شرح كتاب التوحيد 64

شرح كتاب التوحيد 64

الدرس في شرح كتاب التوحيد 64، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في معنى النحر والذبح

يبدأ الشرح بتوضيح معنى النحر والذبح في الإسلام، ويبين أهمية توجيه النحر لله تعالى مستدلاً بآية "فصل لربك وانحر". يوضح الفرق بين النحر والذبح وتطبيقهما على مختلف الحيوانات.

تفسير آية "فصل لربك وانحر" واختلاف العلماء

يتناول المقطع تفسير آية "فصل لربك وانحر" ويبين اختلاف العلماء في تفسيرها بين كونها خاصة بصلاة العيد ونحر الأضاحي أو عامة تشمل كل الصلوات والذبح لله وحده.

أهمية الصلاة والذبح لله وحده

يشرح المقطع معنى الصلاة والذبح لله وحده ويبين أهمية هذه العبادات في شكر الله على نعمه، ويذكر أمثلة من السنة النبوية على ذلك.

ختام الحديث والتأكيد على أهمية العبادات

يختتم الشرح بالتأكيد على أهمية العبادات عند الله، ويتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه، ويختم بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، هذه الآية في معرض استدلال المؤلف رحمه الله تعالى على هذا الباب، باب ما جاء في الذبح لغير الله. وأورد معنا، كما في درس أمس، ما يتعلق بقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأشرنا إلى ما يتعلق بهذه الآية من عظيم شعيرة الذبح والنسك. ثم أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وهذه الآية فيها دلالة على عظيم مسألة النحر، وأنها تكون لله. فصل لربك وانحر لربك، والنحر -إخواني في الله- هي من العمليات التي تتم بها إزهاق روح البهيمة. والنحر صورته هو الطعن في اللبة، واللبة هي منتهى الرقبة. وهذا يفعل مع الحيوانات الكبيرة كالإبل؛ يؤتى برمح فيطعن بقوة في مكان اللبة في أسفل أو في نهاية العنق من الأمام جهة النحر، ثم تنزف هذه الإبل والجمال حتى تسقط. هذا هو قضية النحر، تكون مع الحيوانات كالإبل ونحوها. وهل يمكن أن يحل محل ذلك الذبح؟ نعم، إذا أمكن الذبح لا بأس. وأما الذبح وإمرار السكين على الرقبة، فالنحر طعن، أما الذبح فهو إمرار السكين على الرقبة. وهذا يتأتى مع البهائم الصغيرة كالأغنام ونحو ذلك. وأما الأبقار، فيمكن في حقها النحر ويمكن في حقها الذبح. وعلى كل، جاءت الأدلة؛ فالبقرة لأنها متوسطة الحجم قد تلحق بالإبل، فلا بأس أن يستخدم معها النحر. ولهذا جاء في رؤية نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «رأيت بقرًا تنحر»، كما جاء في الصحيح. قال عليه الصلاة والسلام: «ولقد رأيت بقرًا تنحر»، فدل على أن البقرة يستخدم معها النحر، وهو الطعن في لبتها حتى تنزف، أو يستخدم مع الأبقار الذبح، وذلك بنص القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، فدل على أن البقرة يستخدم معها الذبح، وقد يستخدم معها النحر. وعلى كل، العلماء يتوسعون في هذا الباب، فهذه الحيوانات من الأبقار والأغنام والإبل تستخدم في حقها النحر أو يستخدم في حقها الذبح، المهم إنهار الدم. الشاهد من هذه الآية أن الله جل وعلا قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. واختلف العلماء كذلكم في هذه الآية ما المراد منها على تفسيرين اثنين، وإلا تفاسير كثيرة في هذه الآية، لكن يهمنا في هذا المقام ذكر أشهر التفاسير التي أثرت عن سلفنا في تفسير هذه الآية. منهم من ذهب إلى أن هذا التفسير يتعلق بقضية خاصة، فهي صلاة خاصة ونحر خاص، هذا الذي انتدب الله إليه العباد. فما هي الصلاة الخاصة والنحر الخاص؟ قالوا: المقصود بهذه الآية صلاة العيد والذبح في يوم العيد. نعم، نقل عن جماعة من السلف، عن عطاء وعن عكرمة وعن جماعة من الأئمة، قالوا: إن الآية تتحدث عن صلاة العيد، يأمر ربنا عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصلي صلاة العيد «فصلي لربك»، ثم أمره بالنحر، أي ذبح الأضاحي. وقد ثبت ذلك في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى العيد نحر النحائر ونحر الأضاحي عليه الصلاة والسلام. فهذا هو تفسير لهذه الآية، وفي ذلك إشارة إلى فضيلة الأضاحي وأنها من العبادات المشروعة. بل إن من أهل العلم من ذهب إلى وجوب الأضحية، وإلا