الدرس في قصة داود وسليمان في القران 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يروي قصة سليمان عليه السلام وتفقده للطيور وغياب الهدهد، ثم عودته وتقديمه خبرًا عن مملكة سبأ. يُظهر آراء المفسرين حول سبب اهتمام سليمان بالهدهد.
يتحدث عن مملكة سبأ وملكتها بلقيس، حيث ورد ذكرها في القرآن الكريم، ويتناول تفاصيل حول اسمها وحكمها وامتلاكها لعرش عظيم.
يُنصح بتحري ليلة السابع والعشرين من رمضان لكونها أرجى الليالي لنزول ليلة القدر، ويُشدد على اغتنامها بالعبادات مثل الصلاة وقراءة القرآن.
يضرب مثلاً لضخامة خزائن الله تعالى ويشجع على اللجوء إلى الله تعالى بما يستطيع العبد. يُظهر عظمة قدرة الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإن من الأحداث المهمة والوقائع العظيمة التي جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا، مما لها تعلق بنبي الله سليمان عليه السلام، ما كان من قصة مملكة سبأ، وهي من الوقائع العظيمة التي ظهرت فيها الأحداث العظيمة التي يستحسن الوقوف عند بعضها. تبدأ هذه القصة كما ذكرها القرآن من قوله عز وجل: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. بدأت هذه القصة حين قام سليمان عليه السلام بتفقد الطيور، فغاب عن ناظريه الهدهد الطائر المعروف. وهنا مسألة وهي: لماذا تفقد وسأل سليمان عن الهدهد خاصة؟ درجة كثير من المفسرين ومن نظر إلى بطون كتب التفاسير يجد هذه العلة، وهي أن الهدهد كان دليل سليمان للماء، فإذا نزل سليمان إلى مكان الماء قفر، فكان يستدعي الهدهد لكي يدلهم على المياه الجوفية. قد يقول قائل: وما علاقة الهدهد بهذا؟ يذكرون -والله تعالى أعلم- أن للهدهد خاصية في النظر إلى أعماق الأراضي فيعرف مكان الماء. يذكرون هذا، فالعلم عند الله. إلا أن هذه المسألة، وكما أسلفنا، هي موجودة في بطون كتب المفسرين. إلا أن بعض العلماء ينكر هذا، وأشير إلى الإمام السعدي رحمه الله تعالى، أشار إلى هذه العلة وأبطلها، وأنكرها، وأن الدلالة العقلية والدلالة اللفظية تدل على بطلان هذا. فكيف للهدهد أن يكون عنده هذا النظر الخارق للعادة، وأنه ينظر إلى الأرض فيسبر أغوار بطون الأراضي ليستكشف المياه الجوفية؟ أن له هذا، وأطال النفس رحمه الله، وهذا ليس كعادته في تفسيره، لكن في هذا الموقع أطال النفس وعرج على المفسرين، وأن هذا ما ينبغي، وأنه لا يستند على المسائل الإسرائيلية التي لربما فيها معاني مخلة، إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى. لكن من باب البيان، أن هذه المسألة -وهي أن سليمان اتخذ من الهدهد دليلاً على المياه- قد جاء ذلك عن ابن عباس، فيما صح عنه، وإن كان الإسناد قابلاً للتحسين. فالشاهد أنه أن سليمان تفقد الهدهد، إما لهذا الذي عليه أكثر المفسرين، أنه يستكشف لهم الماء في بطون الأرض، أو وهو الأمر المتفق عليه، أنه تفقد الطير من باب التفقد لمملكته، وهذا إشارة إلى ما كان عليه سليمان عليه السلام من الحزم، ومن الحرص، ومن الجزم في تسيير عمر مملكته. فكان يتفقدهم الواحد تلو الآخر، ولعل كان الهدهد لربما له رئاسة، إذ أن المخلوقات كثيرة وكثيرة جدًا في عالم سليمان، لكن اختاره لربما كان مسؤولًا أو شيء، فكان يسأل عن المسؤولين. الشاهد أنه سأل عنه، فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ يعني: ما لي لا أرى هل هو مختبئ هنا ولا هنا بين الحشود، بمعنى أنه حاضر لكن لم أره، أم أنه غير حاضر أصلا؟ أم أنه غائب لم يأت مع هذه الوفود التي حضرت؟ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أعطاه خيارات. المحمل الحسن: حاول أنك في مثل هذه الأمور توسع احتمالًا لك ولغريمك، لا تجعل الاحتمالات كلها سوداوية، إما وإما لا، احتمال أنه تأخر لعذر عنده شيء. قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ يأتيني بحجة تبرر ما كان من تأخره. فمكث سليمان غير بعيد، وقت ليس بمدة طويلة، حضر الهدهد، أتى الهدهد. ومن لطيف ما يذكر في كتب التفاسير أن الهدهد أما حضر اجتمعت عليه الطيور وأخوفوه: أين ذهبت؟ سليمان يسأل عنك وتوعدك بالعذاب. قال: أخبرهم أي أعطاني خيارات، قالت: نعم، قال: فذاك أي بمن أعطاني يعني خيار أني آتي بحجة، هذا الذي أطلبه. فدخل الهدهد وأتى إلى سليمان وأعطاه الخبر الذي كان سببًا في تأخره. قال: ﴿لَقَدْ جِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ أحط بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين أحط بما لم تحط به، أي من العلم، وفيه مكانة العلم، وفيه سلطان العلم، وأن من علم حج على من لم يعلم. أحط بما لم تحط به، وجئتك من سبأ، والسبأ وهي المملكة اليمنية موجودة في بلاد مأرب. وهنا مسألة: سليمان أين هو عليه السلام؟ أين مقر إقامته؟ هو في القدس في فلسطين، وهذا الهدهد أين أتى؟ أتى من اليمن، يعني قطع مسافة عظيمة جدًا، قطع الجزيرة العربية كلها. قال: جئتك من سبأ بنبأ يقين، فأخبر عما وجد في مملكة سبأ، وجدتهم يعني امرأة تملكهم، مؤتيت من كل شيء، هذه المملكة تقودها امرأة، ليس رجل على خلاف العادة، هذه المرأة هي التي كانت تحكم بلاد سبأ في حينها. فهذه الملكة، من نظر إلى المطولات، يسمع بالحكايات الطويلة العريضة كيف وصلت إلى الملك، وكيف استطاعت أنها تملك زمام المقاليد في هذه الفترة والحقبة الزمنية، وهذا ليس من شأن القصة. لكن يهمني هنا في قصة هذه المملكة عن هذه الملكة: ما اسمها؟ هل اسمها بلقيس؟ نعم، هذا الذي اشتهر في الكتب المؤرخة في التواريخ وفي التفاسير على أن اسمها بلقيس. شرعًا يقول علماء: قد جاءت أحاديث، حديث جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه التصريح بأنها بلقيس، لكن هذا الحديث لم يصح، رواه الطبراني، وفي إسناده مجاهيل كما أشار إلى ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد، فالحديث ضعيف. لكن الآثار المروية عن السلف تثبت هذه الإسمية، فقد جاء عند ابن أبي شيبة في مصنفه رحمه الله تعالى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن اسمها بلقيس. وجاء كذلك وصح عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أن اسمها بلقيس بنت شراحيل. فعلى كل، اسمها لا يضر، لكن من باب المعرفة أن هذا مما جاءت فيه الآثار. أما عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا، لم يأت شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبر أن هذه الملكة، وهي التي تولت زمام الأمور في بلاد اليمن، أوتيت من كل شيء، ومعنى أوتيت من كل شيء، أي أوتيت من كل أسباب الملك، من كل أسباب الملك، عندها من الهيمنة والسلطة والقوة والنفوذ والعتاد والعدة ما يحتاج إليه الملك والممالك. عندها وأوتيت كل شيء، أي مما يحتاج أصحاب الممالك، ما ينقصها شيء، ما ينقصها، فقد كانت دولة قوية فتية، هذا الذي أراد الهدهد من هذا الوصف لسليمان عليه السلام، تملكهم وأوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم. العرش هو مكان الجلوس الذي يجلس عليه الملك، وعرش الملكة كان من العروش العظيمة، وينظر كذلكم إلى ما ذكره المفسرون في كتبهم حينما أطنبوا في ذكر صورة أو تخيلات هذا العرش، بما فيه من الذهب والزبرجد والياقوت الأخضر والأحمر والمرصع بالجواهر والماس، وإلى آخره. وهذه قاعدة معروفة عند الأمم، على أن على قدر العرش إشارة إلى قدر الملك، إشارة إلى قدر الملك الذي يكون عنده عرش عظيم، دلالة على قوة هذه المملكة الذي يحتلها هذا الملك. فالشاهد أن هذه الملكة التي قال عنها هدهد سليمان: أنها أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، رأيتها وجدتها وقومها يسجدون للشمس، هنا أتى بفائدة عظيمة، ما هي الفائدة؟ أن هؤلاء ليسوا موحدين، ليسوا مسلمين، وإنما هم كفار، هم من أهل الشرك، من أهل التنديد، وهم من عباد النجوم والكواكب، فهم يسجدون للشمس، أي يعبدون الكواكب. ثم أخذ الهدهد يبين عيب هؤلاء: ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبأ في السماوات والأرض، الخبأ هو الشيء المخفي، الخبأ هو الشيء المخفي المخبي، هذا الخبأ في السماوات وفي الأرض، أي الشيء المخفي في الأرض والسماوات. قال البغوي رحمه الله تعالى، وهو يعرج على أن أكثر المفسرين عند هذا الموطن على أن الخبأ الذي في السماء هو المطر، والخبأ الذي في الأرض هو النبات، وأن معنى ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ فيه هنا بمعنى من، أي الذي يخرج الخبأ من السماوات ومن الأرض. فالحاصل أن الهدهد أتى بأمر إشرأبت له سليمان عليه السلام ويطلبه، قال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: إنهني سأتأكد من هذا، خشي سليمان عليه السلام أن الهدهد أتى بهذا العذر لكي يفلت من العقاب. فأمهل، قد أنظر، سأنظر إلى خبرك، هل أنت صادق في دعواك عن وجود مملكة، وهذه المملكة لها من القوة ما لها، وأنهم يسجدون للشمس دون الله عز وجل؟ سأنظر، فأصدق فيك دعواك أم أنت من الكاذب فتنال عقابك؟ طبعًا هذه المملكة، مملكة سبأ، عبارة عن أنموذج، أنموذج واحد من النماذج الكثيرة التي وصل إليها سليمان بالقتال والجهاد، فالله عز وجل ذكر لنا هذا الأنموذج، وهي أعظم دولة كانت في عهد سليمان، لا نظير لها. سيأتي معنا ما يتعلق بجيشها، ما يتعلق بقواتها وقوادها، سيأتي معنا حول أن هذا الأنموذج فقط مثال واحد، كيف تعامل سليمان مع هؤلاء؟ لماذا تعامل معهم؟ وكيف استطاع أنه يظهر عليهم؟ وفي هذه الآيات كذلك بيان لفضيلة الهدهد، ومن هنا من باب الفائدة، ثبت في السنة وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم منع قتل بعض الدواب، بعض الدوابها لا تقتل، النملة، النحلة، وذكر عليه الصلاة والسلام الهدهد، الهدهد لا يقتل. واختلف العلماء: لماذا؟ لماذا بحث عن العلة؟ لماذا الهدهد لا يقتل؟ طبعًا تنوعت عبارات العلماء، ومن أهل العلم من أشار إلى ما نحن بصدده، قالوا: احترامًا لهذا الطائر، طبعًا الهدهد الآن الموجود هو إنما من أجيال ذاك الهدهد الذي كان في زمن سليمان. لكن لعظيم بركته على بني جنسه، ما البركة التي كانت لهذا الهدهد؟ أنه كان سببًا عظيمًا في دلالة سليمان لهذه المملكة العظيمة، والذي بالدلالة إليها أدخلهم إلى الإسلام، فكانت بركة عظيمة لهذا الطائر. فقال العلماء -كما أشار بعض أهل العلم كالشيخ العثيمين وغيره-: احترامًا لهذا الطائر، عصم دمه، فنهي عن قتله. ثم قال سليمان: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ حينها قام أمر سليمان هذا الطائر بأن يأخذ رسالة، كتابي، لا ضد الكتاب، عبارة عن كتاب مجلد، لا عبارة عن قصاصة صغيرة يحملها الطائر. وحملها الهدهد، لأن الأمر بدأ منه وسينتهي به، فأمره أن يعود إلى من حيث ما جاء، ويأخذ هذه الرسالة الصغيرة إلى هذه الملكة في بلاد سبأ، من بلاد اليمن. نقف إلى هذا الحد، لأن المقام سيطول وسيطول جدًا، ولعلنا نرجئ الحديث عن تكملة هذه القصة إلى يوم غد بإذن الله. وكذلكم أحب فيما بقي من هذا الوقت أننا نتواصى إخواني في الله، لعظيم هذه الليلة، ليلة السابع والعشرين، وهي من الليالي الفاضلة، ومن الليالي