‏‏قصة داود وسليمان في القران 12

‏‏قصة داود وسليمان في القران 12

الدرس في ‏‏قصة داود وسليمان في القران 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مراسلة سليمان لملكة سبأ ودعوتها للإسلام

أرسل سليمان رسالة لملكة سبأ عبر الهدهد يدعوها للإسلام، فتشاورت مع أعيانها وقررت إرسال هدية لتعرف طبيعته. هذا يظهر بداية التفاعل بين سليمان وملكة سبأ.

رد ملكة سبأ على سليمان وإرسال الهدية

رفض سليمان الهدية وغضب، ثم توعدها بإرسال جنود لا قبل لها بها، فعزمت على الذهاب إليه مسلمة. طلب سليمان من ملأه إحضار عرشها قبل قدومها.

اختبار إيمان ملكة سبأ وإسلامها

تحقق إحضار عرش ملكة سبأ بفضل رجل صالح عنده علم الكتاب، ثم اختبرت الملكة عرشها وأسلمت في النهاية. يظهر في القصة حكمة سليمان وقدرة الله تعالى.

ختام قصة سليمان ومملكة سبأ والدروس المستفادة

يختتم الحديث عن قصة سليمان مع مملكة سبأ، ويؤكد على أهمية ما ذكر ربنا عز وجل في هذه القصة. يدعو الله أن ينفعنا بما قيل ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله كان حديثنا عن قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ، وأشرنا إلى أن اسمها على القول المشهور بلقيس، وقد جاء ذلك في آثار عن بعض الأصحاب رضي الله تعالى عنهم، وعن بعض السلف. قصة سليمان مع ملكة سبأ تبدأ بتفقد سليمان عليه السلام لهذا الطائر، ألا وهو الهدهد، والذي أتى بهذا النبأ العظيم عن مملكة عظيمة مترامية الأطراف في بلاد اليمن، إلا أنهم كانوا يعبدون الشمس من دون الله. فأعجب وتعجب سليمان كيف أن هذا الأمر قد فاته، ولم يضفر بهذه المملكة، ولهذا قال: «سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين». ثم قال للهدهد: «اذهب بكتابي هذا»، فقيل إنه كتب رسالة وهي قصاصة، وحملها إياه، قيل إنه أخذها بجناحه، وقيل إنه أخذها بمنقاره. ثم لما وصل الهدهد إلى هذه الملكة، إلى بلقيس على القول الصحيح أو القول الشهير، ألقاها إليها؛ لأن سليمان عليه السلام أمر الطائر أن يلقي هذه الرسالة، ثم يتولى، أي يبتعد، ولا يبقى في محله، يلقي الرسالة ويتأخر. لماذا التأخر؟ تأدبًا حتى لا يدخل في الخصوصيات أو ينظر ماذا تقول كردة فعل، لا يتركها ويبتعد. الهدهد فعل هذه الحركة العظيمة، أتى ووصل إليها وهي تراه، وألقى الرسالة بين يديها، ثم رجع إلى الخلف وهي تنظر إلى هذا الأسلوب العجيب الغريب، والذي ما عهد من قبل. فأذهلتها مما رأته من فعل الهدهد، ثم أخذت وتناولت هذه الرسالة، فإذا بها رسالة من سليمان. قامت هذه الملكة، وهي عاقلة رزينة، طبعًا في هذه السورة أشاد وأشار العلماء إلى مواطن حكمة هذه المرأة، فقد كانت في غاية من الحكمة والعقلانية والرزانة في مواطن كثيرة من هذه القصة، منها هذا الأمر الذي قامت به، أنها جمعت الملأ، والملأ هم الأعيان من مملكتها، من القواد والأشراف والزعماء ورؤوس القبائل، فجمعت الكل، وقالت لهم: بأنه قد جئ لي برسالة من سليمان، مفادها: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين﴾، فقط هذه الرسالة التي كتبها سليمان عليه السلام. وصفت هذه الرسالة بأنها «خطاب كريم»، فمن أين جاء وصف الإكرام لهذه الرسالة؟ قال جماعة من المفسرين: إنها حكمت على هذه الرسالة بأنها رسالة كريمة، قيل: من فعل الهدهد لما رأته؛ لأن هدهد الآن هو الرسول، هو المندوب عن سليمان، فلما كان الهدهد بهذه الغاية من الأدب وهو تابع، فما ظنك بالمتبوع، وهو الذي أرسله، وهو سليمان؟ فاستلهمت أن هذا الخطاب جاء من شخص كريم. والقول الثاني: إنه «خطاب كريم»، قيل: لما رأت فيه الوجازة والفصاحة والاختصار. وقيل القول الثالث: إنه كان مختومًا، أي ختم بختم، ومن صفة كرم الرسالة أن تكون مختومة، هكذا ذكر المفسرون هذه الأسباب في وصف هذه المرأة لخطاب سليمان بأنه «خطاب كريم». في هذا الخطاب: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين﴾، من فوائدها: أولًا مشروعية البدء بالبسملة عند كتابة الكتب والرسائل والخطابات، وقد ذكر كما أشار ابن كثير إلى أن سليمان هو أول من سطر وسن هذه السنة، فالله تعالى أعلم. وفيه كذلك بيان على أن مما يستحب في الرسائل أن تبتدأ بالإسم: «إنه من سليمان»؛ لأن الناس اعتادوا على أن تكون الإسم في المؤخرة، تكتب الرسالة في الأخير: «المرسل فلان»، في المؤخرة، لكن منهم من يرى الأفضل تكون في المقدمة، كما جرى على ذلك فعل نبينا، «وإنه من محمد بن عبد الله إلى فلان»، فيعرف بنفسه في المقدمة، وعلى هذا كان أمر سليمان عليه السلام أن بدأ بالتعريف بنفسه. أشارت ملكة سبأ إلى أنها جمعت الأقوام والأعيان والوجهاء لكي يتباحثوا هذا الأمر، ما هو هذا الأمر؟ أن سليمان خيرهم بخيار، وهذا الخيار ليس له بديل، أنكم تقدموا عليَّ، بس تأتون إليَّ خاضعين مسلمين منقادين، وأن لا تعلوا، أي لا تتكبروا، لا تتجبروا، لا تترفعوا. فبدأ القواد والأشراف والأعيان في إبداء الرأي، فأظهروا الأمر الذي أرادوه: «نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، نحن أقوية أشداء، مملكة عظيمة، فيها من العتاد والعدة والعدد ما لا نعلمه من أي عدو ومن أي خصم». ويكأنهم مالوا إلى هذا، لكن بالمقابل لما كانت الملكة عاقلة، هم كذلك أخذوا عقلها في الأخير، أحالوا الأمر إليها، والأمر إليك، ومع ذلك أنت القاطعة، أنت الآمرة والناهية. فقالت: «إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها»، نحن لو دخلنا معهم في قتال وفي حروب، الله أعلم لمن تكون الغلبة، لكن لو افترضنا أنه غلب، سيكون هذا المآل الغالب على دخول الملوك على الأراضي والقرى والمدن والأقاليم، أنهم يفسدوا فيها، ومن أعظم صور الإفساد أن جعلوا أعلى أهلها في الدون، في السفول، ليجعلون أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون. واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وكذلك يفعلون﴾، هل هذا من قول بلقيس؟ قيل هذا، أو أنه من قول الله عز وجل، تأكيد لهذه الحقيقة الحاصلة من تعامل الملوك المنتصرين مع المغلوبين؟ ﴿وكذلك يفعلون﴾، الله أعلم، والقول يحتمل هذا ويحتمل ذاك. فماذا فعلت وهي تتأنى في مسألة القتال؟ قالت: «إني مرسلة إليهم بهدية»، وهذا كذلك من عقلها، مع أنهم على وضع تهديد، والإنسان في هذا المقام تأخذه الأنفة، لكنها حزمت أمرها، ونظرت إلى المصلحة العظمى، بأن تقدم شيء من التنازلات، وأنها ستفتح باب المصالحة، وذلك بإرسال ما يكون فيه التعبير لحسن النوايا: «نرسل بهدية، لعل هذه الهدية تصرفه عنا، لعل هذه الهدية تغنيه عما يريده منا». وهنا طبعًا في كتب التفاسير استرسلوا: ما هذه الهدية؟ ما هيتها؟ طبعًا ستكون هدية ثمينة، وهي الهدية تدور على الذهب والفضة والمجوهرات واللآلئ، عن حجمها، عن حجم الوفد الذي ذهب إلى سليمان، والذي أرسل إليه، الله أعلم بهذه الحقائق، جلها من الإسرائيليات. لكن هدية، وهدية ستكون هدية يليق بهذه المملكة العظيمة، وتليق بسليمان، فأرسلت بهدية قد فناظرة: «سأنتظر بما يرجع المرسلون»، أي إذا وصلوا ينظروا إلى ردة فعل سليمان. فلما جاء أي الوفد، ورجع الرسل بهدية، بالهدية إلى سليمان، طبعًا جاءوا ونظروا، فذكر المفسرون أن الذي ذهب بهذه الهدية أناس من العقلاء، أناس من العقلاء، فحين أن ذهبوا ودخلوا إلى مملكة سليمان في أرض فلسطين، رأوا ما لا يخطر على بال، رأوا هذه الجيوش، هذه الجنود الأشداء الأقوياء، الذي جنودهم ليسوا بشيء أمام جند سليمان عليه السلام، الذي تدرعوا بقوة العدة والعتاد وكثرة العدد. ناهيك عما رأوه من الجان والشياطين، معمر مستعمر عظيم، هذا هنا جن يشتغلون في البناء، وهناك شياطين في الجبال، وهذا الذي يأتي من البحار، عالم آخر، ناهيك عن الطيور ترفرف هنا وهنا، وهي عبارة عن جند تأتمر، تخيل الإنسان ينظر إلى هذه المملكة، ذهلوا ذهلوا من عظيم ما رأوا. فلما أدخلوا على سليمان بهذه الهدية، غضب سليمان، قال: «أتمدونني بمال؟ هذا الذي أنا أريده منكم؟ أما أطلب منكم مال؟ ما آتاني الله خير مما آتاكم، أن عندي ما هو أفضل من هذا المال، من أعظم ما أعطاه الله النبوة والرسالة، هذا أعظم ملك يحوزه الإنسان ويحبه ويهبه الله لمن شاء من خلقه، ما أعطاني الله خير مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون، نعم أنتم من طمع في الدنيا وركن إليه يفرح، بهذا أما أنا لا، لست من أهد الدنيا». وهكذا هم الأنبياء ترفعوا عن الدنيا، وإنما استخلفهم الله عز وجل في هذه الأرض للدين، ونصر للتوحيد، فأمرهم بأن يرجعوا: «ارجع يا أيها الوفد، ويا أيها الرسل، ارجعوا، هذه الهدية ترجع معكم، أن لستم بحاجة إليها، أنتم ستفرحون بها، أنتم بحاجة إلى هذه الهدية، ارجع إليهم»، ثم توعدهم بأنه سيرسل إليهم بجنود لا قبل لهم بها، أي جنود وجيش سيأتيكم ما يخطر على بالكم، وتعرفون جن سليمان، إنس وجن وحيوانات وطيور، سيعمل بهم الأفاعيل. فرجعت الرسل إلى ملكة سبأ، وأخبروها بالخبر، بما رأوا وبما سمعوا، رأوا شيئًا مذهلًا، وسمعوا شيئًا خطيرًا: «سليمان عزم على اقتحام مملكتنا»، فحينها علمت ملكة سبأ أن الأمر بقي على الخيار الأول، وهو الخيار الأوحد، ما في إلا أن نذهب إليه؛ لأن أمر: «وأتوني مسلمين»، تأتون، تأتون، إذن راجعوا إلى الخيار الأول، وهو الخيار الأوحد الذي ما هناك بديل، أما القتال فقد يأسوا، فقد يأسوا. فحينها عزمت هذه المرأة الملكة على أن تأتي إلى سليمان، «وأتوني»، أي بجميع من في بلادكم من الكبراء والأشراف والأعيان، طبعًا أكثر العلماء يذكرون أنها أتت برؤوس الأشراف، وزعماء القبائل، وكانوا عجتهم اثنى عشر رأسًا رجلًا، هؤلاء أو رؤساء العشائر، وتحت كل رأس ألوف؛ لأنها قد ذكرهم: «أولو بأس وأولو قوة»، فتخيل هذه المملكة، الملكة ومعها اثنى عشر رأسًا من زعماء ووجهاء وأعيان وأصحاب القبائل، وتحت كل رأس ألوف من الأتباع، وتحركوا جميعًا إلى بلاد الشام. ذكر العلماء أنها أمرت الحراس على مملكتها أنهم يحرسوا هذه المملكة في حال غيابها، من القادة، وأنهم يتمكنوا من حراسة القصر، وخاصة العرش؛ لأنهم طمع الأعداء والخصوم، وأنها غلقت الأبواب، كما جاء في ذلك عند كثير من العلماء، فتحركت الملكة