الخطبة بعنوان العبر والفوائد من مواسم الخيرات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 30 ذو الحجة 1443هـ الموافق 29 يوليو 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الخطيب عن أهمية تتابع مواسم الخيرات والبركات في حياة المسلم ودورها في استمرار العمل الصالح. يشدد على ضرورة استغلال هذه المواسم في الطاعات والعبادات لما لها من أثر في بقاء الإنسان واستمراره.
يُبين الخطيب فضل الأمة المحمدية وما خصها الله به من مناقب وفضائل، ويشير إلى مضاعفة الأجور في مواسم الخير. يستدل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام لبيان فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم.
يعدد الخطيب خصائص الأمة المحمدية مثل مضاعفة الأجر وتجاوز الله عن الأخطاء، ويشير إلى ضرورة شكر الله على هذه النعم والتوكل عليه. يُذكر بعض الفضائل الأخرى مثل أول من يحاسب يوم القيامة وأول من يدخل الجنة.
يدعو الخطيب الله بحماية اليمن من الفتن والمكائد وتوفيق من يريد الخير لها. كما يدعو للمسلمين بالحماية ويختتم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إنه لا يخفى على أحدٍ منا ما قد مر علينا من تتابعٍ لمواسم الخيرات والبركات، علينا بالأمس كانت العشر من ذي الحجة أيامٌ فاضلات، أقسم بها ربُّ الأرض والسماوات، قال جلّ في علاه ﴿والفجر وليالٍ عشر﴾، وكان من هذه الأيام يوم عرفة، يومٌ ميَّزه الله جل وعلا بالخير والبركة، من صام يومه أعطاه الله جل وعلا سؤله وغفر له من عامه ما تقدم من ذنبه وما أخره. ثم خُتِمت الأيام العشر بيوم النحر، يوم الحج الأكبر، يومٌ وأعظم الأيام على الإطلاق، كما قال عليه الصلاة والسلام «أفضل أيام الدنيا يوم النحر، ما هناك يومٌ يدانيه ولا يساويه»، ثم أُتبِع هذا الموسم بذلكم الموسم الشريف، أعني به أيام التشريق، موسمٌ خصَّه الله جل وعلا بالتبجيل والتقديس. عباد الله، إننا إزاء هذه المواسم التي تترى علينا، مع ما كان من ذي قبل كوسم رمضان، ثم أُتبِعه بموسم شوال، ونحن في هذه الأيام نستقبل موسمًا من خيرة الأيام ومن أفضل الأزمان، شهر الله المحرم، شهرٌ كفاه شرفًا وفضلًا أن الله جل وعلا أضافه إليه، فهو من الأشهر الحرم، وهو من أوائل الأشهر الهجرية، شهرٌ يُستحبُ صيامه، بل إن صيام أيامه أفضل الصيام بعد صيام رمضان. وهكذا تتوالى وتتبع علينا مواسم الخيرات والبركات، عباد الله، إن مثل هذه التتابعات لمواسم الخيرات والبركات له جديرةٌ بالوقوف عندها واستخلاص الفوائد والعبر منها. وحسبي في هذا المقام أن أشير إشارة إلى فائدتين اثنتين يمكن أن نستفيدها مما نحن في خضمه من توالي هذه المواسم علينا، أولًا: إن في مرور وتتابع المواسم علينا هو دفعٌ لنا وتشجيعٌ لنا وشحذٌ لهممنا في سبيل استمرارنا على الطاعات والعبادات وعلى النوافل والقربات. إن المسلم والمسلمة إذا علم أن في هذا الزمان مزيّة من مضاعفة الأجور والحسنات، فلا شك ولا ريب أنه يشد من عزمه ويشحذ من همته ويقبل على طاعة ربه. عباد الله، ففي ذلك إشارة إلى أهمية إعمار الأعمار والأوقات بالأعمال الصالحات، العمل الصالح يا عبد الله هو الذي لأجله أوجد الله جل وعلا الأنام من إنس وجان، وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. العمل الصالح يا عبد الله هو سر وجودنا وبقائنا واستمرارنا على هذه الحياة الدنيا، قال سبحانه ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾، إن يشاء يذهبكم ويأتي بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز، ليس بصعب وليس بعسير على ربنا أن