الدرس في تفسير سورة الضحى من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المؤلف في تفسير سورة الضحى، موضحًا معانيها ومقاصدها، ويتناول موضوع التكبير بعد قراءتها، ويشير إلى ضعف الحديث المتعلق بهذا الأمر. كما يشرع في شرح الآيات الأولى، ويوضح معنى القسم في القرآن وأهمية الضحى.
يشرح المؤلف الآيات من سورة الضحى، ويبين سبب نزولها، ويُفسر القسم بالضحى والليل وما يرتبط بهما من معان، مؤكدًا أن الله لم يترك نبيه ولم يبغضه.
يؤكد المؤلف على عناية الله بالنبي محمد منذ بعثته، ويبين أن الآخرة خير له من الأولى، وأن الله سيعطيه حتى يرضى، مستدلًا بحديث صحيح مسلم الذي يظهر شفقة النبي على أمته.
يشير المؤلف إلى وعد الله لنبيه محمد بأنه سيُرْضِيه في أمته، ويُنهي الحديث بعبارة دالة على التوقف عند هذا الحد مع الدعاء للنبي بالصلاة والسلام.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة الضحى مكية، وآياتها إحدى عشرة آية. عودا إلى دروس التفسير، وها نحن مع سورة الضحى، بتتبع ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من شرح الكلمات والآيات. فقال رحمه الله تعالى: سورة الضحى، هذا اسمها في أكثر المصاحف، سميت بسورة الضحى، وجاءت في السنة النبوية باسم «والضحى» بإضافة الواو، وذلك حين قال نبينا صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «أين أنت من سبح اسم ربك الأعلى والضحى»، وذلك حين رأى معاذًا رضي الله تعالى عنه أطال جدا في الصلاة. قال: «والضحى» إذن تسمى بسورة الضحى وتسمى أيضا بسورة «والضحى». قال رحمه الله تعالى: مكية، مضى معنا تكرارا ومرارا أن سور المكية ما نزلت قبل الهجرة، وأما سور المدنية ما نزلت بعد الهجرة. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَلَمَّا نَزَلَتْ كَبَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم آخِرَهَا فَسُنَّ التَّكْبِيرُ آخِرَهَا وَرَوَى الْأَمْرُ بِهِ خَاتِمَتَهَا وَخَاتِمَةُ كُلِّ سُورَةٍ بَعْدَهَا وَهُوَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ﴾، هذه فائدة ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى بين يدي تفسير هذه السورة، وهو أمر حكم عليه بالاستحباب والاستنان، فيُسَنَّ التَّكْبِير متى؟ بعد أن تقرأ سورة الضحى، يُشرع لك أن تقول: الله أكبر، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ثم ما بعدها من السور التي تتتابع، فإن بعد أن تختمها تُكَبِّر، هذا التكبير مشهور عند بعض القراء، ولعل بعضكم لربما إذا سمع من بعض القراء في المصاحف إذا قرأوا يأتون بالتكبير من بعد الضحى يُكَبِّرون. ما سر هذا التكبير؟ هذا المبحث وهو أنهم اعتمدوا على بعض الأحاديث التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُكَبِّر من بعد الضحى إلى النهاية. لكن هذا الحديث إخواني في الله المروي في هذا الباب لا يصح، فهو من طريق أحمد بن محمد بن عبد الله البزي، وإن كان له قراءات قرآنية، لكنه في الحديث ضعيف، لا يعول عليه الإمام أبو حاتم رحمه الله تعالى ضعفه، وقال: لا أحدث عنه. وأما الإمام العقيل رحمه الله تعالى قال عنه: منكر الحديث. فإذا كانت الأسانيد كلها تعول وتؤول إلى هذا الرجل محمد بن عبد الله البزي، وهذا حكمه عند المحدثين، فما يُؤتى من قبله من الأحاديث والأثار لا تنهض للحجية. ولهذا نرى خلاف ما رآه المؤلف، ونقول: لا يُسن التكبير. