الدرس في 11 فضائل الأعمال في شهر الصيام - الصلاة على النبي، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث عن أهمية الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفضائلها، حيث تعتبر عبادة عظيمة يتقرب بها العبد إلى الله. يستدل بآيات القرآن وأحاديث النبي التي تبين فضل الصلاة عليه.
كثرة الصلاة على النبي لها فضائل عديدة منها مغفرة الذنوب وإزالة الهم والغم وتقريب العبد منه يوم القيامة. ينبغي للمسلم أن يكثر من الصلاة على النبي في جميع الأوقات والأحوال.
يستحب الإكثار من الصلاة على النبي في أوقات معينة مثل يوم الجمعة وعند الدعاء وعند ذكر اسمه. كما يشدد على أهمية قراءة الورد القرآني وفضائلها، ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من فضائل الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها أهل الإسلام، وخصوصًا من كان من أهل الصيام لاغتنام مثل هذه المواسم التي تتضاعف فيها الأجور والحسنات، ما يكون من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. مر معنا ما يتعلق بالعبادات اللفظية القولية، ما يكون من قراءة القرآن، ثم ما كان من بيان مسألة ذكر الله جل وعلا، ومما يذكر كذلك من العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه عن طريق لفظه ولسانه، ما يكون من كثرة صلاته على النبي عليه الصلاة والسلام. فإن ذلك من العبادات العظيمة ومن القربات الجليلة التي جاءت الشريعة بجعلها عبادة يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى، وهو إيفاءً لبعض حق نبينا عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة المحمدية، وذلك بأن نكثر من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. وإن مسائل الصلاة على الرسول صلوات ربي وسلامه عليه كثيرة متكاثرة، وإنما يهمنا في هذا المقام البيان لفضيلة هذا العمل الذي للأسف أن نجد أن الكثير من الناس من لربما استهان به، بل ربما ما بالى به وما جعله عبادة عظيمة فضلا أن يتقرب إلى الله بها. إخواني في الله، لو لم يكن من فضل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام إلا ما جاء في قوله جل وعلا ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فربنا جل وعلا سبحانه يصلي على نبيه، فما ظنك بنفسك والملائكة عباد الرحمن هم كذلك يتوالون على الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؟ فما ظنك بأنفسنا؟ فإذا كان هؤلاء وهم من هم -الملائكة- وقبل ذلك رب العزة جل وعلا يصلون على النبي ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذا هو دورنا أننا نسير على هذا المنوال ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، نكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال جماعة من أهل العلم: «إن من فضائل الصلاة على النبي أنك تمتثل أمر الله، تمتثل أمر الله، وهذه فضيلة أنك ما تصلي على رسوله إلا لأن الله أمرك وحثك وأرشدك ورغب إلى ذلك». كذلك مما يذكر من فضائل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ما يكون من رفعة الدرجات والتكفير عن الذنوب والسيئات. ولهذا جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات ورفع بها عشر درجات». هذا في حق من صلى على النبي عليه الصلاة والسلام، كم من غفير لا صلاة واحدة؟ بنص الحديث «من صلى علي صلاة واحدة» يقابلها «يصلي الله جل وعلا عليك عشر صلوات ويحط عنك يا عبد الله عشر خطيئات وهكذا ترفع عشر درجات في الجنان»، هذا في حق من صلى صلاة واحدة، فما ظنك بالذي يكثر، بالذي يكثر ويجعل من ورده ليل نهار كثرة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؟ فحينها تتخيل عظيم الأجر الذي تتحصل عليه. كذلك من فضائل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ما يكون من إزالة الهم وكشف الغم ورفع الحرج من الصدور. كم من أحد لربما يعاني من هذه الهواجس النفسية التي تختلج صدره من الضيق والهم والغم والكرب؟ أكثر يا عبد الله من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك يخفف كثيرًا مما يكون من همومنا وغمومنا. جاء أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: «يا رسول الله إني لأكثر من الصلاة عليك، كم أجعل لك من صلاتي؟» أي من ذكري ووردي ودعائي، قال عليه الصلاة والسلام: «ما شئت»، قال: «الربع؟» قال عليه الصلاة والسلام: «إن شئت وإن زدت فهو خير لك»، قال: «ما شئت»، أي تريد ربع من أذكارك وأورادك تذهب صلاة علي؟ افعل ذلك، قال: «وإن زدت فهو خير لك». فلما رأى أبي بن كعب أنه مخير بالزيادة، قال: «يا رسول الله فالنصف؟» قال: «الشطر»، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك زد»، فقال: «يا رسول الله فالثلثين؟» أي اجعل لك من الصلاة والدعاء والورد ثلثين من ذكري يذهب صلاة عليك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «ما شئت وإن زدت فهو خير لك»، فقال: «يا رسول الله إذن أجعل صلاتي لك كلها؟» أي كل وردي أجعل صلاة عليك «اللهم صلى على محمد» أجعله كله لك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إذن يغفر لك ذنبك ويكفيك الله ما أهمك»، يصححه الألباني: «يغفر لك ذنبك». فمغفرة الذنوب يمكن أن تتحصل عليها بكثرة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. كذلكم ما يكون من مسألة إزالة الهم والغم الذي يكون في الصدور، قال: «إذن يكفيك الله ما أهمك». وكم من واحد منا لربما يقع في نفسه من الهم والغم ما الله به علم؟ أكثر يا عبد الله، تجد الراحة راحة النفس وانشراح الصدر بكثرة الصلاة عليه صلوات ربي وسلام عليه. كذلكم يا عبد الله من فضائل الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ما يكون من بركة المجالس. بركة المجالس تكمن في كثرة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «أيما قوم جلسوا مجلسًا فأطالوا فيه الجلوس ثم تفرقوا ولم يذكروا الله أو يصلوا عليه إلا كان عليهم تيرة يوم القيامة»، تيرة بمعنى حسرة، هؤلاء سيعضون على أصابع الندم في هذا المجلس الذي طال بهم ولم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيه. فدل ذلك على أنه لو صلوا على رسول الله في هذا المجلس لكان هذا المجلس مباركًا ينفعهم الله به، أما أن مجلسًا يطال به الحديث ويعرى عن ذكر الله ولا يذكر فيه الصلاة على النبي، كان على أصحابه تيرة وحسرة يوم القيامة. من فضائل كذلك كثرة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أن الصلاة على النبي تعرض عليه، يعرف النبي من هذا الذي يصل عليه كما جاء من حديث أوس بن أوس، قال عليه الصلاة والسلام: «فإن صلاتكم علي معروضة»، فإن صلاتكم علي معروضة، فتعرض صلاتنا عليه صلوات ربي وسلامه عليه، فأكثر يا عبد الله حتى تعرض صلاتك فيعرفك نبينا بكثرة بصلاتك عليه. كذلك من فضائل كثرة الصلاة على النبي أنك تكون من أقرب الناس برسول الله، من أقرب الناس برسول الله، لما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثركم علي صلاة». ذكر شراح الحديث أن من معاني الأولوية بالنبي عليه الصلاة والسلام أنك تكون من أقرب الناس إليه مجلسًا ومنزلة، لما كان من حبك وتعظيمك وإجلالك بنبيك عليه الصلاة والسلام، فلا زلت تذكره ليل نهار صباح مساء، فيرفع الله من منزلتك فتكون من أولى الناس برسول الله، من أحق الناس بنبيك لأنك قد أكثرت من ذكره أكثرت من ذكره عليه الصلاة والسلام. فالشاهد إخواني في الله، الفضائل كثيرة جدًا، وقد ألف العلماء المؤلفات والمصنفات في تتبع الفضائل التي جعلت في حق من أكثر من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. هنا مسألة إخواني في الله أشير إليها إشارة، وهي ما هي الأماكن التي ينبغي أنك تكثر من صلاتك على نبيك؟ الأصل أنك يا عبد الله لا تتقيد بزمن، هذا ورد متاح لكل أحد، للصغير والكبير والذكر والأنثى، في حلك وترحالك، في ليلك ونهارك، في صبحك ومسائك، أكثر من الصلاة عليه، أنت قائم، أنت جالس، أنت ماشٍ، اجعلها ورد «اللهم صلى على محمد»، «اللهم صلى على محمد»، «اللهم صلى»، تكثر كما مر معنا في قضية التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. كذلك اجعل من وردك الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، اجعلها في أي وقت وفي أي حين، إلا أن الشريعة دلت على أماكن، هذه الأماكن اعتني بها، اجعل لها مزية، اجعل لها أولوية في أنك لابد أن تتحرى الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المقام. من هذه الأماكن وهي كذلك كثيرة، لكن حسبي أن أذكر بعضًا منها: عند الأذان، عند الأذان إذا انتهى المؤذن من أذانه وأحببت أنك تأتي بالذكر الذي بعد الأذان، ابدأ بالصلاة على النبي، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أذن المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي»، بعدما تنتهي من الترديد صل على نبيك، قال: «ثم صلوا علي وسلوا لي الوسيلة»، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشر، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو. ولهذا فالذي يشرع بعد ترديدك للأذان «اللهم