الدرس في شرح كتاب التوحيد 37، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المؤلف الآية الثالثة التي تدل على معنى لا إله إلا الله، ويبين أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. يُوضح ذلك من خلال قضية التحليل والتحريم وغلو النصارى في عيسى عليه السلام.
يؤكد النص على أهمية العبودية لله وحده وتحقيق معنى لا إله إلا الله، ويحذر من الافتتان بالعلماء والعباد ورفعهم فوق منزلتهم. يشير إلى ضلال اليهود والنصارى بسبب اتباعهم لعلمائهم وعبادهم.
يشرح المقطع معنى لا إله إلا الله ويبين أهمية إفراد العبودية لله وحده، ويحذر من الغلو في الأنبياء والرسل. يشير إلى اتفاق الشرائع على توحيد الله وإخلاص العبادة له.
يُحذر المقطع من جعل ند لله ويبين أن هذا حكم القرآن، ويشجع على قراءة القرآن وتأمل معانيه لفهم حقيقة النزاع بين الأنبياء والأعداء المكذبين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾، هذه الآية هو الدليل الثالث الذي يذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- لكي يبين لنا معنى لا إله إلا الله. ومن خلال الدليل الأول والثاني، والتي قد مضت معنا في دروس خلت، علمنا أن لا إله إلا الله تدور على معنى إفراد الله بالعبودية، فلا إله إلا الله أي لا معبود حق إلا الله. وننظر في هذه الآية الثالثة التي استدل بها المؤلف -رحمه الله تعالى- لكي نرى هل تدل على هذا الذي مضى. ففي قوله جل وعلا: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾، هذا الاتخاذ يذكره ربنا جل وعلا عن الأمم السابقة وعن الملل الغابرة أنهم اتخذوا أحبارهم، الأحبار بمعنى العلماء، فالأحبار جمع حبر، والحبر هو الذي تبحر في العلوم، يقال عنه حبر، وجمعه أحبار. والرهبان جمع راهب، وهو العابد، فالرهبان هم العباد. فقال العلماء في هذا الاتخاذ: إشارة إلى أمتين اثنتين، ألا وهما اليهود والنصارى. فاليهود ممن اشتهروا بالعلم، ولهذا كان عندهم الأحبار، عندهم التوراة والتلمود. وأما الرهبانية فقد كانت عند النصارى، إذ أنهم يكثر فيهم التعبد، فيهم العباد، فيهم من يذهب إلى الصوامع، فيهم الذي يعتزل الزواج فلا يتزوج، إلى الآن هكذا من كان من الباباوات أو من كان من القائمين على الكنيسة من الرجال والنساء لا يتزوجون، منقطعين في التعبد. فقول ربنا عز وجل: ﴿اتخذوا أحبارهم﴾ أي اليهود، و﴿اتخذوا رهبانهم﴾ أي النصارى، ما الذي اتخذوهم؟ قال: «أربابًا من دون الله»، جعلوهم أربابًا، جعلوهم آلهة من دون الله. والمفسرون عند هذه الآية يشيرون إلى أن المقصود بهذه الآية ما يتعلق بقضية التحليل والتحريم، وسنأتي على هذا المعنى في أبواب قادمة بإذن الله. لكن في معنى هذه الآية: أن اليهود والنصارى اتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله في قضية التحليل والتحريم، فكان من حق الحبر ومن حق الراهب أن يشرع لقومه ولأتباعه الحلال والحرام، فيتبعونه، فلربما شرع لهم تحليل الحرام فيتبعونه، فجعلوه المشرع من دون الله جل وعلا. قال: ﴿والمسيح ابن مريم﴾، أي والتقدير: واتخذوا المسيح ابن مريم كذلك، وهذا يعود إلى الأمة النصرانية؛ لأنهم هم الذين عظموا عيسى، بخلاف اليهود فإنهم حقروا من شأن عيسى، اليهود حقروا من شأن عيسى، بل طعنوا حتى في عرضه وطعنوا في عرض أمه. أما النصارى فقد غلوا، ففي قوله عز وجل: ﴿والمسيح ابن مريم﴾، أي وكذلك اتخذوا -أي النصارى- المسيح ابن مريم كذلك اتخذوه ربا من دون الله. وأما عيسى اتخذ ربا من دون الله، أي جعل آله من دون الله، فالنصارى تصرف له الطاعات وتصرف له العبادات، فجعلوه ندًا مع الله. فعندما يسمى بقضية التثليث: الأب والروح والابن، وفي فرقة أخرى التثليث عندهم: الأب والابن وروح القدس، فإما الأب والابن وروح القدس هو وجبريل، وإما الأب والابن ومريم يعظمون مريم، هذه فرقة ثانية أخرى. لكن عندهم التثليث، الشاهد في التثليث: الأب والابن، من الأب هو الله، من الابن هو عيسى، إذ يدعون أن عيسى هو ابن الله، تعالى الله عن هذا القول علوًا