المحاضرة بعنوان ظاهرة انحراف الشباب، وكانت بمسجد خالد العمر بالمقد - الحامي ١٥ جمادى الأخر ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الانحراف هو الإعراض عن دين الله واتباع غير سبيل المؤمنين، وهو خطر على كل مسلم. حتى الصالحين والأنبياء كانوا يخشون على أنفسهم من الانحراف والضلال.
مرحلة الشباب مرحلة هامة تحتاج إلى عناية واهتمام، والشباب سيسألون عنها يوم القيامة. لعب الشباب دورًا هامًا في نصرة الدين ونشره.
انحراف الشباب خطير بسبب طيشهم وتهورهم، والفتن ميسرة في كل مكان وتزيد من خطورتها عليهم. تقوى الله عز وجل هي الحاجز الوحيد بين الإنسان وبين هذه الفتن.
﴿ إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴾. « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ »، « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا »، « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ». أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إخواني في الله، في هذه الليلة المباركة، وفي هذا المسجد المبارك، نلتقي في مثل هذا المقام المبارك، نتذاكر وإياكم ما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا، من قال الله، ومن قال رسوله صلى الله عليه وسلم. ونحن في هذه الليلة، إخواني في الله، في محاضرة بعنوان «ظاهرة انحراف الشباب»، وهذا العنوان تم اختياره من بعض الأخوة ممن لهم القيام في هذا المسجد المبارك. وكان هذا العنوان، إخواني في الله، «ظاهرة انحراف الشباب» من المواضيع المهمة، بل ومن المواضيع الملحة. وسوء معنى، إخواني في الله، ما يدل ويدلل على أهمية طرح هذا الموضوع، وخاصة ونحن في هذه الأزمان. وقبل الخوض، إخواني في الله، في ذكر أهمية هذا الموضوع، نفي أولًا حول العنوان المطروح، «ظاهرة انحراف الشباب». كلمة «انحراف»، إخواني في الله، هي عبارة عن مظهر، وهي عبارة عن سلوك، إلا أنه من المظاهر الدنية، ومن السلوكيات الخطيرة التي ما ينبغي لأحد من المسلمين أن يقع فيها، أو أن يتلبس بها. لأن المنحرف، إخواني في الله، هو المعرض عن دين الله سبحانه وتعالى. المنحرف ما سمي منحرفًا إلا لأنه انحرف عن الصراط المستقيم، وعن المنهاج القويم. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «والمنحرف إما المبتدع في دينه، أو الفاجر في دنياه، هذا هو المنحرف». ما يكون أحد أبدًا منحرفًا إلا إذا انحرف إلى هذا المسلك، مسلك الإبتداء، أو إلى مسلك الفجور. «فَعَلَى مَا يُعْبَدُ اللَّهُ»، «تَرْضَوْنَ بِهَذَا أَوْ بِذَاكَ»، «تَرْضَوْنَ بِهَذَا أَوْ بِذَاكَ»، فالمنحرف، إخواني في الله، هو معرض. قال عليه الصلاة والسلام، قال سبحانه وتعالى: «وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا»، توعده ربنا سبحانه وتعالى بالعذاب الأكيد، وبالتهديد الشديد. وذاك في حق من سولت له نفسه أن يعارض، أو أن ينحرف عن هذا الصراط، وعن هذا المنهاج. إخواني في الله، موضوع الانحراف ليس فقط خطرًا على مرحلة الشباب، لكن الانحراف بشكل عام هو خطر على كل مسلم. ولتعلم يا عبد الله أن الانحراف ما من أحد قد يسلم منه، بل نحن عرضة للانحراف، وهذه مسألة لربما غفل عنها الكثيرون من الأخيار، ومن الطيبين. كم من أناس لربما إذا وجد نفسه مثلًا من أهل الصلاة، ومن أهل الصلاح، ومن أهل الاستقامة والاستجابة، أو من أهل التمسك بالدين، يظن أنه في منأى من الانحراف، أو أنه في بعد عن الضلال. لا يا عبد الله، من قال بهذا؟ من قال بأنك إذا كنت مصليًا، كانت لك ضمان من الله أنك ما تنحرف؟ ما عندك ضمان، لا أنت ولا غيرك، يضمن لنفسه أن يبقى على ثبات حتى ساعة الوفاة. ما أحد عنده هذه الضمانات. ربنا سبحانه وتعالى حكى عن الصالحين من السابقين السالفين، الذين كان عندهم من العبوديات أعظم منا بكثير، كانوا من أهل الطاعة، ومن أهل العبادة، كانوا على قمة في الإيمان والورع، ومع ذلك كله، كان الواحد منهم يخشى على نفسهم من الانحراف، يخشى على نفسهم من الضلال. فكان من دعائهم: «رَبَّنَا لَا تَزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ»، تأمل يا عبد الله إلى هذا الدعاء. الواحد منا لربما يفطن إليه. «رَبَّنَا لَا تَزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا»، هم على هداية، ومع ذلك هم على خوف، وعلى وجل من أن الله عز وجل يزيغ قلوبهم بعد الهداية إلى الضلالة. فكان من أثر خوفهم التضرع إلى الله: «رَبَّنَا لَا تَزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ». وكان من دعائهم: «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا»، مغترين على أعمالهم، وما اتكلوا على عباداتهم. الواحد منا، إخواني في الله، لو وفق إلى أن يحرص على بعض النوافل، لوجد نفسه قد بلغ في الإيمان مبلغًا، وأنه الكل في الكل في باب الطاعة والعبادة. لا يا عبد الله، ليس هذا الأمر، هذه الصورة، سلفه كان أعظم منك عبادة، وورعًا، وطاعة، واستقامة، وقبولًا على الله، ومع ذلك يقولون: «رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا»، يسألون الله أن يصبرهم على هذا الخير الذي هم فيه. ولهذا يا عبد الله، لم يكن هذا فقط على أهل الصلاة، بل حتى الأنبياء، وحتى الرسل، وهم سفراء الله، وهم الذين اصطفاهم الله من بين البشرية، فأعطاهم الله الوحي، وأعطاهم الله الرسالة، مع هذا كله، هم كانوا أيضًا يخشون على أنفسهم من أن يضلوا السبيل. هذا إبراهيم عليه السلام، الذي آتاه الله من الإمامة في أبواب الدين، في أبواب عدة، حتى أن الله أمر نبيه باتباع ملة إبراهيم. إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع قبلة الموحدين، «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا»، إبراهيم عليه السلام هو الذي أراد أن يضحي بابنه قربانًا لله، فلما بلغ معه السعي، قال: «يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ». إبراهيم عليه السلام هو الذي هجر أباه، وهجر قومه لله، وقال: «إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ»، إبراهيم عليه السلام هو الذي كسر الأصنام بيده، «فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ»، إبراهيم عليه السلام هو الذي ترك أهله، وترك عياله في بطن واد، امتثالًا لأمر الله. إبراهيم عليه السلام، إخواني في الله، هو الذي رفع راية الولاء والبراء. كم من المناقب؟ كم من المقامات التي حققها خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام؟ ومع هذا كله، كان من دعائه: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ»، خوفًا ووجلًا، وشفقة من أن الله عز وجل يسلم منهم هذا الخير. يخشى على نفسه بعدما كسر الأصنام بيده، ومع ذلك يخشى أن يأتي عليه الزمان فيعبد الأصنام، فيلتجئ إلى الله، ويتضرع إلى مولاه: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ». هذا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، الشافع المشفع، صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود عليه الصلاة والسلام، آتاه الله من المناقب، ومن الفضائل في الدنيا والآخرة ما لم يؤت أحدًا قبله عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك كان من دعائه: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». هكذا كان الأتقياء، هكذا كان الأنبياء، وهكذا كان الأولياء الأصفياء، كانوا يخشون على أنفسهم من الانحراف. لا تغتر يا عبد الله باستقامتك، ولا تفتخر يا عبد الله باستجابتك، ولا تتكل على الله بعبادتك، وإنما إذا فعلت أمرًا فاحمد الله، واعلم أن ذلك بتوفيق الله لك، وتسأل الله المزيد من فضله. فالانحراف، إخواني في الله، من المساوئ العظيمة التي ينبغي أن تدور في خلد كل أحد. «ظاهرة الانحراف»، «انحراف الشباب»، لا زلنا في هذا العنوان. «الشباب»، إخواني في الله، هو هذا الوصف، أو هذا اللقب الذي يطلق على تلك المرحلة العمرية من حياة الإنسان. حياة الإنسان مقسمة إلى مراحل: مرحلة الأجنة، مرحلة الصغر، مرحلة الشبابة، مرحلة اليفع، مرحلة الكبر، الشيخوخة والكهولة إلى آخره. فعدة مرحلة الشباب هي مرحلة من مراحل عمر الإنسان. واختلف العلماء في تحديدها: من أين تبتدئ؟ إلى أين تنتهي؟ على أقوال. الإمام النووي رحمه الله تعالى، عندما تكلم عن سن الشباب، رجح أن هذا السن يبتدئ من بلوغ، أي من بلوغ الشخص، من بلوغ الإنسان، إلى أن يبلغ الثلاثين، إلى أن يبلغ الثلاثين، هذا هو سن الشباب. بل قال رحمه الله تعالى: «قال وهذا مذهب أصحابنا من أصحابه الشافعية». وأما الثعالبي رحمه الله، يرى أن سن الشباب إنما هو من سن الثلاثين إلى الأربعين. وذهب بعض المعاصرين إلى أن سن الشباب يبتدئ من سن ثمانية عشر سنة إلى خمس وعشرين، ثمانية عشر السنة إلى الخمس وعشرين سنة، هذا يعتبر سن الشباب. طبعًا هذه المسألة ما تنضبط، هذه ما تنضبط، لأنها تختلف من بيئة إلى أخرى، ومن شاب إلى شاب، من حيث القوة والضعف، والهزالة والراحة، وتغير المناخ، وتغير الجغرافية، فضلًا عن تغيرات الجسمانية في الإنسان. فلا يمكن أن تتميز، ولذا ذهب من ذهب إلى أنه جمع الأقوال كلها، فقال: «أن سن الشباب يبتدئ من البلوغ إلى سن الأربعين»، هذا هو سن الشباب، باعتبار أن الأربعين المنتهى في سن الشباب. ولما بلغ أشده، وبلغ أربعين سنة، قال: «هنا أي أن أحصى سن الشباب الأربعين»، فهكذا ذكر جماعة، حتى يعطوا حيزًا لموضوع الشباب. بقي عندما تكلمنا عن مسألة الانحراف، إخواني في الله، وذكرنا أن ما من أحد إلا ويخشى على نفسه من الانحراف. لكن تجد أن موضوع المحاضرة «ظاهرة انحراف الشباب» جعلنا أن الشباب هو المخاطب بموضوع الانحراف. لماذا؟ السر في تعيين الشباب؟ ولماذا نخشى على الشباب من الانحراف من دون مراحل الإنسان هذا؟ إخواني في الله، لعدة اعتبارات. الاعتبار الأول: أن مرحلة الشباب، إخواني في الله، من المراحل التي اهتمت بها الشريعة، ونحن نهتم بما يهتم به ديننا. فإن الشريعة أعطت لمرحلة الشباب الأحقية عن غيرها من السنوات، ومن الأعمار. مثاله ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وذكر من هؤلاء: «وَشَابٌّ نَشَأَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ»، ذكر وخص الشباب. وثبت كذلك في السنن من حديث أبي برزة الأسلمي، ومن حديث ابن مسعود، قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَزُولُ قَدَمُ عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ»، تأمل في هذا الحديث، تجد أن سن الشباب سيسأل عنه يوم القيامة مرتين. ستسأل عنه يا عبد الله يوم القيامة مرتين. أولًا: أن الله سيسألك عن عمرك كله، عن عمرك كله من أول عمرك إلى آخره، ستسأل عن أعمالك، ماذا فعلت في كل ساعة؟ ولا شك أن مرحلة الشباب من أخص العمر، هذا ستسأل عنه. ومع هذا كله، سيأتي سؤال خاص آخر بعد «عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ»، «وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ»، يأتي سؤال آخر في سن الشباب، ستسأل عنه مع العمر، لكنه يخص. لماذا تخص الشباب؟ لأنه مرحلة ليست كباقي المراحل، تحتاج إلى عناية، تحتاج إلى وصاية. فلما كان الشرع بهذه المثابة، راعى مرحلة الشباب، فحق لنا أن نعتني كذلك بهذه المرحلة. فانحراف الشاب ليس كانحراف غيره. زد على ذلك الأمر الثاني: أن الشاب في مرحلة شبابه عنده من القوة، ومن الفتوة، ومن النشاط، ومن العطاء والبذل ما ليس في مرحلة أخرى. هذا الذي عند الشباب، عندهم شيء من النشاط، والقدرة، والقوة على الإنجاز، على البذل، على العطاء، هذا ما يقع في أثناء الأطفال؟ هل تأتي بطفل عنده قوة كقوة الشاب؟ ما يمكن. وليس هذا عند الكبار، عند الأشياخ، وعند الكهول، ما عندهم ما عند الشاب من القوة. هذا لا يكن. من هنا في حديث الوحي، عندما ذهبت خديجة بنبينا إلى ورقة بن نوفل، فعلن ورقة أن الذي أنزل على نبينا في الغار هو الوحي، فما الذي تمنى؟ قال: «يَا لَيْتَنِي كُنْتُ جَذَعًا حَيْثُ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ»، فقال نبينا: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟»، الشاهد ما الذي تمناه ورقة؟ تمنى أن الله يرده إلى الشباب، لو كان هذا بمقدوره. قال: «يَا لَيْتَنِي كُنْتُ جَذَعًا»، بمعنى شاب، بمعنى فتى، بمعنى قوي. لماذا اختار الشباب؟ لأنه بهذا السن سيناصر نبينا، ويؤازره، ويكون معه، عضدًا معه عليه الصلاة والسلام. وهكذا إخواني في الله، فتجد أن دين الله ما نفع إلا على أكتاف الرجال، على أكتاف الشباب. وقد جاء حديث، وإن كان ضعيف، يقول: حديث مروي عن نبينا أنه قال: «نُصِرْتُ بِالشَّبَابِ»، قال شيخنا مقبل: «وهذا لا يصح، هو ضعيف، لكن معنى صحيح»، قالوا: «أنه نصر بالشباب»، فالذين نصروا دين الله هم الشباب، هم الذين أخذوا الجيوش، وأخذوا كذلك السرايا والبعوث، حتى فتحوا المدن والأقاليم، وأسقطوا الدول الكفر، دولة بعد دولة، هم الشباب. أعطاهم الله من القوة، وأعطاهم الله من الجد أنهم ما يمنعهم شيء، متى ما اعتقدوا أمرًا ما فعلوه. لما أعطاه الله من القوة. في السنن أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه يومًا ما في أحد الغزوات: «مَنْ أَتَى إِلَى مَكَانِ كَذَا أَوْ كَذَا أَوْ مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا»، وعد نبينا أن من صنع أمرًا ما، وفي الحديث مبهم هذا الأمر، من صنع أمرًا ما، أو من وصل إلى مكان ما، فله كذا، أي من أجره، والأجر؟ قال الراوي: «فَأَسْرَعَ الشُّبَّانُ»، شباب أصحاب، حركة، أسرع الشبان، «فَجَلَسَ الشُّيُوخُ عِنْدَ الرَّايَاتِ»، الكبار، هؤلاء مهم حق حركة، فجلس الشيوخ عند الرايات. قال: «فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، جَاءَ الشُّبَّانُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يَطْلُبُونَهُم بِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ»، فقال الشيوخ: «أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟ وَاللَّهِ لَا تَذْهَبُونَ بِدُونِنَا، إِنَّا كُنَّا تَحْتَ الرَّايَاتِ رِدْءًا لَكُمْ»، يعني كيف تروحون؟ فأسعدناكم جلسة تحت الرايات، ننتظركم. قال: «كُنَّا لَكُمْ رِدْءًا نَمْنَعُ نَحَاوِلُ»، أنتم ذهبتم تذهبون تأخذون غنيمة من غيرنا؟ قال: «لَا تَذْهَبُونَ بِدُونِنَا، إِنَّا كُنَّا لَكُمْ رِدْءًا»، فأنزل الله قوله سبحانه وتعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ»، قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: «وهذا حديث صحيح»، هذا حديث صحيح. أشاهد إخواني في الله، تجد أن الشباب متى ما اعتقد أمرًا فعله. ولهذا إخواني في الله، وهذا تكمن الخطورة، تكمن الخطورة في الشباب، أن تخيل الذي شيء يعتقد يفعله. فتخيل إذا اعتقد الانحراف، إذا اعتقد الشاب مذهب الانحراف، مذهب الضلال، ما الذي سيفعل؟ ما يحجده شيء، سيمنع ويكسر ويفعل أي شيء حتى يلبي الانحراف الذي في قلبه، يساعده بذلك هذا العمر. ولهذا كان ينبغي الاهتمام بانحراف الشباب. زد على ذلك الأمر الثالث: أن سن الشباب، إخواني في الله، فيه طيش، فيه طيش صحيح، فيه عنده قوة، لكن يتخدعه ما لا العقل عنده، عجلة عنده، طيش عنده، تهور، لو ربما يستعجل الأمور قبل حلها، لو ربما يأتي بألفاظ قبل أن يتأمل فيها، لو ربما يتسرع في أحكام، وهذا ليس وقتها. مثاله ما جاء في الصحيحين عندما قسم نبينا الغنائم يوم حنين، قسم، وكانت الغنائم بكثرة، وخاصة مع هوازن، أخذ نبينا الكثير من الإبل، أخذ يوزع نبينا، وخاصة أنه تقصد المؤلفة ممن قرب إسلامه من أهل الفتح، فكان يعطيهم يعطي المئة من الإبل، يعطي الوادي من الإبل، يعطي، ويعطي الكبراء من أهل قريش. والأنصار الذين شاركوا في الغزوة ما أعطاهم شيئًا، وهذا كان عن عمد، وهذا من سياسة الحكمة التي أوتيها نبينا عليه الصلاة والسلام. إلا أن أناسًا مرتضوا هذا من نبينا، حتى قال الراوي: «فَزَادَتِ الْقَالَةُ»، زادت القالة، أي زاد كلام في المعسكر، كيف كيف وصلوا ليعطي فلان مئة من الإبل، مئة واد من الإبل، مئة من الغنم، ونحن ما أعطاهم شيئًا؟ زادت القالة، «فَقَالَ حَتَّى بَلَغَ الْأَمْرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، في الصحيحين، في أحيان الطويل. ثم أمر نبينا بجمع الصحابة، وخاصة الأنصار، فجمعوا في حضيرة، ثم قال: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟»، انظر الشاهد. فقال الفقهاء من الأنصار: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنْ حَدِيثَةِ أَسْنَانِهِمْ»، قالوا: «يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ، يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَمْنَعُنَا، وَإِنَّ سُيُوفَنَا لَتَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ»، الشاهد قال: «أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا فَمَا قَالُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنْ حَدِيثَةِ أَسْنَانِهِمْ»، قال الشراح: «أي من الشباب»، شباب، لكن عندهم