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالضُّحَى﴾ أي أول النهار أو كله. والضحى مضى معنى تكرارا أن هذا الأسلوب القرآن يُسمى بأسلوب القسم، فربنا عز وجل الآن يُقسم سبحانه. ومن فوائد هذا الأسلوب أولا أن نعلم أن الله جل في علا يُقسم بما شاء من خلقه ومخلوقاته، وليس لأحد مننا أن يُقسم بشيء منها، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت. أما الله سبحانه وتعالى يحلف بما شاء. ثانيا من فوائد القسم على أن هذا المُقسم به كما قال العلماء أن الله ما أُقسم به إلا لعظمته أو لكثرة منفعته، فهذا الشيء المخلوق الذي أُقسم به الرب عز وجل إنما له ميزة من سائر المخلوقات. فقال: ﴿وَالضُّحَى﴾ بيان لشرف الضحى. بقي ما الضحى المقصود هاهنا؟ المؤلف أشار إلى قولين اثنين، قال: أي أول النهار أو كله. العلماء اختلفوا في الضحى المروي في هذه الآية، ما المقصود به؟ هل هو أول النهار؟ أول ما تشرق الشمس هذا الضحى. منهم من ذهب إلى هذا، وفي ذلك إشارة إلى شرف هذه الفترة، لأن وقت الضحى هو وقت ابتداء النهار الذي يظهر على الأرض بعد ظلام دامس، فهو من عظيم منافع أهل الأرض جميعا. قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: غطى بظلامه أو سكن. وهذا القسم الثاني أقسم ربنا عز وجل بالليل وجنح الظلام، أقسم به ربنا عز وجل حال تسجيته. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أقسم ربنا بالليل إذا سجى، ما معنى سجى؟ المؤلف كذلكم أشار إلى معنيين من معاني التسجية، إما بمعنى غطى أو بمعنى سكن. في كل معنى الأول: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أي والليل إذا غطى، غطى بظلامه، الليل كالغطاء يغطي، وهذا ما أخوذ معنى تسجية بمعنى التغطية. أو المعنى الثاني: سكن، أي أن الليل أقسم الله بالليل الذي يسكن فيه كل شيء، يسكن فيه كل شيء. ويقول أهل العربية: ساجى البحر، أي إذا سكن. إذن هذا هو القسم الثاني، قسم أقسم ربنا بالضحى، ثم أقسم بالليل. طيب على ماذا أقسم الرب سبحانه وتعالى؟ أقسم على هذا: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. بالمعنى العام أقسم ربنا عز وجل بهذه الأشياء على مدى اعتنائه بنبيه عليه الصلاة والسلام، هذا المقسم عليه أن الله عز وجل ما أهمله وما تركه وما أبغضه كما سيأتي معنا. فقال سبحانه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ ما تركك يا محمد، ﴿وَمَا قَلَى﴾ ما أبغضك. قال: نزلت هذه الآية حين قال الكفار عند تأخر الوحي عنه خمسة عشر يوما: إن ربه ودعه. وقاله الذي ثبت في الصحيحين في البخاري ومسلم من حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى، فلم يقم ليلتين أو ليلة، ما استطاع أن يقوم، فما أن يناجي ربه. فجاءته امرأة، وهذه المرأة جاءت مصرحة في بعض الروايات أنها أم جميل زوجة أبي لهب، قامت إليه هذه المرأة، ويكأنها تراقب حال النبي عليه الصلاة والسلام حين أن يصلي. فلما رأته أنه ما يقوم هذه الليالي، قالت: يا محمد، لعل ما أرى شيطانك إلا قلاك. ما أرى شيطانك بمعنى الوحي المنزل عليه أخزاه الله، قالت: ما أرى شيطانك إلا قلاك، أي أبغضك. فأنزل الله عز وجل هذه السورة: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، فهذه السورة بسبب هذه الاتهامات الصادرة من الكفار. فقوله رحمه الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ تركك يا محمد، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أبغضك، أي أن الله عز وجل ما ودعك، ما تركك، وما قلاك، ما أبغضك، وإنما ماذا؟ وإنما الله عز وجل ما تركك، بل إن الله عز وجل معك، معك منذ أن هيأك، فلا زلت في عنايته وعراء ورعايته، يربيك بنعمه. وأن الله عز وجل ما قلاك، ما أبغضك، وإنما أحبك، ولا يزال يحبك، ولا زال يقربك سبحانه وتعالى. هذه المعاني لابد أن تتصورها مع هذه الآية، ليس العبرة بالنفي المحض، النفي المحض ليس مدحا. لما تقول: أنا ما أترك فلان، وأنا ما أبغض فلان، هل هذا مدح؟ ما هو مدح كامل، أنا قد أكون ما أترك فلان، لكن ما أحبه. لا، فيقول علماء: أن النفي المحض لابد أن يتضمن كمال الضد. ولهذا تجد أن المفسرين عند هذه الآية في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ مَا تَرَكَكَ﴾ بعد أن اعتنى بك، ﴿وَمَا قَلَى﴾ بعدما أحبك. فلابد أنك تتصور المعاني الثابتة بعد نفي هذه المعاني عن نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾، فقال العلماء: الآية السابقة، ولا زنة ولا زنة في هذا المقسم عليه، الله عز وجل في هذه السورة أقسم بهذه المخلوقات على هذا الأمر العظيم، على مدى اعتنايته بنبيه عليه الصلاة والسلام. وأن عناية الله لنبيه شاملة، شاملة منذ أن بعثه، ما أبغضك الله، ما تركك الله، ما قلاك الله حاشا. وهكذا في المستقبل، في المستقبل لازلت يا نبي الله في محل إجلال الرب. قال سبحانه: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ مع ما أعطيت من الكرامات الدنيوية لك، عندنا من الأجر العظيم المدخر يوم القيامة. فقال سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، وهذا كذلك لا زال في بيان عظيم عطاء الله لنبينا عليه الصلاة والسلام. ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ قال: في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا. هذا تفسير المؤلف، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ ذهب جماعة من المفسرين كالقاسم رحمه الله وغيره على أن ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ هذا عام. هذا عام يعطيك ربك بكل ما تقر عينك، وما يكمنه يكمن في صدرك، يعطيك ربك حتى ترضى، كل شيء يعطيك الله عز وجل، فليس فقط هذا العطاء المرضى في الآخرة، بل هو عطاء عام بأنواع الكمالات وأشكال السعادات. قال: ﴿فَتَرْضَى﴾، فقال عليه الصلاة والسلام: «إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار». هذه الفقرة أوردها المؤلف رحمه الله تعالى على أنه حوار بين ربنا مع نبيه عليه الصلاة والسلام. أن الله وعده: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ يعطيك الله إلى متى؟ حتى ترضى، حتى ترضى. ما الذي يرضيك؟ هنا ذكر المؤلف هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار»، إذا كان كذلك يا رب تعطيني حتى أرضى. رضاي رضاي أن لا أجد أحد من أمتي في النار، هذا رضاي، هذا هو رضاي. لكن هذا الحديث هو جاء من طريق السد عن ابن عباس، وهو حديث ضعيف. لكن يغني عن هذا ما جاء في صحيح مسلم، ما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة، قام ليلة يناجي ربه عز وجل، ثم أخذ يبكي وهو يقول: «أمتي أمتي أمتي أمتي». فأرسل ربنا جل وعلا جبريل: يا جبريل سل محمدا ما يبكيه، وربنا يعلم سبحانه، ربنا يعلم، لكن لكي تظهر الحكمة، فنزل جبريل، قال: يا محمد ما يبكيك؟ فأخبره نبينا عليه الصلاة والسلام عن مدى شفقته على أمته صلوات ربي وسلام عليه، وهو رؤوف الرحيم على هذه الأمة المحمدية. فأخبره ما كان في نفسه وحوفه على أمته، ما سيكون لها يوم القيامة مما يصيبها من الأهوال والعذاب، قال: «أمتي أمتي». فأخبر جبريل ربه بذلك بأن محمدا يبكي خوفا على أمته. هنا الشاهد، فقال ربنا عز وجل: يا محمد اذهب إليه وأخبره بأننا سنرضيه في أمته ولن نسوءه، سنرضيه في أمته ولن نسوءه. فهذا الحديث يغني، ففيه أن الله وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بأن يعطي لنبيه من الرضا، ليس قط في نفسه، وإنما سيرضيه في أمته طبعا. وهذا مقام كبير وطويل في صور العظيمة التي أعطاها الله عز وجل لهذه الأمة المحمدية يوم القيامة، فهي الأصل وهي الفصل وهي أكثر الأمم، وهي أول الأمم، وهي أسرع الناس دخول للجنة، فضائلها عظيمة جدا. وهذا من وعد الله عز وجل لنبيه: يا محمد إن سنرضيك في أمتك ولن نسوءك. فنقف لهذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.