فضائل أهل اليمن

فضائل أهل اليمن

المحاضرة بعنوان فضائل أهل اليمن، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش يوم السبت 3 محرم 1447هـ الموافق 28 يونيو 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضائل اليمن وأهلها ومكانتهم في الإسلام

يتحدث عن فضائل اليمن وأهلها في الإسلام، ويبرز مكانتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم. يشير إلى تطلع النبي إلى إسلامهم ودعائه لهم بالبركة.

صفات أهل اليمن المميزة

يتميز أهل اليمن بصفات حميدة مثل الإيمان، الرقة، الفقه، الطاعة، والحكمة. هذه الصفات تجعلهم متميزين في قبول الدين وتأثير المواعظ والعلم.

دور أهل اليمن في الفتوحات الإسلامية وتاريخهم البطولي

قاد أهل اليمن معارك حاسمة في الفتوحات الإسلامية مثل القادسية واليرموك. وأشار إلى أهمية الاعتزاز بهذا الإرث مع الحفاظ على التواضع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا اللقاء بآبائنا ومشائخنا وإخواننا في هذه الدار المباركة، وأضم صوتي مع صوت إخواني في شكر شيخنا، بعد شكرنا لله، بما كان من ترحيبه وحفاوة إكرامه، وهذا مما عهدناه عنه من طبع أخلاقه ومن كريم صفاته، فأسأل الله عز وجل أن يحفظه ويرعاه، وأن يطيل في عمره ويبقيه ويحفظه من كل سوء ومكروه. إخواني في الله، سمعتم في كلمة المشايخ الأجلاء، في كلمة أخينا الشيخ المفضال أبي عبد الله، ما يتعلق بضرورة العناية بكبار السن، وهكذا في كلمة أخينا الشيخ المفضال أبي معاذ حفظه الله، في ثلاث الخصال التي ينبغي للإنسان أن يصفي قلبه إزاءها. إخواني في الله، كان الإسلام في بداية أمره، وفي أول نشوءه، كان في عراك شديد، وفي حرب طويلة بين الشرك والمشركين، وصراع مرير بين الكفار والكافرين، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم حينها يتطلع إلى أهل المحلة الكبرى، من أهل المدن والأقاليم العظمى، عل وعسى أن يسلموا فيكونوا سنداً للدعوة، فينصر الله جل وعلا بهم الدين. روى الإمام الطبراني رحمه الله تعالى، من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العراق وإلى الشام وإلى اليمن، فقال: «اللهم أقبل بقلوبهم على عبادتك». ومع هذا التطلع لهذه الأقاليم، إلا أن قلبه عليه الصلاة والسلام كان يهفو لمنطقة من هذه المناطق، لما أعلمه الله جل وعلا من عظيم قدرها وعظيم شأنها، ألا وهي بلاد اليمن. فقد جاء من حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال: «اللهم أقبل بقلوبهم». حديثي وإياكم، إخواني في الله، في هذا المقام، أولى ذكر شيء عن فضائل اليمن، أذكر هذا لعدة أمور: الأمر الأول، أن نستذكر ما جعله الله جل وعلا لنا من الفضائل والمناقب التي حق لكل واحد منا أن يرفع بها رأسا. والأمر الثاني، بطرق هذا الموضوع، أن يستشعر أهل اليمن أن ما أصابهم، كما نرى في هذه الأزمان، من الضعف المادي والإقلال المالي، أنه ليس دلالة على الهون والدون بين الأنام، لا ليس هذا بلازم، فإن هذا الإقلال المادي لأمر أراده الله، لكن بالمقابل قد فضلنا الله على غيرنا من الأنام بفضائل عظيمة تتصاغر فيها الدنيا وما حوت. ثالثا، من خلال طرق هذا الموضوع، إخواني في الله، سيكون النظر إلى