الخطبة بعنوان فضائل يوم عرفة والنحر والتشريق، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 9 ذو الحجة 1443هـ الموافق 8 يوليو 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يوم عرفة يوم عظيم تتجلى فيه رحمة الله ويعتق فيه عباده من النار. وهو يوم من العشر من ذي الحجة التي تضاعف فيها الأجور.
يشرع في يوم عرفة صيام والتكبير، وهو يوم يستجاب فيه الدعاء. ينبغي اغتنام هذا اليوم بالطاعات والقربات.
يوم النحر أفضل أيام الدنيا وقد خص الله به أهل الإسلام. علينا الحرص على الطاعات في يوم النحر وأيام التشريق.
دعا الله لاغفر للمسلمين الأحياء والأموات وحماية بلادهم من السوء. وختم الدعاء بالصلاة على النبي وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، عن طارق بن شهاب قال: رجلٌ من اليهود: يا أمير المؤمنين، آيةٌ تقرؤونها في كتابكم لو أنزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا هذا اليوم عيدًا، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أي آية؟ فقال اليهودي: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، فقال عمر: إني لأعلم في أي مكان نزلت، وفي أي يوم نزلت، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائمٌ بعرفة يوم الجمعة. فها نحن عباد الله في هذا اليوم من يوم الجمعة، التاسع من ذي الحجة، من يوم عرفة الذي وافق إكمال الدين على نبينا الأمين، صلاة ربي وسلامه وأتم التسليم، وذلك حين حج بأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين في حجة الوداع، فكان عليه الصلاة والسلام بحجته قد أتم مباني الإسلام وأركانه العظام، فكانت هذه هي النعمة المهتاة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾، فمن أكمل الله له الدين والملة فهو في الحقيقة قد أتم له النعمة، فلله الحمد والمنة. عباد الله، هذا اليوم يوم عرفة، تتجلى فيه عظيم سعة رحمة الرحمن، إذ أن الله جل وعلا يُعتق من شاء من عباده من النيران، فما مر يوم أشقى ولا أخزى على الشيطان من هذا الزمان، لما يرى من كثرة المغفرة والغفران، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله عبدا من النار من يوم عرفة» رواه مسلم. وإن هذا العتق وهذه المزيّة والخصيصة وهذه المنقبة والفضيلة ليست خاصة بمن هم من أهل الموقف في عرفة، إلا أن الأمر يشمل جميع أهل الإسلام في كل بلاد وفي كل مكان، قال الإمام بن رجب رحمه الله: «فيُعتق الله من عباده من النيران من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من جميع الأمصار». عباد الله، هذا اليوم هو يوم معدود من أيام العشر الذي ضاعف الله جل وعلا فيها الثواب والأجر، من عمل فيها صالحا من ذكر أو أنثى، فالله يجزيه الأجور التي لا منتهى، قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، قال: «ولا الجهاد في سبيل الله»، قال: «ولا الجهاد في سبيل الله»، قال إمام الأوزاعي رحمه الله: «بلغني أن يوما من أيام العشر من ذي الحجة تعدل بغزوة في سبيل الله، يصام نهارها ويحرس ليلها». فاحرص يا عبد الله على هذه الأيام، وعلى هذا اليوم بالذات، احرص يا عبد الله على اغتنام ساعاته، وعلى كل لحظة من لحظاته، بفعل طاعة وعبادة، بفعل قربة ونافلة، أو بسلوك ومعاملة، وبالأخص اجعل الأولوية لما جاءت في حقه الأدلة. فإن مما ينبغي أن يراعى في هذا اليوم ما يكون من الصيام، فإن الله جل وعلا قد ضاعف الجزاء والإكرام، وأعطى لهذا اليوم حقه من الإجلال والإعظام، فقد سئل عليه الصلاة والسلام عن صوم يوم عرفة، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: «إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده». فأي إنعام بعد هذا الإنعام يا عبد الله؟ وقد تحدث العلماء عن السنة الماضية الذي يكفرها صيام هذا اليوم، قال العلماء بأنها تكفر سنة مضت وخلت من صغائر الذنوب، وإلا فإنه يرجى به أن يخفف من الكبائر، وإلا حولت إلى درجات يرتقي بها صاحبها إلى الجنات. فالله الله يا عبد الله من صيام هذا اليوم باحتساب أجره، والصبر على ثاعاته، ولو كان منفردا، فإن ذلك لا يضر ولا يكره فيه. وأيضا مما يشرع من الأعمال في هذا اليوم بالذات ما يكون من بدء التكبير المقيد، والذي يقول به جماهير السلف والخلف، وأثر عن سلفنا الصالح من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو يبتدئ من صبيحة يوم عرفة ويستمر إلى آخر أيام التشريق. فحينا فمن هذا اليوم بدءا منه سيجتمع عندنا الآن تكبيرا التكبير المطلق، والذي يكون في كل الأزمان والأوقات، والتكبير المقيد، والذي يكون بعد دبر الصلوات، فإن هذا مما أثر عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأيضا مما ينبغي عليه الحرص في هذا اليوم ما يكون من الإكثار من الدعاء والإلحاح على رب الأرض والسماء، فهذا يوم يستجاب فيه النداء والاستغاثة والالتجاء، قال عليه الصلاة