فمذهب الجماهير على أنها سنة مؤكدة. بل ذكر ابن القيم وجماعة من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن وصل المدينة حتى فارق الدنيا ما ترك الأضحية، دلالة على شدة استمراره على هذه الشعيرة العظيمة. إذن هذا التفسير الشهير لهذه الآية أن الصلاة والنحر يتعلق بيوم العيد، فصلاة العيد ونحر الأضحية. والتفسير الثاني لهذه الآية في قوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أن الآية على عمومها؛ فالمقصود أن الله جل وعلا أمرنا أن نصلي وهي الصلاة الفرائض وما كان من جنسها من النوافل والقربات، وأن نجعل هذه الصلاة لله جل في علاه. وأيضًا كذلك أمر ربنا جل وعلا بالنحر، أي بالذبح، وأن يكون ذبحنا لله جل في علاه، لا نرتجي سواه، لا نذبح لملك مقرب ولا إلى نبي مرسل. وهذا التفسير أثير عن ابن عباس وعن الضحاك وعن جماعة من أئمة السلف ومن أهل التفسير على أن الآية على عمومها ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. هناك تفسير آخر ينقل هذا عن علي رضي الله تعالى عنه أن المقصود ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي أنك تصلي لله وتجعل يديك إلى النحر في الصلاة، تجعل يديك إلى النحر في الصلاة. وجعل اليدين إلى النحر قيل: إنه مع تكبيرة الإحرام تجعل يديك إزاء نحرك «صلي وانحر» أي ارفع يديك مكبرًا تجعل يديك إلى إزاء النحر. وقيل: المقصود «فصلي لربك» أي صلي واجعل يديك اليمنى على اليسرى في جهة النحر. نعم، نقل هذا عن علي رضي الله تعالى عنه، لكن لم يدل عليه دليل صحيح. فالشاهد -إخواني في الله- فالأصل نبقى على عموم الآية أن الآية دالة على أن الإنسان إذا صلى فإن صلاته لله، وأنه إن ذبح أي ذبيحة كانت فإن ذبحها يكون لله جل في علاه. وأشرنا في درس أمس إلى أن من عظيم شأن شعيرة الذبح أن الله قرنها مع الصلاة «قل إن صلاتي ونسكي» أي وذبحي. وهنا ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ جمع ربنا بين هاتين العبادتين لعظيم شأنهما. بل قال جماعة من أهل العلم: إن من أخلص في هاتين العبادتين فما لسواهما أخلص؛ من أخلص العبادة في هاتين الشعيرتين فما لسواهما أخلص، وهم القمة في طاعة الله. فالصلاة من أعظم العبادات البدنية، والنحر من أعظم العبادات المالية كما أوضحنا في درس أمس. وكذلك من فوائد هذه الآية أن هذه الآية جاءت في مقام الامتنان؛ بداية الآية ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، امتن الله وحب الله نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه النعمة العظيمة، إذ وعده ربنا جل وعلا بنهر عظيم وهو الكوثر، والذي يصب منه ميزابان إلى الحوض المورود. فلما أشعره ربنا عز وجل بعظيم إنعامه عليه لماذا أمره؟ أمره بالشكر. فماذا قاله؟ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قال العلماء: فيه إشارة إلى أن من عظيم شكر الله على نعمه أنك -يا عبد الله- تكثر من الصلاة وتكثر من الذبح. وبدلالة هذه الآية لما أشعر ربنا نبينا بأن الله أنعم عليه بالكوثر بهذا النهر الجاري أمره بأن يشكر ربه وذلك بآداء هاتين الشعيرتين. وكان نبينا كذلك، فقد كان عليه الصلاة والسلام يصلي ويقوم الليل قيامًا طويلًا، حتى إذا ذكر له ذلك قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»، جعل أن مقام الشكر يكون بأداء الصلاة، فدل على أن كثرة الصلاة شكر منك لله جل في علاه. وهكذا الذبح؛ الذبح -يا عبد الله- لو تنظر في الشريعة تجد أنها يؤتى بها في مقام شكر الله على نعمه؛ أنت إذا رزقك الله بمولود فشكرك لله بأن تذبح العقيقة، وإذا من الله عليك بأيام الأعياد شرع الله لك أن تذبح الأضحية، وإذا يسر الله لك المنسك الحج فكنت من حجاج بيت الله فيشرع لك ماذا؟ الهدي. فتجد أن مقام الذبح يكون في المناسبات، دل على أن من أعظم ما يشكر به الرب سبحانه وتعالى أنك تذبح لله لا لغيره ولا لسواه. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كان عليه الصلاة والسلام كثير الصلاة كثير الذبح. فهذا دلالة على عظيم مقام هاتين العبادتين عند الله جل في علاه. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.