يهلكنا وأن يخصف بنا الأرض متى ما تمردنا على دينه وتمردنا على شريعته. فذهابنا إنما يكمن في ذهاب أعمالنا، وبقاءنا يكمن في بقائنا لطاعاتنا وعباداتنا، قال جل في علاه ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾، الأعمال الصالحة سبب في وجودنا واستمرارنا. العمل الصالح يا عبد الله الذي به تنال حظ الدنيا والآخرة، قال جل في علاه ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، قال العلماء والحياة الطيبة تكون في الدنيا والآخرة لكل من عمل صالحًا. وقد قال عليه الصلاة والسلام «إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجازى بها في الآخرة»، ما من عمل صالح تعمله إلا وأجره وثوابه وأثره يكون في الدنيا قبل أن يكون في الآخرة. العمل الصالح يا عبد الله به يغير الله جل وعلا الأحوال، قال سبحانه ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغير ما بأنفسهم﴾، وإن الله جل وعلا يغير الأحوال إلى أحسن حال بالأعمال الصالحة، من راحة البال وستر الحال، وما يكون من قوة الأجساد وصحة الأبدان، ومن جمع الشمل بالأقارب والأرحام، وما يكون من عموم الأمن والأمان في ربوع البلدان والأوطان. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، عباد الله، لذا علينا جميعًا أن نحرص على طاعة الله في كل أحوالنا وفي كل أوقاتنا، في منشطنا ومكرهنا، وفي عسرنا وفي يسرنا، في أفراحنا وفي أحزاننا، في جنائزنا وفي أعراسنا. ينبغي ويجب أن تكون رضى الرب جل وعلا في كل زمان وفي كل مكان هو نصب أعيننا، والأمر كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام «إنما عند الله لا ينال بالحرام، إنما عند الله لا ينال بالحرام»، عباد الله. ولا شك أن مع طول الزمان وما يعتري كل إنسان من وسوسة الشيطان، ناهيك عما يعتري من الفتور والكسل والخمول والعجز، فإن الإنسان في مضمار العمل ليضعف ويقل، ومن هنا تأتي هذه المواسم تترى وتتتابع علينا في سبيل دفعنا ومواصلة عملنا مع ربنا جل وعلا بالطاعات والعبادات. فلله الحمد حمدًا من بعد حمد على ما أعطى وأسدى، ثانيًا: مما أستفيده من تتابع مواسم الخيرات والبركات علينا ما فيه إشارة ودلالة إلى عظيم هذه الأمة المحمدية وما خصها الله جل وعلا لها من فضائل ومناقب. فهذه الشريعة المحمدية والتي حوت على كل خير ونفت وخلت عن كل سوء وشر وضير، قال عليه الصلاة والسلام «أعطيت ما لم يعطى أحد من الأنبياء قبلي، وجعلت أمتي خير الأمم»، فأمتنا ما هنالك أحد يدانيها ولا يوازيها ولا يساويها. وإن هذه الفضائل لتتبعنا في أي زمان كنا وفي أي أرض حللنا، قال عليه الصلاة والسلام «أمتي كالمطر، كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره»، عباد الله، وإن من هذه الفضائل والمناقب التي خصها الله لهذه الأمة المحمدية ما نراه من تتابع مواسم الخيرات والبركات علينا. ففي هذه المواسم فيها من مضاعفة الأجور والحسنات ومن الزيادة في الخير والبركات، قال عليه الصلاة والسلام «ما مثلكم ومثل اليهود والنصارى إلا كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من الغدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى المغرب على قيراطين؟» قال عليه الصلاة والسلام «فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى المغرب على قيراطين، ضوعف لكم الأجر». فقالت اليهود والنصارى: يا رب، عملنا كثيرًا وأجرنا قليلًا، فقال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: «فذلك فضلي أوتيه من أشاء»، فضل الله وثوابه وأجره إنما أعد لهذه الأمة المحمدية. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، مما مضى علمنا أن ما في تتابع مواسم الخيرات والبركات علينا من الحكم العظيمة والفوائد العديدة ما ينبغي أن نقف عندها، وكان من أعظم تلكم الحكم أولًا: أن فيها تجديد لنا في سبيل استمرارنا على طرق باب الطاعات والنوافل والقربات حتى نلقى الله إلى ساعة الوفاة. ثم كان ثانيًا من فوائد تتابع مواسم الخيرات والبركات علينا ما فيه بيان لعظم هذه الأمة المحمدية وما خصها الله جل وعلا لها من كل فضل ومنقبة، عباد الله، فإن مما خص الله لهذه الأمة المحمدية ما كان من أن الفعل القليل يجازيه الله جل وعلا بالأجر الكثير، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء. في شريعتنا التي قامت على التخفيف والتيسير وعلى نفي الحرج والتشديد والتعمير، ما جعل عليكم في الدين من حرج، في شريعتنا مما خصها الله جل وعلا به أن الله جل وعلا أسقط الواجبات عن العاجزين، وأباح المحظورات للمضطرين. في شريعتنا تجاوز الله جل وعلا عن كل ما وقع من غير قصدنا ولا إرادتنا، فتجاوز الله عن الخطأ والنسيان وما كان في الضمير، عباد الله، إن الخصائص التي أعدها الله لهذه الأمة كثيرة وكثيرة جدًا. وهذه الخصائص ليس فقط هي معدة في شريعة الدنيا، بل إن الله جل وعلا أدخل للأمة من فضائل الآخرة ما لا يعد ولا يحصى، فأمتنا هي أول الأمم من تحاسب يوم القيامة، والناس بعدنا تبع، قال عليه الصلاة والسلام «نحن آخر الأمم وأول من نحاسب يوم القيامة»، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ أمتنا هي أول الأمم مرورًا وتجاوزًا على الصراط، والناس بعدنا تبع، وما سبقتنا لمن بعدنا، وما كان سبقنا إلا لما كان من مسابقتنا للإسلام والإيمان والتعظيم لشريعة الرحمن، فبسبب سبقتنا جعلنا الله جل وعلا نسبق من غيرنا. أمتنا هي أول الأمم من تدخل الجنة، فلا يدخل الجنة أحد إلا هذه الأمة المحمدية، والناس بعدنا تبع، قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة «نحن الآخرون والأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة»، أمتنا هي أكثر من يدخل الجنة، ما هناك عدد يدخل الجنة بكثرة إلا من كان من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة»، وجاء من حديث بريدة قال عليه الصلاة والسلام «أهل الجنة مئة وعشرون صفًا، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم». عباد الله، من فضل الله جل وعلا على هذه الأمة المحمدية أن يوم القيامة يدخل ربنا جل وعلا من أمتنا جماعات وأوزاعًا من غير حساب ولا عذاب ولا عقاب، قال عليه الصلاة والسلام «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا من غير حساب ولا عذاب، هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون»، وجاء في بعض الروايات: ومع كل ألف سبعون ألفًا. عباد الله، إن هذه الفضائل والمناقب ليست مدعاة لنا للفخر والخيلاء أو للكبر والاستعلاء، بل إنها دافعة لنا لعظيم الشكر والحمد والثناء، وتعظيم التوكل والالتجاء إلى رب الأرض والسماء. فاحمد الله يا عبد الله أن جعلك الله من أهل الإسلام، فنحن قوم أعزنا الله بهذا الدين، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، وإن افتخارنا وعزنا ليس الدعوة لدعوها بألسنتنا، وإنما هو واقع عملي بأن نظهر ما يكون من حسن تعبدنا وطاعاتنا وحسن تعاملنا مع غيرنا. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم من أراد بلادنا اليمن بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء فالله مشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.