الصفات التي تميز بها أهل اليمن، ومن خلالها تحصلوا على هذه الفضائل والمناقب، فلا تظن أن هذه المناقب والفضائل مضت وانتضت، بالمقابل لا تظن أنها باقية لكل واحد منا حمل جنسية، الأمر ليس بهذا الانتماء، وإنما تنتمي إلى الأسلاف بالصفات وبالأخلاق وبالأعمال والأحوال والأقوال التي كانوا عليها. رابعاً، في طرقنا لهذا الموضوع، إخواني في الله، الرد على بعض الناعقين ممن أرادوا أن يسلبوا منا هذا الفضل، بل وهذه المفخرة، فأخذوا يدللون على أننا لسنا من أهل اليمن، وأننا ببعد عن هذا الإقليم، وأنهم دولة ونحن في جانب آخر. كيف هذا يا عبد الله، والعلماء قديماً وحديثاً تتابعوا على أن هذه الحدود هي حدود أهل اليمن التي جاءت في حقها الفضائل؟ كما ذكر ذلك مثلاً الياقوت الحموي في معجم البلدان عن الأصمعي، عندما أراد أن يبين حدود اليمن، قال: من عمان إلى نجران، قال: ثم تدور وتلتف حول بحر العرب، من عدن إلى الشحر، هكذا قال: من عدن إلى الشحر، هذه حدود اليمن لمعناها. فكيف تسلبنا يا عبد الله هذا الشرف؟ سارت مشرقة وسرت مغربة، فشتان شتان بين مشرق ومغرب. أعود إخواني في الله، بعد هذه المقدمة، لا أنا بصدد فطلع نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذه المحلة، إلى أهل اليمن، في أن الله جل وعلا يقبل بقلوبهم، ولماذا؟ وكيف لا؟ فهم فهم أصل السيادة والأصالة، هم أصل العرب، والعرب إليهم ينتسبون. هذه البلدة لهم، لهم تاريخ عريق، وكذلك لهم مجد تليد، فهو بلد غني بثقافته، قوي ببطولته، واضح بحضارته، كريم في أصله ونسبه، ولهذا كان نبينا يتطلع إلى إسلامه. استجاب الله لدعاء نبينا، فأقبل الله بقلوب أهل اليمن، فاستبشر عليه الصلاة والسلام، وكم اغتبط بإيمانهم. بل جعل عليه الصلاة والسلام إسلام أهل اليمن إشارة إلى النصر المؤزر، وإلى الظفر القوي للدين وأهله، ولهذا جاء عند ابن حبان، وعند البزار، من حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جاء نصر الله، جاء الفتح، جاء أهل اليمن». استبشر نبينا صلى الله عليه وسلم جدا بإسلامهم، بمجيئهم، بدخولهم في الإسلام، أتى النصر المظفر والمؤزر للدين وأهله. وهذا الذي صار، كما سيأتي معنا، كان المدد الإسلام في شرق الدنيا وفي غربها، من هذه البقاع المباركة، من بلاد اليمن. وكان عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يدعو بالبركة، كما جاء في البخاري، من حديث ابن عمر، كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا»، كررها ثلاثا عليه الصلاة والسلام، يدعو لهم بالبركة. وكان الأمر كما أراد عليه الصلاة والسلام، سرعان ما ظهرت البركة على أهل اليمن، ظهرت البركة في أقوالهم، في أفعالهم، في تصرفاتهم. جاء من حديث أنس بن مالك، قال عليه الصلاة والسلام: «قد أتاكم أهل اليمن، أرق قلوبا، وألين أفئدة»، قال أنس: وكانوا أول من جاء بالمصافحة. جاء في رواية الإمام أحمد في مسنده، من حديث أنس، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «يقدم عليكم غدا قوم، أو أقوام، هم أرق قلوبا للإسلام منكم»، قال أنس: فقد جاء الأشعريون، قال: وفيهم أبو موسى الأشعري، فلما دنوا المدينة، أخذوا يرتجزون، وهم يقولون: غدا نلقى الأحبة، محمدا