الدرس في شرح كتاب التوحيد 118، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع شرح حديث ابن عباس في لعن الرسول صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والخلاف حول صحة الحديث وتفسير معنى اللعن. يُبرز أهمية فهم سياق الحديث وتأويلاته المختلفة.
يناقش المقطع حكم زيارة المرأة للقبور ويُبين الضوابط الشرعية لذلك. يُوضح أن الزيارة تجوز إذا كانت للذكرى والصبر، وتُمنع إذا اقترنت بمظاهر غير شرعية.
يُركز المقطع على تحريم اتخاذ السرج والإضاءات على القبور تعظيماً لها، ويُعتبر هذا الفعل من كبائر الذنوب لما فيه من ابتداع في الدين. يُفرق بين الإضاءة للتعظيم والإضاءة لحاجة.
يُعلن الشيخ عن دورة قادمة ومتاحة للجميع، ويستأنف الدروس بعد انتهاء الدورة. يطلب من الله النفع بما تعلموا ويختم بالصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى- عن ابن عباس قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج»، رواه أهل السنن. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث تحت هذا الباب: باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله، وختم هذا الباب بحديث ابن عباس، والذي فيه: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». من أوائل مسائل هذا الباب وما يتعلق بهذا الحديث بالذات ما يتعلق أولًا بصحته، إذ أن العلماء اختلفوا في هذا الحديث صحةً وضعفًا، فمن أهل العلم من هو على تصحيحه، ومنهم من هم على تهوينه وتضعيفه. وذلك أن هذا الحديث مداره على أبي صالح عن ابن عباس، وتم الخلاف من أبي صالح هذا، فإن كان باذام فهو ضعيف، وجمهور العلماء على تضعيفه، ولهذا جنح جماعة من أهل العلم يضعف وعف الحديث، كالإمام مسلم -رحمه الله تعالى- وهكذا صاحبه، نهج السديد، وهكذا العلامة الألباني، وجمع من العلماء على تضعيف الحديث. وإن كان هذا الراوي أبو صالح ليس باذام فهو راوي آخر وهو ثقة، وهو ثقة، ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى تحسين حديثه، كالإمام الترمذي والإمام البغوي، وهكذا الإمام الحاكم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعات من العلماء. فالشاهد أن هذا الحديث اختلف العلماء من حيث الإسناد بين ضعفه وتحسينه، لكن مفردات هذا الحديث قد دلت عليها الأدلة، مفردات هذا الحديث قد دلت عليها الأدلة كما سيأتي معنا. قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنه-: «لعن رسول الله»، اللعن هو الطرد من رحمة الله الخاصة، الطرد من رحمة الله خاصة، وهذا إشارة إلى أن فاعل هذه الأمور هو مطرود من رحمة الله، وهذه إشارة إلى أنه قد اقترف كبير من كبائر الذنوب، كبير من كبائر الذنوب. قال عليه الصلاة والسلام: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور»، هذه الخصلة الأولى زائرات القبور، وهي المرأة التي تذهب إلى المقبرة لكي تزور قبرًا لها لأهلها لزوجها لأبنائها إلى غير ذلك، فهذا الفعل من الكبائر. لكن في قوله عليه الصلاة والسلام: «لعن رسول الله زائرات القبور» هنا هذه الزيارة تحمل على الإكثار منها، على الإكثار منها، لأنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم «لعن زوارات القبور»، وهذه اللفظة صحيحة، هذه اللفظة صحيحة يحسنها جماعة من أهل العلم كالإمام الترمذي والألباني وجماعة، فهي تفسر لفظة زائرة. فالمقصود بلعن زائرات القبور هنا النسوة التي من صفتهن أنهن يكثرن من الزيارة لحديث «لعن الله زوارات»، وهذه صيغة مبالغة، فالمرأة إذا كانت من طبيعتها الإكثار يقول: لا يا أمة الله لا تكثري لا تكثري من الزيارة، وإنما قل لي قدر الإمكان. وهنا تأتي مسألة ألا وهي هل معنى هذا أن المرأة لو زارت القبور أحيانًا هل في ذلك شيء؟ نعم، وقع الخلاف بين العلماء في مسألة المرأة إذا أرادت أن تزور مقبرة ما هل لها ذلك أم لا؟ على خلاف، وجمهور العلماء على الجواز، وجمهور العلماء على الجواز. وأنا لا أرى بأسًا للمرأة إذا أرادت أن تذهب إلى مقبرة للزيارة فلا بأس بذلك، والأدلة تدل على ذلك، منها ما جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «إني قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»، نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، هنا في قوله: «ألا فزوروها» النداء لمن؟ النداء عام، النداء عام يشمل الرجال والنساء والذكور والإناث، ما هناك تخصيص، ما هناك تخصيص. فقوله: «ألا فزوروها» دل على الكل، وأيضًا في قوله في نفس الحديث: «فإنها تذكر بالآخرة»، أي زيارة القبور تذكر الآخرة، هذه العلة يشترك فيها الرجال والنساء، فالرجل إذا زار القبور تذكر الآخرة، وهكذا المرأة إذا زارت القبور فإنها تتذكر الآخرة، فالعلّة مشتركة بين الرجال والنساء. فالدليل الأول الدليل الثاني مما يستدل به على جواز زيارة المرأة للقبور ما جاء في صحيح مسلم أن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «يا رسول الله إذا مررت بالقبور ماذا أقول؟» ماذا أقول؟ فأرشدها نبينا عليه الصلاة والسلام إلى دعاء دخول المقابر، إلى دعاء دخول المقابر. فعائشة تسأل حول المرور، قد يكون مرور عبور، وقد يكون مرور دخول، والنبي ما استفصل معها ما قصدها، وإنما أعطاها بالإجابة العامة، دل على المرأة متى مرت على مقبرة، مرت على قبر، سواء كانت عابرة أو كانت داخلة، فالحديث يشمل الكل، يشمل الكل، فالنبي علّمها وما استفصل معها. وكذلك مما يدل على جواز زيارة المرأة للقبور ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتلك المرأة التي كانت تبكي عند قبر لصبي مات لها، تبكي عند قبره، عند قبره، فلما سمع نبينا ما كان من بكائها قال لها: «اتق الله واصبري»، اتق الله يا أمة الله واصبري، فأمرها بالصبر، لأن ما يجوز الزيارة لا أمرها بالقيام وانت انصرف وتذهب من هذا المكان، لكن أمرها بأن تتمالك نفسها، اتق الله واصبري. فدل ذلك على أن هذا مما دلت عليه الأدلة الشرعية على جواز ذلك، لكن بالقيود والضوابط الشرعية، فإن وجدنا أن امرأة ما علم منها أولًا أنها تكثر من الزيارة فهذا لا يجوز، لصحة الحديث «لعن الله زوارات القبور»، تمنع من الزيارة. أو علمنا من أن امرأة قد تزور القبور أحيانًا لكنها إن زارت خرجت عن طوعها وعن طورها وعن رشدها فأصبحت بها تنوح وتبكي وتلطم الخدود وتشق جيوب، هنا تمنع بدليل هذه المرأة، مع أن النبي ما منعها من الزيارة لكن منعها من هذا الوصف الذي هي تلبست به، اتق الله واصبري، لما رأى ما كان من نحيبها وبكائها. ولهذا فالمرأة على القول بالجواز بالزيارة، لكن تتقيد بهذه القيود، أن لا تكثر، وكذلك أن لا تخرج عن الزيارة الشرعية بفعل ما لا يليق. إذن هذه الخصلة الأولى في قول نبينا «لعن رسول الله زائرات القبور»، فهذا يحمل على اللفظة الثانية وهي أصح على أنها الزوارات والتي تكثر من الزيارة، فلا يشرع للمرأة ذلك. قال: «والمتخذين عليها المساجد»، وهذا المراد من إيراد المؤلف لهذا الحديث، «والمتخذين عليها المساجد»، ما بهم هؤلاء لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لعن نبينا الزائرات وهن الزوارات، ولعن كذلك المتخذين المساجد على القبور، فهؤلاء لعنهم نبينا عليه الصلاة والسلام. والأدلة قد مضى معنا منها الكثير الذي يدل على أن هذا الفعل من كبائر الذنوب، منها ما مضى معنا في حديث أمس في قول عليه الصلاة والسلام: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ومر معنا في حديث ابن مسعود قال عليه الصلاة والسلام: «إن من شرار الخلق عند الله من تدركهم الساعة ومن اتخذوا القبور مساجد»، ومن شرار خلق الله هذا الصنف الذي يتخذ على القبور مساجد، والأدلة كثيرة جدًا تدل على أن فاعل هذا الفعل ماذا؟ مطرود من رحمة الله. لذا الحديث أن النبي لعنه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والسرج»، أي متخذين على القبور السرج، السرج هي وصف مما كان عليه الأوائل من مسألة الإضاءة، إذ أن الإضاءة كانت تكون بالسرج أو ما يسمى بالقناديل، تولع وتشعل فتكون محل الإضاءة والإنارة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لعن هنا من اتخذ ذلك عند القبور، أن يتخذ عليها السرج، أن يتخذ عليها السرج، يتخذ عليها الإضاءات، يتخذ عليها الأضواء، وقس على ذلك هذه الأشكال من أشكال الأنوار. وطبعًا على صحة الحديث على من يقول بتحسينه فلا إشكال عنده على أن هذا لا يجوز وأنه من كبائر الذنوب، بل هذا حتى على مذهب الشافعية كما صرح بذلك ابن حجر الهيتمي -رحمه الله تعالى- عندما تحدث في كتابه «الزواجر عن اقتراف الكبائر» ذكر هذه الموبقة، ذكر مسألة ماذا؟ مسألة اتخاذ على القبور السرج، فقال -رحمه الله تعالى- في نهاية بحثه فقال: «فلا يبعد أن يكون هذا كبيرًا»، أن يكون هذا كبيرًا، هذا من أعظم ما توصف به المعصية أن تكون كبيرة من كبائر الذنوب. فهذا مما علمناه في مذهب الشافعي من الشافعي على تحريم هذا الصنيع، وأن تتخذ على القبور المساجد والسرج والإضاءات. وعلى من يقول بتضعيفه يرى تضعيف هذا الحديث، فويرى كذلك المنع، وذلك إذ أن هذه الإضاءة التي تكون هنا وهنا في القبور إنما يكون نوع من أنواع التعظيم، نوع من أنواع التعظيم لهذه القبور، وهذا من الابتداع في الدين ما أنزل الله به من سلطان. تعظيم واضح، تدخل إلى بعض القبور وهي محل الظلمة فتجد هناك ضوء يلمع، فإذا أردت أن تتتبع هذا الضوء تجد وينتهي إلى ضريح، لماذا هذه الإضاءة لهذا الضريح بعينه؟ التعظيم، التعظيم والإشادة والإشارة. وقد ذكر ذلك كثير من العلماء، حتى أن كثيرًا من الأعراب والبدو كانوا يفتنون بمثل هذه القبور والأضرحة لما يرون من الإضاءات والسرج عليها، كما نبه إلى ذلك الإمام الصنعاني وغيره من العلماء، أن أهل البوادي أهل الجهل كانوا يتأثرون بهذه القبور لشدة ما يرون فيها من الإضاءات والسرج. فصرف النظر عن التعظيم لهذا لا يجوز، زد على ذلك أن فيها إضاعة للمال، من هذا الذي ترى ينتفع من الأضواء والأنوار في قبور، لا هناك زوار ولا هناك ساكنون أحياء، فهو عبث وهو عبث. ولهذا على صحة الحديث فالاتخاذ السرج واضح الدلالة على منعه، وعلى تضعيف الحديث وهو كذلك يمنع لأنه باب من أبواب التعظيم، زد على ذلك أنه باب من أبواب الإسراف. واتفق الجميع على أن الإضاءة إذا كانت لحاجة فلا بأس، إذا كانت الإضاءة لحاجة، مثل تكون هناك جنائز بعد صلاة العشاء فيذهب الناس، فلو كانت هناك ظلمة ما استطاع الناس أن يشيعوا الجنازة، لا وقع تصادم أو وقع دوس على القبور أو هناك الشوك الذي مؤذي للمشيعين، ولهذا تنار القبور حينها، الإنارة هنا ليس لذات القبور وإنما للمشيعين. فرق يا عبد الله بين الأمرين، فرق يا عبد الله بين الأمرين، فإذا كانت الإضاءة لهذا الحد فلا بأس، ولهذا النهي إنما يكون إذا خرج مخرج التعظيم لبعض القبور والأضرحة كما يفعل في بعض الأزمان. هذا إخواني في الله خلاصة ما يتعلق بهذا الحديث الأخير الذي ختم به المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الباب في أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. وقد أسلفنا فعلى ضعف الحديث فإن لمفرداته شواهد تدل على صحة معناه. وإن شاء الله إخواني في الله الباب الآخر وهو الذي بعده سنؤخر الدخول والولوج فيه إلى أن تنتهي الدورة الصيفية، وهذه مناسبة أني أعلن عن افتتاح الدورة الصيفية المعتادة المقامة في هذا المسجد المبارك في كل سنة استغلالًا للإجازة الصيفية. وإن شاء الله هذه الدورة ستبتدأ من يوم السبت أي بعد يومين بإذن الله، وستكون للصغار والكبار في النهار والظهر والمساء، وسيأتي البرنامج في حينه وسيذكر في أوانه، فإن شاء الله ما بعد الدورة سنستأنف الدروس في هذا الكتاب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.