تعجل في الحكم، أطلقوا الحكم في غير محله. ثم قام نذين ولامهم، وعاتبهم على ما صدر منهم. ولهذا إخواني في الله، فإن الشباب عنده طيش، عنده طيش، وهذا الطيش إذا أصاب انحرافًا في ذهنه، فحينها حدث يا عبد الله عن الفساد الذي يقع فيه. ومن هنا كان الشباب هم حطب حطب أهل البدع، حطب أهل البدع. وانظر وتمعن يا عبد الله فيمن هم أهل الخوارج، وصفهم نبينا بقوله: «سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ حَدَثَاءُ الْأَسْنَانِ»، ما معنى «حَدَثَاءُ الْأَسْنَانِ»؟ قال العلماء: «أي أنهم صغار»، بمعنى أنهم أحداث، أي شباب. فما الذي كانوا؟ كانوا هم الذين كونوا فرقة الخوارج. ولهذا تجد يا عبد الله أن الفئات المبتدعة، والفئات المبتكرة، تجد أن الذي يجنح تحتهم هو صغار. لماذا؟ للطيش؟ أذكار تتراودهم فيجعلونها منهجًا، منهجًا فيسيرون عليه. ومن هنا إخواني في الله، عاب العلماء عاب العلماء أن يكون القائد، أو أن يكون الذي يؤخذ العلم عنده صغير، ممن لم يتفقه في الدين. كما أثر ذلك في السنن، أو عن الطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ»، من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال العلماء: «الأصاغر هو الذي ما تفقه في دين الله، رجل صغير ما تفقه»، فإذا به يا عبد الله يقود حملة، يقود جماعة، أو أنه يفتي في النوازل، كما نسمع في هذه الأزمان. في الحروب، حروب الدماء التي وقعت في الوطن العربي والإسلامي، تجد أن مرجعها إلى أناس مسكوا زمام الفتوى، وهم ليسوا أهلًا للفتوى، دخلوا على ربيعة بن عبد الرحمن من أئمة السلف، فإذا به يبكي بكاء شديدًا. فقيل له: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمُصِيبَةٌ حَلَّتْ بِكَ؟»، قال: «لَا، وَلَكِنِ اسْتُفْتِيَ فِي الدِّينِ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ»، استفتي في الدين من لا علم عنده. وها نحن نبكي في هذه الأزمان، عندما أحيلت الأمور العظام من نوازل الكبار، من مسائل القتل والقتال، ومسائل الدماء والأعراض، أنيطت إلى أناس حدثاء الأسنان، صغار. فإذا بهم يفتون، وإذا بهم يفصلون، وإذا بهم يقضون، فحصل الذي حصل من الهرج والمرج، والفتن ما قامت، وما قعدت. فالحاصل إخواني في الله، فهذه ميزة في الشباب: الطيش والتهور والعجلة. «إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا الْأَحْدَاثُ دَبَّرَهَا دُونَ الشُّيُوخِ، تَجِدْ فِي سَيْرِهَا الْخَلَلُ»، إن الأمور إذا الأحداث، دبرها الأحداث الصغار، إن الأمور إذا الأحداث دبرها دون الشيوخ، تجد في سيرها الخلل، تجد في السير الخلل. أما ذا؟ لأنها كانت من هؤلاء الصغار. وكما قيل: «مِنَ الْأَحْدَاثِ الْأَحْدَاثُ»، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال والشيخ وإن ضعف بدله، فإن عقله أقوى من الشاب»، أقوى من الشاب. لماذا؟ لأن الشاب عقل فيه طيش. إذا إخواني في الله، هذه المعطيات الثلاث التي تدل على أهمية الاعتناء بباب الشباب، وخاصة في باب الانحراف. فـ«ظاهرة انحراف الشباب» مهمة، لأن الشريعة دلت عليها، ولأن الشباب هم أهل القوة والفتوة، فمتى ما دب الانحراف، وهم على هذه المرحلة، فحدث يا عبد الله عن الفساد. وأيضًا هم أهل طيش، وأهل تهور، وعدم تعقل، فلربما دب إليهم الانحراف، فحدث الفساد العريض. تأتي إخواني في الله مسألة أخرى، وهي أهمية هذا الموضوع، ما أهمية هذا الموضوع في هذا الزمان خاصة؟ تكمن كذلك في أمور ثلاثة. أهمية إخواني في الله أن نتناقش وإياكم، وأن نفتح ملف انحراف الشباب في هذه الأزمان خاصة، لأمور. الأمر الأول: كثرة الفتن، كثرة الفتن، الفتن إخواني في الله في هذه الأزمان قد فشت، وكبرت، وعظمت. ما تلتفت يا عبد الله يمنة ويسرى إلا وتجد الفتن أمامك، الشهوات والملذات، والمغريات عن دين الله كثير، لا كثرها الله. أخبر عليه الصلاة والسلام أن من أشراط الساعة، كما في الصحيح من حديث أنس: «أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَأَنْ يَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَأَنْ يَظْهَرَ الزِّنَاءُ، وَأَنْ تُشْرَبَ الْخَمْرُ»، تشرب الخمر. وجاء كذا في البخاري معلقًا: «يُسْتَحِلُّ فِيهَا الْحَرَةُ وَالْحَرِيرُ وَالْخَمْرُ وَالْمَعَازِفُ»، الحرة والحرير، الزنا يستحل، وانظر يا عبد الله كم من الحوادث تسمعها؟ حوادث الزنا والفواحش. وما ذاك إلا لكثرة هذه الفتن الموجودة في هذه الأزمان، أصبحت ميسرة. بالأمس لأن الواحد لو قدر الله أراد أن يفسد، أراد أن يفعل فاحشة، يفكر أين سيفعل فاحشة؟ وإذا حصل مكان، من ذا الذي سيواطئه على الفاحشة؟ وإذا استطاع كيف يتواصل مع الفاحشة؟ تجد أنه بينه وبين الفاحشة أمور، حتى يقع الفاحشة، حتى يترك. وكثير من الناس تركوا الفاحشة من زمن الأول لعدم القدرة عليها. أما في هذه الأزمان يا عبد الله، أصبحت الفواحش ميسرة، فقد هم بقى، لو عندك هم للفاحشة، فإن ستأتيك والعياذ بالله، تأتيك لكثرة الفتن. ومن هنا تكمن الخطورة، فإذا كانت الفتن موجودة في كل مكان، في بيوتنا، بل حتى في جيوبنا، في الجوالات. ما يحل بينك وبين الفتن إلا تقوى الله عز وجل، الجوال هذا يا عبد الله، بإمكانك بزر تضغط، عبر نت، أو بالتصوير، أو بالإرسال، تأتيك ما لا يرضاه ربنا عز وجل، من الأقوال الكفرية، من المناظر الإباحية، مما يجلب عليك سخط الله عز وجل. من الذي يردعه؟ تقوى الله سبحانه وتعالى. وإن كنت يا عبد الله عديم التقوى، أو قليل التقوى، تنجر خلف الفتن، في في جيبك. ولهذا فإذا كان الشباب تتراقص أمامهم الفتن، فينبغي أن نراعي هذا الباب، وأن نذكر أنفسنا بأهمية تحصين الشباب من هذه الفتن التي وقعت. كذا إخواني في الأهمية الموضوع تكمن: أن الكثير من الشباب قد ضلوا عن سواء السبيل، الكثير من الشباب. نحن في هذا المسجد، وفي هذه القرية المباركة، وفي هذه البلدة الطيبة، فيها الكثير من الشباب، أين هم؟ نحن في هذا المسجد، لو صفينا، أخرجنا الضيوف، وأخرجنا الوفود، وحسبنا شباب البلدة، لو ربما قلنا: لا أقول أصبع اليد الواحدة، ولا أصبع اليدين، بل قل مع الرجلين عشرين، هل سيزيدون؟ ما سيزيدون. لكن لو كان هناك مباراة، أو كان هناك أمسية في الجانب الثاني، مثلًا من بعد المغرب، كم هي الوفود؟ كم هي الجموع؟ كثيرًا متكاثر، للأسف. بهذا نعني إخواني، فلا أن الكثير من الشباب قد ضلوا، وأنهم رضوا بالدني في دينهم، ورضوا بالانحراف. كثير منهم إخواني في الله قد أهمل، والكثير والكثير من مسائل الشرع. كذلك إخواني في الله مما يدلك على أهمية الموضوع: وهو أن الكثير من المنحرفين من الشباب قد انحرفوا، ولا يرى نفسه أنه منحرف، وهذه البلية العظمى. تتكلم عن الانحراف، يذهب الشاب إذا سمع بالانحراف، يرى أن الانحراف شيء من مريخ، سيأتيه، ليس موجود، ولا يرى أنه منحرف. تجده ت