وصحبه، قال أنس: فلما دنوا منا، أخذوا بالمصافحة، قال أنس: وكانوا أول من جاء بالمصافحة، باركة ظهرت، خيرية في أول إسلامهم، أظهر الله الخير على يديهم. أول من جاء بالمصافحة، من فضائل أهل اليمن، إخواني في الله، أنهم من خيار أهل الأرض، هم الخيار، جاء من حديث جبير بن مطعم، ورضي الله تعالى عنه، ما في مسند الإمام أحمد، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كنا في طريق مكة، قال عليه الصلاة والسلام: «يطلع عليكم أهل اليمن، كأنهم السحاب، كأنهم السحاب، هم خيار من في الأرض». قام أنصاري، قال: يا رسول الله، ولا نحن؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعاد الأنصار: ونحن يا رسول الله؟ فسكت عليه الصلاة والسلام، فأعاد الثالثة: ونحن يا رسول الله؟ قال نبينا بعدها: قال كلمة خفيفة: «إلا أنتم، إلا أنتم»، فأهل اليمن هم الخيار، والحديث في صحيح الجامع، هم الخيار، فضلهم الله جل وعلا بعلو قدرهم ورفعة شأنهم، بعظيم الخير الذي أراده الله لهم. لهم الفضل، فاقوا به من قبلهم، جاء في صحيح البخاري، من حديث عمران بن حسين رضي الله تعالى عنه، قال: وفد بنو تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم نبينا: «أقبلوا البشرى، أقبلوا البشرى، يا بني تميم»، قالوا: قد قبلنا البشرى، فأعطنا، قال عمران: فتغير وجهه عليه الصلاة والسلام. قال العلماء: سبب التغيير، أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بشرى الآخرة، وهم ظنوها بشرى دنيوية، فقالوا: يا رسول الله، قد بشرتنا فأعطنا، فتغير وجهه، قال عمران: فجاء ناس من اليمن، فقال عليه الصلاة والسلام: «أقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم»، قالوا: قد قبلناها يا رسول الله. هي لهم، بشرهم الله على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، بالفضائل الكثيرة. إخواني في الله، لست بصدد تتبع الفضائل، فهي كثيرة، معدودة أو مذكورة في كتب السنة، لكني أشير إلى مبحث مهم، وهو الصفات، ما هي الصفات التي اتصف بها أهل اليمن؟ وهذا هو بيت القصيد، حتى نعلم بماذا ارتفعوا على غيرهم، وكيف نحن نصل إليهم. من صفات أهل اليمن، أنهم أهل إيمان، كما جاء ذلك في الصحيحين، من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان يمان»، فأهل اليمن عندهم تقبل عظيم للدين، فإن الإسلام والإيمان سرعان ما يتغلغل في قلوبهم، ويظهر في أحوالهم. فمنذ أن بزغ فجر الإسلام، وظهرت بعثته عليه الصلاة والسلام، سارع أهل اليمن إلى الإيمان والإسلام بنبينا عليه الصلاة والسلام. روى الإمام البخاري في صحيحه، عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال: بلغنا مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن باليمن، قال: فخرجنا إليه مهاجرين، أنا وإخوان لي، أنا أصغرهم، في ثلاثة وخمسين رجلا، بس، فقط بلغهم، خرجوا أفرادا وجماعات، مسارعين إلى الدين. وهذا نرى، إخواني في الله، لا نزال من آثار قوة الإيمان في أهل اليمن، مثلا ما نرى، مثلا من هذه الحملات الشرسة من المنظمات، وعمليات التنصير والتبشير، والعلمنة، والذين جاءوا بكل ثقلهم، بكل مؤسساتهم التي بلغت الآلاف، وأتوا بالملايين العظيمة التي لا يتخيلها أحد منا، كل ذلك في سبيل التغيير العقيدة الإسلامية في بلاد اليمنيين. يا ترى ما الذي حصلوا من هذا الجهد الجهيد، وهذا المال المتدفق الكثير؟ ما حصلوا إلا القليل، أو قل النزر اليسير، مع أن هذه الأموال لو بذلت في أماكن أخرى، لربما استقطبوا الكثيرين، لكن لما جاءوا إلى بلاد اليمن، تعبوا، بل إن منهم من لربما يضحك عليه، يظهر شيئا، فإذا أخذ حظه من دنياهم، انصرف ورجع إلى دينه. حتى أن بعض المنظمة تعبت، لعدم وجود الأنصار، فأولا، هذه بلاد اليمن، يا عبد الله، الإيمان يمان، متأصل في أهلها، ومن شذ لا عبرة به. الصفة الثانية من صفات أهل اليمن، أنهم أهل رقة، كما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «أرق قلوبا، وألين أفئدة»، قلوبهم لينة، تخشع، تخضع، تتأثر سريعا بمواعظ الله، ما تتحمل موعظة تلو موعظة، سرعان ما يذوب، يتأثر. روى الإمام البيهقي، من حديث البراء بن عازب، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا إلى بلاد اليمن، فكنت معه، قال: فلما وصلنا إليهم، خرجوا، إلا أن عليا قال: صلى بنا، فصففنا خلفه صفا واحدا، فلما انقضى من صلاته، قدم إليهم، وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال البراء: فأسلمت همدان جميعا، فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام همدان. فلما وصل الكتاب إلى رسول الله، فعلم بإسلامهم، خر ساجدا، ثم رفع رأسه، وقال: «سلام على همدان، سلام على همدان». ثم تتابع الناس إلى الإسلام، الحديث يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله. أسلموا، قراءة قرأ عليهم كتاب رسول الله، وفي ذلك يا عبد الله تنشيط لنا، معاشر الدعاة، نحن في بلد، خصب القلوب فيها لينة، والخير سرعان ما يظهر، وكلنا يرى هذا. تتنقل إلى المساجد، فتجد الجموع تجلس حبا، بل المساجد تزدحم بالمصلين، بل في المواسم، انظر إلى صيام النفل، كيف أن الناس في عرفة، وفي عاشوراء، وفي الاثنين والخميس، ما يكاد بيت يخلو من صيام، بل والله السد من شوال، في بعض القرى، عن بكرة أبيها، عن بكرة أبيها، تصوم السد، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، قلوب لينة، تحب، متعطشة، فاستغلوا، يا أيها الدعاة، هذه البيئة الخصبة. وانظر لهذا الخير الذي انتشر في اليمن، لا يكاد له نظير، فهذا من أعظم صفاتهم اللين. الصفة الثالثة، الفقه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «والفقه يمان»، كما جاء ذلك عن ابن عباس، عند البزار، «الفقه يمان»، فهم أهل فقه، وأهل علم، وأهل معرفة بالأحكام الشرعية، تميزوا بحبهم للعلم، وحلقات العلم. ولك يا عبد الله أن تنظر في التاريخ الإسلامي، كم من رجل ارتقى اسمه، وارتفع نجمه، وأصبح إماما للمسلمين، جيلا بعد جيل، فانظر في حاله، فإذا هو من معاشر اليمنيين، انظر في هذه الأزمنة المتأخرة، كالإمام الشوكاني، والصنعاني، وابن الوزير، وغيرهم كثير. بل كانت اليمن محطة أنظار العلماء، يفيدون في طلب العلم، وما رحلة الإمام أحمد، وابن معين، إلى اليمن، عند عبد الرزاق الصنعاني، بخافية عن الجميع، كانت هذه البلاد محطة للعلم والعلماء. وفي خاتمة هؤلاء، ريحانة اليمن، ومحدث