المباركة، وهي أرجى ما تكون بحصول ووصول ونزول ليلة القدر. مع أن الصحيح في المسألة على أن ليلة القدر أنها تتنقل في العشر، وخاصة في الأوتار، تتنقل في العشر، وخاصة في الأوتار، لكن أرجى ما تكون هذه الليلة هي ليلة السابع والعشرين من رمضان، فهذه ليلة عظيمة إخواني في الله، تنافس عليها الأولون وتسابق لها الآخرون. وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم كان حريصًا عليها، بل ذكر العلماء أنه لم يشرع الاعتكاف أصلا إلا لإدراك هذه الليلة، شرعة العشر حتى تحاط من أولها إلى آخرها، تحاط الليلة بمكثك وحضورك بلزومك لبيت الله، وأنت على عبادة حتى تدرك هذه الليلة المباركة. وهي ليلة عظيمة، أخبر ربنا عز وجل أن العبادة والتعبد فيها يساوي عبادة ألف شهر، أكثر من ثمانين سنة، أكثر من ثمانين سنة، عبارة عن ليلة بساعات، ساعات تساوي عبادة ثمانين سنة، وذلك في حق من أحسن الاهتمام والرعاية والقيام، وقراءة القرآن، وهكذا تستغل هذه الليلة بأنواع الطاعات والعبادات. فمن كان منشغلاً فيما سبق، لا ينشغلن الليلة، خاصة، وكما قلنا: من أهل العلم، بل من السلف، من كان يجزم بأنها هذه الليلة، لكن كما قلنا: صحيح أنها تتنقل لحكمة أرادها الله عز وجل، حتى تنشط الهمم لبقية الليالي. فالشاهد أن الإنسان يحرص على هذه الليلة، وأن لا تفوته، فهي ليلة عظيمة، قال عنها نبينا عليه الصلاة والسلام: «من حرمها فقد حرم الخير كله»، حرم الخير كله، فلا تكن يا عبد الله من عباد الله المحرومين. وأيضًا مما يذكر في هذا المقام، أن هذا الحرص يكون منك، وأيضًا يكون لمن حولك، فلا تقتصر على الهمة على نفسك خاصة، وإنما يا عبد الله أشغل من هم حولك، من أبنائك وأهلك وجماعتك وقرابتك. وقد كان من وصف نبينا عليه الصلاة والسلام أنه في العشر شد مئزره وأيقظ أهله، إشارة إلى أنه دل الغير على الخير، دل الغير على الخير، وهكذا فلنكون على تعاون عظيم في هذا الباب، يوصي بعضنا بعضًا بإدراك هذه الليلة. وكما قلنا: إدراكها يكون بالمكث في بيوت الله، بقراءة القرآن، بالإكثار من الدعاء، وخاصة: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عنا»، كما جاء ذلك عن عائشة في وصيته عليه الصلاة والسلام لمن أدرك هذه الليلة. وهذه ليلة تستمر، سلام هي، حتى مطلع الفجر، تستمر معك إلى طلوع الفجر، فاغتنمها يا عبد الله بما تستطيع أن تغتنمه، بقراءة القرآن، بالبر والإحسان، بصلة الأرحام، بذكر الله جل وعلا في طول هذا الليل، تسبيحًا، تحميدًا، تكبيرًا، استغفارًا، الإلحاح على الله عز وجل بالدعاء بما يخطر على ذلك. وكلنا في خواطرنا ما لا يعد ولا يحصى من الطلبات، فهذا مضمارك، وهذا زمانك يا عبد الله، أخرج ما في قلبك وما في صدرك من الأمنيات والطلبات. فالله عز وجل كما قال: «يا ابن آدم لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا إلى صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»، سبحان الله، سبحان الله. تخيل هذه الخلائق والعوالم من الإنس والجن، من لدن آدم إلى أن يرث الله كلهم، ما لا يخطر على بالك من الأعداد، لو سألوا، وما ظنك بالآدمي الطماع يسأل كل شيء، ومع ذلك كل هؤلاء لو علت طلباتهم أمام ملك الله عز وجل، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. وفي رواية: «إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر»، مخيط إبرة، اطرحها في البحر، وانظر ما الذي عسى أن يخرج المخيط من قطرات من هذا البحر؟ لا شيء، وهكذا حال العباد إذا سألوا من خزائن الله. ولهذا يا عبد الله، خزائن الله واسعة، فالجأ على الله جل وعلا بما تستطيع، أكتفي بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.