صل على محمد»، تأتي بالصلاة على النبي، ثم تأتي وتسأل الله الوسيلة. كذلك من الأماكن إخواني في الله ما يكون من الإكثار به يوم الجمعة، أيام الأسبوع كما تدخل في العموم في أي يوم، لكن في يوم الجمعة أكثر، أكثر من الصلاة على نبيك عليه الصلاة والسلام، كما جاء من حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أفضل أيامكم»، في رواية «إن من خير أيامكم يوم الجمعة»، فيها خلق آدم، الحديث، قال: «وأكثر علي فيه من الصلاة علي»، وأكثر فيه من الصلاة علي، فدل ذلك على أنك في هذا اليوم احرص على أنك تكثر من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. كذلكم يا عبد الله من الأماكن عند الدعاء، عند الدعاء أنت تدعو الله جل وعلا ترفع أكف الضراعة إلى الله، هنا حاول أنك في أثناء الدعاء أنك تجعل شيء من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي عليه الصلاة والسلام»، كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي عليه الصلاة والسلام. ومن هنا ذكر العلماء أن من أسباب إجابة الدعاء أن يكون هذا الدعاء فيه الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ومما يدل على ذلك ما جاء في السنن من حديث فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يدعو لكنه لم يمجد الله ولم يصل على نبيه، فعلم نبيه بدعاء الرجل، فأشار إليه «عجل هذا، عجل هذا»، أي عجل في دعائه وما استكمله، ثم دعاه، قال: «إذا صلى أحدكم»، هنا صلى بمعنى دعاء لأن الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، قال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله»، وفي لفظة «بتمجيد الله»، «ثم ليصلي علي»، قال: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء»، لتخير من الدعاء ما شاء، فدل ذلك على أن من آداب الدعاء، ونحن في هذا الزمن الفاضل، ما من أحد إلا وهو يلجأ ويلح على ربه بالدعاء، إذا أردت أن الدعاء يكون قاب قوسين من الإجابة أكثر فيه من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا ما هي أين يكون الصلاة على النبي وأنت تدعو؟ ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ثلاثة مواضع في الدعاء هنا اجعل فيها الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. الموطن الأول في أوله، أول ما تدعو تمجيد تحميد ثناء على الله «اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد»، تبدأ بعد التحميد تصلي على نبيك، تبدأ من أوله، هذا وجه. الوجه الثاني أنك تبدأ الدعاء بالصلاة وتختمه بالصلاة، كما بدأت بالتحميد بتحميد الله وتعظيمه ثم الصلاة على النبي، تدعو بما شئت، أي تجعل الطلب وسط، ثم إذا انتهيت «اللهم صلي على»، تجعل الخاتمة صلاة على نبيك عليه الصلاة والسلام. الصورة الثالثة أنك تجعل الصلاة على النبي في الأول وفي الآخر وفي الوسط، أي أنك تشبع الدعاء صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، أو متابع يديك تحميدًا وتعظيمًا للباري جل في علاه، صلي على نبيك، ثم اطلب «اللهم اغفر لي»، «اللهم اقضِ»، صلي على نبيك، اجعل فترة، صلي على رسول الله، انتهيت، كمل ما تريد، ثم إذا وصلت الخاتمة هنا اختمها بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فإنك إن فعلت ذلك كما قال جماعة من أهل العلم أن هذا الدعاء لا يكاد يرد، لا يكاد يرد، طبعًا إذا اجتمعت الشروط الأخرى من الخشوع والخضوع وعلى غير ذلك من الصفات التي تقبل لإجابة الدعوة. وهذا إخواني في الله من المواطن التي ينبغي أن نحرص عليها خاصة، والأماكن كثيرة، لكن هذا من أهمها وأعظم مكان، بل ربما أوجبه جماعة من العلماء إذا سمعت اسمه عليه الصلاة والسلام، هذا من أشد الأماكن التي ما ينب، ها نحن في هذا المجلس قال: «رسول الله صلى عليه»، «صلي عليه»، إذا قرأت كتابًا مر عليك، وقال النبي «صلي عليه». ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «البخيل البخيل من ذكرت عنده فلم يصلي علي»، هذا قمة في البخل، حبيبك نبيك قدوتك صلوات ربي وسلام عليه يمر اسمه على أذنيك ولا تصلي عليه؟ هذا بخل. ولهذا من الأهل علماء أوجب، ومنهم من يستحب، وهذا مذهب جمهور العلماء على الاستحباب، لكن الاستحباب مؤكد، فإذا مر عليك اسم النبي عليه الصلاة والسلام فصل عليه صلوات ربي وسلامه عليه. هذا إخواني في الله أهم المسائل المتعلقة بهذه الشعيرة العظيمة وبهذا الورد الذي جاءت به الشريعة ترغيبًا وحثًا عليه، وكم هي الفضائل والمناقب التي جعلت لأصحابها. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.