تعامل المسلم مع الأمراض

الخطبة بعنوان تعامل المسلم مع الأمراض، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 8 رجب 1440هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب المرضى في الإسلام وتأثير الرضا بقضاء الله

ينبغي للمرضى المسلمين التأدب بآداب شرعية أثناء مرضهم، منها الرضا بقضاء الله وقدره وإحسان الظن بالله. المرض بتقدير الله وله أمد ينتهي إليه.

صفات المرضى الصابرين واحتساب الأجر

ينبغي على المرضى تحسين الظن بالله والتسلح بالصبر والاحتساب. المرض يكفر السيئات ويجري لهم الأجر على الأعمال الصالحة التي كانوا يعملونها في حال صحتهم.

التوجه إلى الله وحده في المرض والتداوي بالأسباب

ينبغي على المريض التوجه إلى الله وحده بالدعاء والشكوى، مع الاعتقاد أن الشفاء بيد الله وحده. يجوز التداوي بالأسباب المباحة شرعًا مثل العلاجات الطبية والرقية الشرعية.

ختام الخطبة والدعاء للمسلمين

يختم الخطيب الخطبة بدعاء للمسلمين والمؤمنين بالمغفرة، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويأمر بالقيام إلى الصلاة. الدعاء يشمل الأحياء والأموات.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن من حكمة الحكيم العلم أن قضى في أهل الإيمان والإسلام أن يبتليهم بالأمراض والآفات والأسقام، فلا يكاد يوجد مسلم إلا وهو عرضة للمرض قل أو كثر، عظم أو حقر. فمنا من يصاب بأمراض مستديمة تستمر معه مدى الحياة، ومنا من يصاب بأمراض عارضة تأخذه في بعض الأحيان، ومنا من يصاب بأمراض مستعصية تجعله طريح الفراش. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هل تأخذك أم ملدم؟» - وهي الحمى - هكذا كان العرب يسمونها، قال: «هل تأخذك أم ملدم؟» قال الأعرابي: وما أم ملدم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «حر بين الجلد واللحم»، قال الأعرابي: لا، قال عليه الصلاة والسلام: «صُضِعْتَ»، قال الأعرابي: وما الصُّضاع؟ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ريح تضرب عروق الرأس»، فقال الأعرابي: لا، فلما قام الأعرابي من مجلسه، قال نبينا لأصحابه: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا». فالمسلم أصالة هو عرضة للأسقام والآفات والعاهات والأمراض. واعلموا عباد الله أن المسلم والمسلمة إزاء ما يعتريهم من الأمراض ينبغي أن يتأدبوا بأحوال وآداب أرشد إليها شرعنا الحكيم. إذ أنه من المؤسف أن نجد أن الكثير من المرضى في حال مرضهم يفعلون ما يحل لهم من أقوال وأفعال وسلوكيات من غير أن يتحروا حكم الشرع فيها، فكان ذلك سببًا لذهاب الأجر، بل ولتعرضهم لصخَط الرب جل في علاه. وإن مما ينبغي أن يتأدب به المرضى حال مرضهم: الأمر الأول، الرضا بقضاء الله وقدره. وحقيقة الإيمان بالقضاء والقدر أن تعلم أن ما أصابك من مرض، أو فقر، أو سقم، أو ضيق، أو شدة، أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير. فما من شيء يقع إلا بقضاء الله وقدره، فما يعترينا من أمراض، وما يعترينا من أسقام، هو إنما بتقدير ربنا جل في علاه، قال سبحانه: ﴿فَلَن يَصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، هو مولانا سبحانه. ولهذا فإن المرضى متى ما كانت هذه عقيدة راسخة في قلوبهم، هانت عليهم الأوجاع، هانت عليهم الأمراض، لعلمهم أن الذي كتب ذلك عليهم هو الرب مولانا جل في علاه، هو خالقنا، يفعل ما يشاء جل في علاه. ثانيًا: إحسان الظن بالله جل في علاه، مما ينبغي أن يكون عليه المرضى إحسان الظن بربهم، وذلك بأن يجول في ذهنك، وفي صدرك، وخاطرك، بأن ما ملاك الله جل وعلا به من مرض، ومن سقم، إنما أراد الله جل وعلا بك الخير، أراد بك الخير لك في دينك، وفي دنياك، وفي آخرتك، وفي عاجل أمرك، وفي آخرتك. فليكن تكن على يقين يا عبد الله، وهذا من عظيم إحسان العبد بربه أن الله ما أراد له إلا الخير. ومن إحسان الظن بالله أن تستشعر يا عبد الله، وأن تعتقد أن دوام الحال من المحال، وأن