والسلام: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»، قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: «قالوا في الحديث دليل على أن الدعاء في عرفة مجاب في الأغلب». فحرصي عبد الله على الدكثرة الدعاء في صلاتك وقيامك، وفي سجودك وخلواتك، فكيف إذا انضاف فوق ذلك أن هذا اليوم وافق يوم الجمعة، والذي فيه كذلك يستجاب الدعاء، قال عليه الصلاة والسلام: «أن فيها ساعة لا يسألها مسلم إلا استجاب الله له»، فكيف إذا انضاف فوق هذا وذات أنك يا عبد الله قد حرصت على شعيرة الصيام، والصائم لا ترد دعواه. فحينها يا عبد الله إلهج إلى الله بكثرة الدعاء، فإن الدعاء في مثل هذه الأوقات وعلى هذه الشروط لا تكاد ترد، يا من تشتكي من قلة الأرزاق، ومن الجد والفقر والجفاف، ويا من يشتكي من عدل الذرية والإنجاب، ويشتكي من الوهن والمرض في الأبدان والأجساد، يا من تشتكي همًا وغمًا وضيقًا وحزنًا ووجعًا وألمًا، ارفعها إلى ربك الأعلى الذي بيده ملكوت الأرض والسماوات العلاء. فالله جل وعلا لا يرد أبدا يد عبدٍ مُدَّت إليه خاليًا صفرًا، أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدّاعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، إن من عظيم الله علينا أن مدَّ في أعمارنا، وأن جعل لنا فسحةً من دهرنا لحضور هذا اليوم الذي جاءت في حقه الفضائل وتعددت فيه المناقب، يومٌ يعتق الله جل وعلا فيه من شاء من عباده، يستجاب فيه الدعاء، وتكفر فيه الذنوب والسيئات، فإننا نحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه أن جعلنا من أهله، وأن جعلنا من أصحابه ورواده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. عباد الله، ما إن ينقضي هذا الموسم، وهو يوم عرفة، وذلك خروجه بغروبه، إلا ويهل علينا موسمٌ آخر ويومٌ فاضل لا يقل شأن من يوم عرفة، ألا وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، يوم النحر، هو اليوم الأغر، يوم الحج الأكبر، هذا اليوم الذي ما هناك يومٌ يساويه ولا يدانيه ولا يوازيه، هو أفضل أيام الدنيا كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن أعظم أيام الدنيا يوم النحر»، أي يوم غد، فهو يومٌ معظم، يومٌ مشرفٌ مقدس، ولهذا اتخذ الله جل وعلا عيدًا لأهل الإسلام. ثم ما إن ينفضي هذا اليوم إلا ونتبع بمواثٍ فاضلة وأيامٍ كريمة، ألا وهي أيام التشريق، أيامٌ خصها الله بالإكرام والتشريف، أعطاه الله جل وعلا مزيّة في التعظيم والتقديس، أيام التشريق هي التي ذكرها ربنا في كتابه: ﴿واذكروا الله في أيامٍ معدودات﴾، قال ابن عباس: هي أيام التشريق، وهذا مما لا خلاف فيه بين المفسرين. نعم عباد الله، فنحن في مثل هذه الأزمان، وفي مثل هذه الأيام، نتقلب من موسمٍ من موسم حباه الله لنا جل في علا، فاحرصي عبد الله على هذه المواسم، أقبل على الطاعات والعبادات، من إكثارك من الصلاة، ومن النفقة، ومن الصدقة، ومن ذكر الله، من ذكره وتكبيره، ومن ذبح الأضاحي ونحله، احرصي عبد الله على كل عمل صالح تقدر عليه. فهذه الأيام يشرع للمسلم أن يبهر الفرح والسرور والبشر والحبور، وحق لك ذلك عبد الله أن تفرح بعظيم إنعام الله عليك بما خصه الله بأهل الإسلام من المسلمين والمسلمات من مضاعفة الأجور والحسنات، ومن كثرة الخيرات والبركات. رضى الإمام البخاري في صحيحه قال عليه الصلاة والسلام: «ما مثلكم ومثل اليهود والنصارى إلا كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من الغدوة إلى منتصف النهار على قيرات، فعملت اليهود، ثم قال: فمن يعمل لي من منتصف النهار إلى الأصر على قيرات، فعملت النصارى، ثم قال: فمن يعمل لي من الأصري إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين»، قال عليه الصلاة والسلام: «فأنتم الذين تعملون من الأصر إلى المغرب على قيراطين قيراطين، ضعفتم في الجزاء»، فغضبت اليهود وغضبت النصارى، قالوا: عملنا كثيرا وأعطينا قليلا، فقال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا يا رب، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء». نعم أجره وثوابه جزاء وإنعامه قد خصه الله لهذه الأمة المحمدية، فمن ذا الذي يدانينا ومن ذا الذي يوازينا؟ لا أحد، لا أحد، فاحمد الله يا عبد الله أن جعلك الله من أكباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن اعلم أن قدرك عند ربك لا يتعلق بحسبك ولا بنسبك، وإنما يتعلق بمقدار عملك فيما بينك وبين ربك، وفي تعاملك مع خلقه. فالله الله عباد الله بمثل هذه الأزمان ومثل هذه الأيام التي ينبغي أن نعمرها بصالح الأعمال، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعن بما قلنا، وأسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، اللهم من أراد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم أشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.