الجزيرة، مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، كيف كان الناس يفيدون من كل دول العالم إلى مركزه. الفقه يمان، ولا زالت هذه الخصلة الحميدة موجودة، تأملوا، تأملوا يا عباد الله، إلى هذه المراكز، دور الحديث، التي لا نظير لها في بلاد المسلمين، دور تنتشر، يأتي إليها الطالب، لا لشيء، لا لشيء، ينقطع عن أهله وعن أسرته، إنما الذي يأتي به ربه لطلب العلم، يبقى الأيام والأسابيع والشهور والأعوام، ربى به العلم. وأصبحت المراكز، ما تكاد منطقة أو محافظة، وتخل من مركز أو مركزين، وأصبح الناس يفيدون، ليس على مستوى المحلي، بل على المستوى الإقليمي، وحتى أصبح الكثير من الدول تتأسى ببلاد اليمن، في إقامة دور الحديث، في بلدانهم، في شرق الدنيا، وفي غربها، الفقه يمان، الفقه يمان. وانظر يا عبد الله، إلى مجالس العلم، والله لربما في بعض الأماكن، ليست ببعيدة عنها، من كبار أهل العلم، يقام له مجلس، إذ بالحضور العشرة أو دون العشرة، قل من يأتي لكبار العلماء، وعندما تأتي إلى بلاد اليمن، لربما طالب طويل بعلم، تكلم، تجد الجموع تحبب الناس، وأصبح العلم يجري في عروقهم، الفقه يمان. الخصلة الرابعة من خصال اليمنيين، إخواني في الله، أنهم أهل طاعة لولاة أمورهم، فهم مع ولاة أمورهم كالجسد الواحد، كالجسد الواحد، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان يمان»، هم أرق أفئدة، وألين قلوبا، وأنجح طاعة، وفي لفظة: «وأسمع طاعة»، وفي رواية: «وأبخع طاعة»، أنجح وأسمع وأبخع، قال نصر بن علي: قلت للأصمعي: ما تقول في فضيلة اليمن، أنهم أبخع طاعة؟ قال: أي أنصح طاعة. عندهم النصح لولاة الأمور، وهم وإياهم لحمة واحدة. قد يقول قائل: إذا كان كذلك، فمن الذي نراه من هذه الثورات؟ نقول: نعم، هي صدرت من أهل اليمن، لكن من قوم تسممت أفكارهم، سممت أفكارهم، وانحرفت مناهجهم، وخرجوا عما كان عليه آباؤهم وأجدادهم، فهم قوم تلوثت فطرتهم. كما في الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة، فأباواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». الإنسان لو بقي على أصله، يبقى على الجادة، لكن تأتي العوامل، ممن يستمع إلى أهل البدع والأهواء، أو ينظر إلى الأفكار الغربية والشرقية، فيذهب يمنة ويسرة، هذا ليس علينا منه مأخذ، حديثنا مع الذي يبقى على الجادة، فإنه يرى من نفسه طواعية. كذلك من صفات أهل اليمن، الحكمة، هم أهل حكمة، كما جاء في الصحيحين، «والحكمة يمانية»، هم أهل حكمة، مواقفهم تقوم على العقلانية، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وجعلت السكينة في أهل اليمن»، أهل سكينة، أهل تؤدة، إذا وقعت الأمور، ما استعجلوها، تأنوا بالنظر والتأمل والتباحث. ولهذا كف الله عنهم الكثير من الشرور، أوضاعنا الذي ابتلينا بها، لو كانت في غيرنا من المجتمعات، لضاعت وهلكت، لكن للسكينة، بالسكينة التي جعلها الله في أهل اليمن، دفع الله عنها الكثير من الفتن. فأهل اليمن هم أهل الحكمة. خامسا، من صفة أهل اليمن، يا عبد الله، أنهم أهل سنة، أهل سنة، تمسكوا بالسنة، بل قرنوا بين الإسلام والسنة، من أول يوم، كما جاء في حديث أنس بن مالك، أن أهل اليمن عندما أسلموا، كما في صحيح