هذا المرض، وما كان من آفة وعل، فإن له أمدًا ينتهي إليه. وأن الله جل وعلا سيفرج عنك ما أنت فيه من ضيق وألم ووجع، ولو بعد حين، فيشافيك ويعافيك، ويبعد عنك كل سوء ومكروه. ومن عظيم ما ينبغي أن يحسن العبد ظنه بالله خاصة عند مرض موته، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله». وهكذا يا عبد الله، ويا أمة الله، يا من ابتلاكم الله بالأمراض، ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة من أول ساعة المرض حتى الرمق الأخير من حياتكم، عليكم أن تحسنوا الظن بالله جل في علاه، فإن الرب سبحانه يُعامل العباد على حسب ظن العباد بربهم، قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء». ثالثًا: ومما ينبغي على المرضى أن يتخلقوا به حال مرضهم التسلح بالصبر والاستبار. وقد عرف العلماء الصبر بأنه حبس اللسان عن الشكوى، وحبس النفس عن التسخط بالمقدور. فليس من الصبر يا عبد الله، ويا أيها المريض، ما يكون من حالة تسخطك، وما يظهر منك من فزع وهلع وجزع، وما يكون من التشكي ومن كثرته المصحوب بعدم الرضا على ما قدره الله عليك. إن الله جل وعلا أمرنا بالصبر، قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، أمر ربنا بالصبر وبشر به. وعندما سمع نبينا تلك الصحابية التي ضاقت ذرعًا من المرض، ومن الحمى، فسبتها وقالت: «الحمى لا بارك الله فيها»، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسب الحمى، لا تسب الحمى»، المريض لا يتأفف ولا يتضجر ولا يتصخَّط. وعندما مر نبينا صلى الله عليه وسلم على تلك المرأة التي بكت على فقد ابنها، قال لها: «اتق الله واصبري»، أمرها بالصبر. قال العلماء: بكاء المريض إن كان بدمع العين لشدة الحزن والألم فلا يضره ذلك، وأما إن كان بكاء المريض مصحوبًا بصوت، بنحيب، بنياحة، فإن ذلك لا يجوز، لأن ذلك مخالف لدرجة الصبر. رابعًا: مما ينبغي على المرضى في حال مرضهم عليهم أن يحتسبوا الأجر عند الله جل في علاه. فإن الله سبحانه وتعالى قد أعد لأهل البلاء عمومًا، ولأهل المرض خصوصًا، من الأجر العظيم، ومن الثواب الكثير. ومن أعظم ما أعد الله للمرضى ما يكون من تكفير لسيئاتهم، ومحٍ لخطيئاتهم وذنوبهم، إذا كانت الشوكة التي يشاكها أحدنا يتحصل عليه من ورائها من تكفير للسيئات، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فما ظنك بما هو أعظم من الشوكة، من مرض ينغص عليك حياتك، ويكدر عليك حالك، وعطلَك عن شغلك وعملك؟ لا شك ولا ريب أن الأجر عظيم جدًا عظيم، قال عليه الصلاة والسلام - كما جاء ذلك من حديث عائشة -: «ما من مسلم يصاب بمصيبة من مرض أو وجع إلا كان كفارًا لذنوبه»، ما من مسلم كائنًا من كان يصاب بمصيبة يصاب بمصيبة على قدر بغض النظر عن حجمها، وعن قدرها، وعن مثقالها، يصاب بمصيبة من مرض أو وجع إلا كانت كفارة لذنوبه. وقال عليه الصلاة والسلام: «أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المؤمن يذهب الله به من خطاياه»، وقال عليه الصلاة والسلام عن الحمى: «لا تسب الحمى، فإن الله يذهب بها خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد». كم وكم عباد الله نعدد من تلكم الأجور العظيمة التي أخبر بها نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن دلت دلت على عظيم إنعام الله على عباده المرضى وأصحاب الآفات والأسقام والعاهات. وأيضًا من الأجور العظيمة التي جعلها الله لأهل المرض: أن ما كان يعملونه من عمل صالح في حال صحتهم، وفي حال سلامتهم، فإنهم إن تركوه في حال مرضهم، فإن الله جل وعلا سيجري لهم العمل، ويحاسبهم على أن هذا العمل لازالوا قائمين به، ولو كانوا طريح الفراش. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا»، إن كنت في صحتك صائمًا قائمًا، فمرضت وتركت الصيام والقيام، فإن الله يجري لك الأجر ما دمت على فراشك حتى يشفيك الله أو يقبضك إليه. فأحمد الله يا عباد الله على هذه النعمة المعطاة التي حباها الله لأهل الإسلام، فلله الحمد حمدًا من بعد حمد. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدعى لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا زلنا وإياكم عباد الله في هذا المقام نذكر أنفسنا بما ينبغي عليه أن يكون أهل المرض من آداب وأحوال. فكان مما ذكر: الرضا بقضاء الله وقدره، وإحسان الظن بالله، والتسلح بالصبر، واحتساب الأجر. خامسًا: مما ينبغي أن يكون عليه المرضى حال مرضهم التوجُّه إلى الله وحده جل في علاه، بأن يتوجَّه المريض بكليته ظاهرًا وباطنًا إلى ربه، فإليه يشكو همه وبثه وحزنه وسقمه ومرضه، إنما أشكو بثي وحزني إلى الله. ولتعلم أن الشفاء بيد الله جل في علاه، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، وفي دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام: «اللهم اشف أنت الشافي، اللهم اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا». وهذا أيوب عليه السلام ابتلاه الله بالمرض لفترة مديدة، ولسنين عديدة، فما كان من أمره سوى التوجُّه لله ربه، فما خيَّب الله رجاءه. وأيوب إذ نادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، فاستجبنا له، فكشفنا ما به من ضر. التوجُّه لله وحده جل في علاه، وخرج عن هذا من توجه لغير الله، معتقِدًا أن الشفاء بيد غيره، كمن يلتجئ إلى الأموات من المقبورين، فيلتجئ إلى القبور والأضرحة والتوابيت، طالبًا منها الشفاء، معتكِفًا عند أبوابها، ومبتلِعًا لترابها. وخرج عن هذا أيضًا من اعتقد أن الشفاء بيد السحرة والكهان والمشعوذين، ممن هم خدم للجن والعفاريت والشياطين، أتبتغي من عندهم الشفاء والعافية يا عبد الله؟ وآخر يعتقد الشفاء بالحبال والخيوط والحروز والأوتار، يعتقد أن هذا الحبل، وأن هذا الحرز هو شافيه. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «من تعلق تميمة فقد أشرك»، دعَنك يا عبد الله هذه الخزعبلات وهذه الضلالات، وتوجَّه إلى الله وحده، فهو شافيك وهو كافيك جل في علاه. أخيرًا، عباد الله، مما ينبغي عليه أن يحرص عليه المرضى ذكورًا كانوا أو إناثًا في حال مرضهم: أنهم يتعاطوا الأسباب الدافعة للمرض، فإن الشرع قد أباح ذلك وندب إليه. شرعنا بأن تتخذ الطرق والسبل الكفيلة بدفع المرض وحصول الشفاء، فعن أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه قال: «قلنا يا رسول الله، أفلا نتداوى؟ أفلا نتداوى؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وجعل له دواء». وإن لأنبئ في قضية العلاج أن نعلم أن من العلاج ما يعرفه أهل الطب من إبر وفحوصات وعقاقير وتحاليل ومختبرات وعمليات، مما هي خالية من المحرمات، ومما ظهر نفعها على الناس، فهذا مما أباحه الشرع. وأيضًا من العلاج: العلاج الشرعي الذي جاء ذكره في كتاب الله، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو كثير، من ذلك: الاستشفاء بماء زمزم، والتناول للعسل، وأكل الحبة السوداء، وغيرها. ومن ذلك: الرقى الشرعية من آيات، قرآنية وأدعية نبوية، فإن لها من الأثر العظيم على سائر الأمراض، سواء أكانت أمراضًا عضوية أو أمراضًا روحانية. فإن الرقى كتاب الله أنزله الله شفاء للناس. وأيضًا من العلاجات الشرعية: الإقبال على الأعمال الصالحة، قال علامة بن القيم رحمه الله: «وإن من أعظم علاجات المرض: فعل الخير، والإحسان، والتضرع إلى الله، والذكر، والدعاء، والتوبة». قال: «فلهذه الأمور تأثير عظيم في دفع العمل، وحصول الشفاء، أعظم أعظم من الأدوية الطبيعية». فحسبك يا عبد الله، وأنت في حال مرضك، أن تكون بالقرب من ربك جل في علاه، لتتهاون في أمر الصلاة، لازم الاستغفار، والتكبير، والاستغفار، والتهليل. فكم حدثتنا كتب التواريخ والأحداث والسير ووقائع الناس عن أناس كانوا مرضى زمنًا يأس أهل الطب من علاجهم، لكنهم عندما أقبلوا على ربهم بصالح أعمالهم شفاهم الله وكفاهم. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. الله أكبر، الله أكبر.