كبيرًا. وقالوا: اتخذ الله ولدا، فهم يعظمون عيسى لدرجة أنهم جعلوا عيسى في مرتبة الألوهية، فيعبدونه من دون الله جل في علاه. ثم قال سبحانه: ﴿وما أمروا﴾ أي هؤلاء وهؤلاء جميعًا، ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون. وتأمل يا عبد الله في قول ربنا عز وجل: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا﴾، وهو أن الله جل وعلا حقه أن يعبد لا سواه، وهذه هي كلمة لا إله إلا الله، وهو أن لا يعبد إلا الله. فمهما ذهب أهل البدع والضلال من سائر الفرق والأهواء إلى جعل معنى الإلهية والألوهية يدور إلى معنى من المعاني -كالخلق والرزق والإيجاد- فقد ضلوا ضلالا بعيدًا، إذ أن آيات القرآن لا تدل على ذلك، ولا يذهبون ويدلسون على خلق الله بأن هذا تفسير الوهابية -لا ما كان من تفسير الوهابية- عبد الله، بل هذا تفسير القرآن، والآيات صادحة بهذا. لأنهم لو تركوا التعنت ونظروا في القرآن لعلموا أن القضية الأولى والأخيرة التي من أجلها أوجد الله جل وعلا الخلق هي العبودية، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، والقضية التي بعث الله جل وعلا لأجلها الرسل وأنزل من أجلها الكتب هي العبودية، ﴿ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن اعبدوا الله﴾، هذه حقيقة التوحيد: إفراد الله جل وعلا بالعبادة. وما أمر الله اليهود والنصارى بمثل ما أمرهم بتحقيق لا إله إلا الله، فأمرهم بالعبودية، فقال سبحانه: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا لا إله إلا هو سبحانه وتعالى جل في علاه﴾. ثم قال جل سبحانه: ﴿سبحانه عما يشركون﴾، أي أن الله سبح نفسه، بمعنى قدسها، بمعنى نزهها. فربنا جل وعلا هو المنزه وهو المقدس، فالله ينزه عن كل سوء وعن كل نقص وعن كل عيب، ومن أعظم ما يكون فيه تنقيص الرب جل وعلا أن تجعل مع الله ندًا، هذا تقصير في حق الله جل وعلا أن تجعل مع الله ندًا. فينبغي عليك يا عبد الله أن تسبح الله، أن تنزه الله، ومن تنزيه الله أن لا تجعل مع الله ندًا ولا شريكًا. فهذه الآية في هذه المعاني، ومنها نستفيد عدة فوائد من هذه الآية، منها: أن تصور الربوبية والألوهية يمكن أن تكون في أعيان، يمكن أن تكون في أشخاص، ليس فقط الربوبية والألوهية تكون في الأصنام والأحجار. وندعو على هذه المسألة؛ لأننا نبتلَى من بعض الناس من لا يزال متحجرًا في هذا الباب، ويرى أن الكفار إنما كفروا لأنهم اتخذوا إلهًا من وثن أو من صنم فقط. قالوا: فقط هذا كذب، هذا كذب، هذا كذب على دين الله. فهذه الآية التي بين أيدينا أخبر ربنا جل وعلا أن اليهود والنصارى اتخذوا أربابًا، اتخذوا آلهة من دون الله، ومن الذين اتخذوا اتخذوا العلماء والعباد أشخاصًا، واتخذوا عيسى، ما اتخذوا أصنامًا ولا أحجارًا. فدل ذلك على أن تصور الربوبية والألوهية يكون ويكمن في أعيان وأشخاص. وفي هذه الآية كذلك التنبيه على عظيم خطر الافتتان بفئتين من فئات الناس، ألا وهم العلماء والعباد، فإن الفتنة بهما عظيمة. ويظهر عظيم الفتنة بهما فيما نراه فيما نراه من افتتان اليهود بعلمائهم، وما كان من فتنة النصارى بعبادهم. وهذا يوجد في مثل هذه الأزمان، تجد أن الناس لربما يعظمون من درجة العالم حتى يرفعونه عن منزلته وعن قدره. ويأتون عند عابد من العباد من اشتهر بالعلم والورع، من اشتهر بالعبادة والتعبد والزهد والورع، فيعظمون من شأنه ويرفعونه عن قدره، فلربما جعلوا لهم حق التشريع من دون الله جل وعلا. حتى ظهر عندنا في هذه الأزمان وفي تلكم الأزمان ما يكون من البدع والحوادث، من أين جاءت البدع؟ عن طريق العلماء وعن طريق العباد، فهذا من الانحراف العظيم. فيهما العالم نعم له قدره وله حقه، لكن قدره حقه في أننا نستمع إلى ما يعلمنا إياه وما يرشدنا إليه، هذا فضله، هذا حقه علينا بالاستماع إلى كلام العلماء، وأن نتبع أوامرهم، لأن نعتقد فيهم، أن نعتقد فيه بعباداته بطاعاته، ننظر هو كيف مع ربه في صلاته في تنفله، فنسير على ما سار ونخط خطاه، هذا العابد المتعبد، هذا حقهم علينا. لا أن نعتقد في هذا أو نعتقد في ذاته مع العلم، لا يظن الظان عندما نفرق الناس إلى قسمين: إلى عالم وإلى عابد، لا نفصل بين جنسين مختلفين، بل العالم لا بد له من عبادة، إلا أن العالم اشتغل بالعلم أكثر من اشتغاله بالتعبد، وأن العابد هو عابد لكن عنده علم، وإلا ما صحت له عبادة أصلا، العابد عنده علم، لكن اشتغالهم بالعلم بالعبادة أكثر من اشتغاله بالعلم. فهؤلاء هم الأحبار، وهؤلاء هم الرهبان. وفي هذه الآية كذلك بيان لمعنى لا إله إلا الله، ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا﴾، لا إله إلا الله، أن لا تعبد إلا الله، فعلت ذلك أنت المحقق لكلمة التوحيد، فقط حقق هذا الأمر، حقق يا عبد الله أن تكون العبودية لله، لا يزاحمه في هذا لا ملك مقرب، لا نبي مرسل، لا ولي، لا تقي، لا عالم، لا أحد، لا أحد يزاحم الله جل وعلا في باب العبودية. أنت محقق العبودية لله، فأنت الموحد، ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا﴾، هي لا إله إلا الله. وفي هذه الآية كذلك من الفوائد: النهي عن الغلو في الأنبياء والرسل، إذ أن النصارى غلت في عيسى في المسيح عليه السلام، والمسيح لقب لعيسى، واختلف العلماء في اشتقاق هذا اللقب، على عشرات الأقوال، على عشرات الأقوال في إطلاق لفظ المسيح على عيسى. إما بمعنى اسم الفاعل: أي أنه ماسح، أو على معنى المفعولية: أي أنه ممسوح، كل ذلك يدخل في وزن فعيل، فهو المسيح. ولعل في مقام آخر نستطرد ما يذكره العلماء في مسيح الهداية وهو عيسى عليه السلام. الشاهد من هذه الآية: التحذير من الغلو في الأنبياء، الأنبياء مع مقامهم ومع رتبتهم، إلا أن الشرع حذر من الغلو فيهم. النصارى عظموا عيسى، يرونه على أقل أحواله أنه نبي وأنه رسول، إلا أنهم رفعوه حتى جعلوه في مصاف الرب، أهؤلاء يمدحون على فعلهم؟ الجواب: لا، ما يمدحون، بل ذمهم الله، والسياق الآن يدل على الذم. وحتى تفهم يا عبد الله: ليس كل تعظيم تشكر عليه، ليس كل تعظيم تشكر عليه، لابد أن يكون التعظيم بحد شرعي ينضبط. أم أنك تعظم تعظم تعظم وتطلق العنان؟ كما قال بعضهم: «قل ما شئت، ودعي قل ما شئت في حق رسول الله، قل ما شئت، أظهر ما عندك من التعظيم لرسول الله، حتى أنك تمدح بكل مده»، لا يا عبد الله، ومن قال بهذا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد»، عبودية، فقولوا: «عبد الله ورسوله». وفي هذه الآية كذلك بيان على اتفاق الشرائع والأمم على قضية التوحيد؛ لأن الله ذكر عن اليهود والنصارى ما بهم، قال: ﴿وما أمروا﴾، من الذي أمرهم؟ أمرهم الله، عن طريق من؟ عن طريق الكتب، عن طريق الرسل، عن طريق الأنبياء، عن طريق من بعثهم الله من عنده، كل هؤلاء وكل الشرائع والرسالات اتفقت على توحيد الله، وما هو توحيد الله؟ إفراد الله بالعبادة، هذا أمر متفق عليه. فمن فسر التوحيد على غير هذا التفسير، فليعلم أنه خالف لا القرآن والسنة، بل خالف جميع الشرائع. وفي هذه الآية كذلك بيان لأهمية الإخلاص لله جل في علاه، وأن الله جل وعلا هو المعبود لا معبود لنا سواه، بذلك بصرف الطاعات والعبادات له. وبهذا إخواني في الله نعلم من الذي أراده المؤلف من إيراده لهذه الآية في قوله جل وعلا: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فدل على أن من جعل مع الله شريكًا، فما سبح وما قدس وما نزه الله عن الشركاء، بل جعل مع الله شركاء يتوجه إليهم بالعبودية؛ لأن الله أمر بالعبادة إليه، فإن جعلت مع الله معبودًا آخر، أنت ما قدست ربك. حكمك كما قال عز وجل: ﴿سبحانه عما يشركون﴾، هذا هو الشرك، هذا هو الشرك. واسمعها يا عبد الله: فمن جعل مع الله ندًا، من جعل مع الله شخصًا يعبده من دون الله ويشارك في العبودية، فقد وقع في الشرك، هذا ليس هو حكم الوهابية، بل هذا حكم القرآن، حكم القرآن. ف اقرأ القرآن يا عبد الله وتأمل معانيه، وانظر في دعوة نبيك عليه الصلاة والسلام، ستعرف حقيقة النزاع الذي قام بين الأنبياء وبين الأعداء المكذبين. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.