مسلم، وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، أرسل وابعث لنا رجل يعلمنا الإسلام والسنة. فما نشأت الدعوة في اليمن إلا على السنة، ما عندنا تشيع، ما عندنا تصوف، هذه أفكار دخيلة على البلاد اليمنية، ما عندنا أفكار حزبية، ما عهدناها، ما تربوا إلا على تعظيم السنة، ولهذا يا عبد الله، لما كانت السنة هي الدين الذي عليه الآباء والأجداد، نجد أن أثرها باق إلى هذه الأزمان، بما نرى في واقع الناس. السنة لا، هناك دعوة توازيها، ولا تساويها، تنتشر، ما تصعد رأس جبل، أو تنذر إلى واد، إلا وتجد دعوة لأهل السنة، وبقية الدعوات، الأصل فيها القلة، والإضمحلال. والله إن ذهبت هذه الغمة، ورفعت، تجد من ابتليت به بعض البلاد، بالتصوف، والحوث، والرفض، فإنها ستعود إلى محاضر السنة، لأن هذا الذي طبع ربنا لهذه البلاد اليمنية. جاء عند الطبراني، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي له بثوب معافري، وبثياب من المعافر، وهي من بلاد اليمن، فكان رجل في المجلس، فقال: لعن الله هذا الثوب، ولعن من صنعه، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تلعنهم، لا تلعنهم، فإنهم مني وأنا منهم»، أهل اليمن لا تلعنهم، فإنهم مني وأنا منهم، شرف شرف لأهل اليمن، لمدى قربنا برسول الله، ليس قربنا برسول الله بأنساب، ولا أحساب، لكن بماذا؟ تمسكنا بسنته عليه الصلاة والسلام. ومما شجع الناس في اليمن على التربية على السنة، ما كان من كثرة الصحابة الذين كانوا يفيدون على بلاد اليمن، خالد بن الوليد، ومعاذ بن جبل، وأبو عبيدة، وعلي بن أبي طالب، والبراء بن عازب، وابن عباس، وجماعات، جماعات، ربوا هذه البلاد اليمنية على السنة، ولهذا ظهر هذا في أفعالهم، وفي سلوكياتهم. ابن عمر، في موسم الحج، نظر، فإذا بوفد من أهل اليمن، فتأمل، فقال أصحابه: أتريد بمعنى كلامك أن تروا رفقة أشبه بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: بل، قال: انظروا إلى هؤلاء، هؤلاء من أشبه الناس بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا أمرهم، هل تظنون أن أهل اليمن سيسبون الصحابة يوما ما؟ لا والله، وإنما هذه الضغوطات، وابتلاءات، وفتن، سرعان ما ستزول بإذن الله. أخيرا، إخواني في الله، من صفات أهل اليمن، أنهم أهل المدد، أهل نصرة، وهذه من أعظم صفاتهم، أهل نصرة، نصر الله جل وعلا بهم الدين، لما وجاء أهل اليمن، قال عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر، جاء نصر الله، جاء الفتح، جاء أهل اليمن». ولعظيم فضل أهل اليمن على الناس، أمر النبي صلى الله عليه وسلم من الخلق جميعا أن يستوصوا بهم خيرا، لأنهم هم الجند، بهم الذب عن الدين، والحماية لحياض المسلمين. قال عليه الصلاة والسلام، مخبرا عن أهل اليمن: «الإيمان يمان، وهم مني وأنا منهم، فإنه يوشك أن يأتوكم أعوانا وأنصارا، فاستوصوا بهم خيرا»، هذه وصيته عليه الصلاة والسلام لأهل اليمن، الإيصابهم خيرا، لأنهم جند للإسلام وأهله، سينفع الله عز وجل بهم المدن والأقاليم. عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله استقبل بوجهي إلى الشام، وولى ظهري إلى اليمن، وقال لي: يا محمد، يا محمد، إني جعلت ما أمامك غنيمة