بهذا الوفد، وبهذا الموكب، وبجندها وجيشها وأتباعها خاضعين منقادين إلى سليمان عليه السلام. حين أن تحركوا، سليمان عليه السلام كان على الطلاع، قد علم أين هم وأين محلهم، فكان يرسل العيون، وعيونه قد تكون من الجن، وقد تكون من الطيور، يذهبون ويرجعون: «قد وصلوا إلى المرحلة الفلانية»، يذهبون يرجعون: «يا سليمان، وصلوا إلى المرحلة الفلانية وهم يقربون»، وهو يتابع سيرهم، حتى إذا دنوا وقربوا وصولهم إلى بلاد الشام، هنا قال سليمان: «يا أيها الملأ، من يأتيني بعرشها؟». كذلك سليمان عنده ملأ، عنده رؤساء وكبراء وأعيان، وهنا أراد أمرًا، أراد أن يأتي بعرش بلقيس، أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ هنا السبب يذكره العلماء، أشار إليه البغوي وغير واحد: لماذا طلب العرش؟ أكثره كما قال البغوي، أكثر مفسرين ذهبوا إلى أنه أراده لنفسه، لماذا أراده؟ لما سمع: «عرش عظيم»؛ لأن من الذي وصف العرش بالعظمة؟ الهدهد، والهدهد من جند سليمان، وهذا الهدهد قد عاش وينظر إلى عالم سليمان، ويعرف أبهة سليمان، وما له من مملكة، وما له من قدرة، فكيف بهذا الهدهد وهو من أتباع سليمان، يقول: «يا سليمان، وجد عرش عظيم»، فلما يقول: «عظيم»، إذن شيء مذهل، ما سيقول: «عظيم» على شيء يعني أمر اعتيادي. فذكر: «ولها عرش عظيم»، يعني مقارنة بمن الذي معك يا سليمان، ملكك عظيم، هنا أراد سليمان هذا العرش، أراده لنفسه، وكما قلنا أطنب العلماء في ذكر صفة هذا العرش، كيف كان شكله؟ وقوامه؟ إلى آخر ذلك. فأراده لماذا؟ قبل أن يأتوني مسلمين، يعني إذا قلنا: «مسلمين»، أي قبل أن يأتوني مسلمين لله، أسلموا؛ لأن سيلزمهم بالإسلام، طيب لماذا قبل أن يأتوني مسلمين؟ قالوا: هنا لأنهم إن أسلموا لن يستطيع سليمان أن يأخذ العرش منها؛ لأن أموالهم ستحرم عليه، حرمت أموال المسلم على المسلم، دمه وماله وعرضه، أما كافر لا، مستباح، مستباح الأخذ والاستيلاء والسلطة. فيقولون: كما قال العلماء: «قبل أن يسلموا، لا زال على الكفر، لا زال ملكهم بيدي، أريده، أريد هذا العرش عندي الآن، أريده أن أنظر إليه وأأخذه قبل أن يسلموا؛ لأن إن أسلموا من أستطيع أخذه منهم؟» هذا القول الأول، وهو الأشهر. والقول الثاني: لا، إنما طالب العرش لكي يريها قدرة الله عز وجل، وأن الله على كل شيء قدير، لا هناك كواكب ولا نجوم ولا شمس على حد زعمكم. فحينها تداعى الناس، وكل أراد أن ينفذ طالب سليمان، وممن هؤلاء عفريت من الجن، قال: «أنا آتيك به»، وعفريت من الجن، وهو القوي والنشيط، صاحب الهمة، ولزالت هذه الكلمة تطلق على من رأى منه حركة، و«الفلان عفريت»، أي حركي وقوي، فكان هذا عفريت اسم على مسمى، قال: «أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك»، سليمان كان له مقام، مجلس، طبعًا هذا المجلس قد يستغرق ربع يوم، احتمال المجلس يحتاج إلى مداولة مع الأخذ والعطاء مع الناس، قد يأخذ ربع يوم، ساعات يأخذها في المداولة، هذا المجلس إذا عقدته يا سليمان، قبل أن تنصرف منه ستجد العرش أمامك. قال: «وإني عليه لقوي أمين»، أمين أجعلني على هذه المهمة يا سليمان؛ لأنني متصف بصفتين: قوي قادر على حمل هذا العرش العظيم الثقيل الكبير، سأخذه وأحمله، ما يضرني، وأيضًا أنا أمين، لا تخاف ما فيه من المجوهرات واللآلئ والدرر، سيكون هو هو، ما سأخذ منه شيء، قوي أمين. إلا أن سليمان عليه السلام ورأى أن هذه المدة طويلة نوعًا ما، هنا جاء عرض آخر، قال: «الذي عنده علم الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك»، قبل أن ترمش بعينك وتفتح ستجد العرش عندك، من هذا؟ أكثر العلماء على أنه رجل صالح من البشر، رجل صالح، لكن كيف سيأتي بهذا العرش في هذه المدة الوجيزة القياسية في ومضة عين؟ يقول العلماء: إن هذا الرجل الصالح كان عنده اسم الله الأعظم، اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب سبحانه، نعم، فإن لله اسم أعظم، قد جاء ذلك في صحيح سنة النبي عليه الصلاة والسلام، اسم الله الأعظم، من وفق إليه ودعا معتقدًا بما فيه، متأمن لمعانيه، فإنك إن سألت الله به أعطاك، وإن دعوت الله به أجاب. فكان هذا الرجل الصالح يعرف اسم الله الأعظم، فدعا الله، فتحقق، فلما رآه مستقرًا عنده مباشرة، أصبح العرش بين يدي سليمان. ثم اختصار القصة، أمر سليمان: «نكروا لها عرشها»، غيروا، غيروا هذا العرش، زيدوا، نقصوا، بدلوا، غيروا في هيكله، في صورته، فلما جاءت ملكة بلقيس إلى بلاد الشام، ودخلت إلى ملك سليمان عليه السلام، عرض عليها العرش، قال: «أهكذا عرشك؟» يعني عرشك الذي عندك، وهو من أعظم العروش كما بلغنا. هكذا هو هنا، كذلك من عقلها لم تقل: «ليس هو»، ولم تقل: «هو»، لم تقل: «هو»؛ لأنه ما يمكن أن يكون هو، ما يمكن عرشها في اليمن ما الذي يأتي به؟ ما الذي يأتي به؟ وضخم ما يحمل، فليس هو، ولم تقل: «ليس هو»؛ لأنه في ملامح في ملامح كرسيها تعرفه، ألفته، فماذا فعلت؟ لا، قالت: «لا، نعم ولا لا»، فأجابت بإجابة كما يقول العلماء: «موفقة: كأنه هو، كأنه هو»، وكان هذا دلال على كمال عقلها، كمال عقلها. ثم أمره سليمان أن تدخل إلى الصرح، وهو المجلس، فلما دخلته رأته حسبته لجة، لماذا اللجة؟ اللجة هو البحر، اللجة هو البحر، فلما دخلت الصرح رأت أن الصرح عبارة عن بحر، بحر يضطرب، مياه تجري، فكشفت عن ساقيها حتى تستعد للخوض في هذا الماء، للخوض في هذا الماء. فلما رأاها سليمان تفعل ذلك، أخبرها أن هذا ليس بماء، وإنما هذا صرح، ممرت من قوارير، هذا عبارة عن يعني كما يقال: يعني بلاط أو سقف زجاجي زجاج، وأن أمل ماء من تحت ما يضرك سيري، فلما أرأت هذا، وكان هذا من عظيم ما رأت، ومن خلال ما اطلعت عليه، علمت قدرة الله عز وجل الذي يعبده سليمان، فحينها اعترفت بتقصيرها، وبذنبها: «إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين»، وأسلمت، أسلمت هذه الملكة، وأسلم معها، وكان في ذلك دخول الإسلام إلى بلاد اليمن. وكل ذلك ما قلنا بسبب قصة الهدهد، هذا قلاصة ما يذكر، طبعًا هذه القصة قصة سليمان فيها أخبار كثيرة جدًا، منها هذه القصة مثلًا: «أنها رفعت عن ساقيها»، أن سليمان تعمد تعمد ذلك حتى ينظر إلى رجليها، هل رجليها رجل آدمي أو أنها لها حوافر كما يزعم الناس؟ لأن هذا يعود إلى قصة أخرى: «أنهم يذكر أن هذه الملكة كان من آبائها من كان من الجن، هي ليست بشرية خالصة»، فأشياء كثيرة جدًا ليس لنا فيها دلالة، ولا فيها فائدة أصلا، ولا إعراض عنها أفضل. لكن مسألة أخيرة، وهي: هل تزوجها سليمان؟ الجواب الله أعلم، هل تزوجها سليمان؟ الجواب الله أعلم، قيل هذا، وقيل غير ذلك. فالخلاص إخواني في الله، هذا من أعظم ما ذكره ربنا عز وجل عن قصة سليمان مع مملكة سبأ، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.