درجة للأتقياء، درجة للأبرار، درجة لعباد الله الصالحين، هناك درجة لأهل الصلاة وأهل الصيام. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «وإن المؤمن لا يدركوا بحسن خلقه درجة الصائم والقائم»، فهناك درجات، ولكل درجة مما عملوا. فالجنة درجات، كيف تصل إلى درجات الجنة؟ هذا يفتقر إلى العمل، أنت باعتقادك تدخل الجنة، لكن رتبتك في الجنة على ما يكون من عملك. وبهذا تعلم -يا عبد الله- أن العمل لابد منه، تعمل اعمل صالحًا -يا عبد الله-؛ فالناس يتفاوتون في منازلهم. هذا قول العلماء في شرح قول نبينا: «أدخله الله الجنة على ما كان من عمل»، أي من عمله الصالح تتفاوت منزلته. والقول الثاني، والشرح الثاني لمعنى هذا الحديث: أن الله أدخله الجنة على ما كان من العمل، أي ولو كان مقصرًا، ولو كان مقصرًا. وهذا في حق الموحد، إذا فرط في العمل، وهذا كثير، تجد من الموحدين من هم من جنس العصاة. فالموحد ولو كان عاصيًا، مع تقصيره، فهو سيدخل الجنة. وفي ذلك رد على الوعيدية، وعلى الخوارج والمعتزلة؛ إذ أن من صميم عقيدة أهل السنة وأهل الإسلام أن العصاة لا يخلدون في النار، العصاة لا يخلدون في النار، بل إنهم يدخلون الجنة ولو بعد حين، لماذا؟ لما كان من توحيدهم. فقوله عليه الصلاة والسلام: «أدخله الله الجنة على ما كان من عمل»، أي على ما كان من تقصيره في العمل، فهو سيدخل الجنة. وفي ذلك إشارة أيضًا لفضيلة التوحيد. هذا ما يتعلق -إخواني في الله- في هذا الحديث، في حديث عبادة. ثم قال المؤلف -رحمه الله-: «ولهما من حديث عتبان، قال عليه الصلاة والسلام: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». هذا الحديث الآخر، والذي أورده المؤلف -رحمه الله تعالى- تحت هذا الباب، الدلالة فيه واضحة؛ إذ أن المؤلف أورده -رحمه الله تعالى- لكي يبين ويدلل على أن من فضائل التوحيد أن صاحبها يسعد بالجنة. فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». هذا الحديث في الصحيحين، وله قصة طويلة، والمؤلف إنما اقتطع ما أراده من الفائدة. ومن خلال القصة: الحديث عندما جلس نبينا صلى الله عليه وسلم مع جماعة من أصحابه، إذ تذاكروا رجلًا، فقام بعض الحاضرين برميه بالنفاق، وإنما كان رميه بالنفاق لما لوحظ على هذا الرجل أنه يماشي وله علاقة ببعض المنافقين. فجعلوه ذريعة وحجة لهم في أنه يطعن في هذا الرجل، فقالوا: يا رسول الله، إنه منافق. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم دافعًا، وهذه فيه فائدة تربوية خلقية: أنك -يا عبد الله- إن علمت من أخيك خيرًا فذكر عنده بالسلب والطعن والغمز، فدافعًا بما تعلمه، دافعًا، قل: لا والله ما أظن أن فلان قال كذا، لا والله فلان فعل كذا، لا والله، دافعًا عرض أخيك؛ فإن ذلك من الأمور الحميدة. قال عليه الصلاة والسلام: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». نبينا لما سمع أن هؤلاء تكلموا في هذا الرجل ورموه بالنفاق، قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ليس بمنافق». فإن الله أتى نبينا بهذه الألفاظ: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». وفيه بيان لعظيم شرط الإخلاص، وأن من كان مخلصًا في دينه وتدينه لربه فقد برئ من النفاق. فقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «فإن الله حرم على النار التحريم على النار» -إخواني في الله- يقول العلماء: هو على قسمين اثنين. وعلينا أن نفهم هذه المسألة؛ لأنها ليست مفيدة لنا في هذا الحديث، لا، بل كل نص قرآني وكل حديث نبوي فيه أن الله حرم أصحابها عن النار، فالتحريم هنا يحمل على أمرين اثنين. أي نص قرآني أو نبوي مثل ما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بمن حرم الله عليه النار؟ بكل سهل قريب». قال عليه الصلاة والسلام: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار». قس على هذا المنوال تلكم النصوص. فأي نص يمر عليك -يا عبد الله- نص قرآني، نص نبوي، في أن الله حرم على النار كذا وكذا، على ماذا تفهم هذه اللفظة؟ قال العلماء: التحريم على النار على قسمين اثنين: تحريم مؤبد، أو تحريم إلى أمد. التحريم المؤبد: وهو أن الله جل وعلا لا يدخل هؤلاء أبدًا إلى النار، محرم عليهم النار، ما يدخلونها أبدًا، انتهوا من البعث والنشور، ثم الصراط، ثم الجنة مباشرة يدخلون الجنة، هؤلاء تحرم عليهم النار تحريمًا مؤبدًا، وذلك فضل الله، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا منهم. وقسم ثاني من أنواع التحريم: تحريم إلى أمد، معنى أن النار تحرم عليهم بعد فترة، وهؤلاء كيف؟ هؤلاء ناس يدخلون النار، يدخلون النار، لكن إلى أبد الآبدين لا، وإنما بعد فترة ستحرم عليهم النار، ويخرجون منها ويرجعون ويسكنون الجنة، فتحرم عليهم النار بعد ذلك. هذا يسمى تحريمًا إلى أمد. فالتحريم في النصوص الشرعية عن النار على قسمين اثنين: تحريم مؤبد، وهؤلاء ما يدخلونها أبدًا، وتحريم إلى أمد، في حق أناس نعم يدخلون النار، لكنهم بعد فترة تحرم عليهم النار؛ إذ أنهم يخرجون منها. هنا نختم المجلس -إخواني في الله- بفائدة عظيمة. إذن هناك أناس من أمة محمد ممن يقول: لا إله إلا الله، ومع ذلك يدخل النار، كما ذكرنا في قسم تحريم إلى أمد، يوجد هذا. كيف دخل هؤلاء النار مع قولهم: لا إله إلا الله؟ شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- ذكر هذه المسألة، وأشار إلى أن هذا يعود إلى أحد أمرين اثنين. أناس من الموحدين يقولون: لا إله إلا الله، ومع ذلك يدخلون النار، وهذا يأتي معنا بأحداث كثيرة، قال نبي صنفًا من أمته في النار لم أرهما: قوم معهم كذا، ونساء... هناك أناس يدخلون النار. سئل نبينا عن فلان، قال: هو في النار. سئل عن تلك المرأة التي تؤذي، قال: هي في النار. فيوجد أناس يدخلون النار. شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أشار إلى مسألة مهمة، إلى قوم قالوا: لا إله إلا الله، ومع ذلك دخلوا النار، ومع أن دخولهم إلى النار يكون إلى أمد ثم يخرجون. كيف دخلوا النار؟ دخلوا النار إما أنهم بقولهم: لا إله إلا الله، وإتيانهم بالتوحيد لم يكن عندهم من التصديق ومن اليقين التامين الذي به تكفر الذنوب، ما عندهم ما عندهم من الصدق واليقين التامين الذي بهم مع هذه الكلمة كفرت عن سيئاتهم، بل كان القول وجد مع ضعف. وجد مع ضعف هذه المسألة مهمة جدًا -إخواني في الله-، ولا أطيل عليها، ولا أنبه، لكن أنبه على مثال واحد: قصة امرأة من بني إسرائيل كما جاء في البخاري وغيره، امرأة من بني إسرائيل خرجت ذات يوم وهي بغي -تعرفون ما معنى بغي؟ أي أنها تمتهن مهنة الزنا والبغاء والعياذ بالله- من بني إسرائيل خرجت ذات يوم فرأت كلبًا يلهث من شدة العطش، فرثت لحاله، فذهبت إلى بئر ونزعت موقها -خفها- ونزلت إلى البئر وغرفت وحملت بموقها شيئًا من الماء ثم سقت الكلب. قال عليه الصلاة والسلام: «فأدخلها الله الجنة». السؤال: أدخلها الله بأنها سقت كلبًا، لو أن زانية مثلًا، أو قل صاحب ربا، صاحب مكس، رجل فاحش منبعث على الفواحش والرذائل، لو أنه قام وأخذ دلو ماء وأخذ يتتبع الكلاب ويسقي الكلاب: تعال يا كلب، تعال اشرب، اشرب، اشرب، اشرب، وكله ماذا؟ وكله طلبًا أن الله يدخله الجنة مع إثمه كما فعل الرب مع المرأة الزانية، هل الأمر كذلك؟ الجواب: لا، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى. كيف؟ أليست المرأة سقت الكلب فدخلت الجنة؟ أنا أسقي كذلك وأدخل الجنة مثلها؟ الجواب: لا، ما كان الأمر يتعلق بسقي الكلاب، وإنما قال شيخ الإسلام: لما كان في قلبها حين أنسقت الكلب من عظم التعلق بالله والتصديق به وبجزائه وبحسابه وبالخوف والرجاء من الله، لما كان في قلبها كفر الله جل وعلا ما كان من سيئاتها. التصديق الذي يكون في القلب مع اليقين. ولهذا نرجع إلى الصورة الأولى، فمن الناس من يقول: لا إله إلا الله، لكن عندهم من الضعف في يقينه وتصديقه ما لا يستطيع أن يمسح وأن يكفر عن سيئاته. هذا الوجه الأول، فهؤلاء يدخلون النار. والشرط والوصف الثاني: أن أناس نعم قالوا: لا إله إلا الله، إلا أن السيئات كثرت ورجحت على الحسنات وطمست الحسنات، فحينها يدخل النار على شدة وكثرة ما فعل من القبائح والذنوب. هذا ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في حق من أتى بالتوحيد ودخل النار، فإنما يكون لأحد أمرين اثنين: إما ما قاله توحيده مع ضعف، وإما قال التوحيد لعا معك، لكن مع كثرة السيئات فلم ينتفع، فكان مآله إلى النار، لكن إلى أمد، وبعد ذلك يدخل الجنة. هذا ما نذكر -أخواني في الله- في شرح حديث عتبان رضي الله، والذي قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.