ورزقا، وما وراءك مددا». مدد، مدد الإسلام وأهله، هم العسكر الذي بهم أقام الله جل وعلا الإسلام، والنصورات، والانتصارات، والفتوحات. حتى أن أهل التاريخ استحلوا على تسمية أهل اليمن بأمداد أهل اليمن، وهم جماعات، وغزاة، يذهبون شرق الدنيا وغربها، من أهل اليمن، سمي بهذا المصطلح، فيقال: فلان مددي، مددي، بمعنى من أمداد أهل اليمن، كان ذلك منذ بعثته، منذ بعثته. روى الإمام مسلم في صحيحه، عن عمرو بن مالك، رضي الله تعالى عنه، قال: خرجت في غزوة مؤته، في غزوة مؤته، فرافقني مدد من أهل اليمن، في أيام رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم يخرجون أهوزاه، تحت راية رسول الله عليه الصلاة والسلام، في قتال الكفار والمشركين، في إقامة الدين. ولم يتقطع عمرهم في زمن رسول الله، بل تواصلت الأحداث في زمن الصديق، عندما وقعت حادثة الردة، وارتد من ارتد من العرب، وارتد من ارتد من العرب، كان لأهل اليمن الفضل الكثير والكبير، هذا العلاء الحضرمي، من حضرموت، أخذ جيشا، وذهب به الصديق إلى البحرين، فقاتل المرتدين، حتى انتصر عليهم. ومن تهى الصديق، فلما انتصر الصديق رضي الله تعالى عنه على المرتدين، تطلع إلى بلاد الشام، إلى فتحها، فاستنهض المسلمين في أن يأتوه من كل صوب، وحده في فتح بلاد الشام، فكان أول من قام إليه أهل اليمن، فأتوا بعدتهم وعتادهم، وأموالهم وآلهم، فاستبشر الصديق رضي الله تعالى عنه، أرسلهم إلى بلاد الشام، فكان منهم من فتح بلاد الخمس، وبلاد دمشق، وطربلس، وفلسطين. ثم جاء زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وكثرت الفتوحات، وكثرت الفتوحات، قال الإمام القرطبي: وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، على يد قبائل أهل اليمن، أهل اليمن في زمن عمر، فتحوا من تلكم الفتوحات، القادسية، تلكم المعركة العظيمة، الذي غالب فيها المسلمون على الفرس، على الفرس. أتدري ما حقيقتها؟ قال الإمام الطبري: خرج من المدينة، خرج أهل القادسية من المدينة، وهم أربعة آلاف، قال: ثلاثة آلاف من اليمن، وألف من سائر الناس، الله أكبر، ثلاثة آلاف، وهو الجيش أربعة آلاف، قال: ثلاثة آلاف من اليمن، وألف من سائر الناس، ولهذا قال أبو حيان: وكان فتح القادسية على يد أهل اليمن. وهكذا قل في معركة اليرموك، في بلاد الشام، مع الروم، تكلم ابن عساكر رحمه الله تعالى، عن الجيوش التي تحركت، وهو يصف الجيوش: تحركت الجيوش براياتها، فكان ممن عدد من الجيوش والرايات من ذهب، قال: براية حضرموت، وكندة، ولخم، وجذامة، وحمير، وهمدان، وخولان، ثم علق، قال: وليس فيهم ربيعة، ليس فيهم ربيعة، ولا تميم، أي ما هناك إلا أهل اليمن، هم الذين رفعوا الرايات في معركة اليرموك. إخواني في الله، الكلام يطول ويطول جدا، وحسب ما سمعتم، إخواني في الله، وكل ذلك أن تفتخر يا عبد الله بكونك يمني، فافتخر، وارفع بذلك رأسا، والله ما نريد بذلك الافتخار، ولا الاستكبار على غيرنا، بل إنما هو حظ نبكي عليه، بما تغيرت به الأحوال، لكن يا عبد الله الأمل كبير، بأن نعود بما كان عليه أسلافنا من أحوال وأقوال. وبذلك ستأتي الرفعة لنا في الدنيا قبل الآخرة، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.