الخطبة بعنوان البيان لبعض محبطات الأعمال، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 16 رمضان 1444هـ الموافق 7 أبريل 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه الخطيب إلى أهمية الحفاظ على الأعمال الصالحة من الإحباط بسبب الشرك أو الذهاب إلى السحرة والكهان. يُوضح أن الشرك بالله يُبطل الأعمال ويُعتبر من أكبر المخاطر على دين المسلم.
يتناول المقطع بعض الأعمال التي تحبط الأجر والثواب في الإسلام، مثل الذهاب إلى السحرة وترك الصلاة. كما يشير إلى أهمية العناية بحقوق الآخرين وتجنب الظلم.
يُحذر من تأثير العداوة والشحناء على الأعمال الصالحة، حيث تؤدي إلى إحباطها وعدم قبولها عند الله. يُشدد على أهمية الصلح والعفو وعدم إيذاء المسلمين.
دعاء لختم شهر رمضان بقبول الأعمال وطلب الرحمة والعتق من النار. يختم بالصلاة على النبي والدعاء للمسلمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن من عظيم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلمون، وهم في هذا الشهر الميمون، مع ما يكون من سعيهم وبذلهم، ومن جدهم واجتهادهم في سبيل الإزدياد من أجورهم وحسناتهم، ما ينبغي أن يحرص عليه من الحفاظ على الأعمال وعلى الأجر والثواب، فرب عملٍ يقوم به صاحبه، إلا أنه يردُّ على وجهه، فلا ينتفع منه لا في دينه ولا في آخرته. ولهذا حكي عن بعض السلف أنه قال: «كونوا لقبول الأعمال أجدَّ اهتماماً من الأعمال، ليس الشان أن تعمل يا عبد الله، إلا أن الشان كل الشان هل تقبل الله منك هذا العمل؟ إنه والله لمن الحرمان أن يسعى الإنسان ليل نهار بالقيام بالأعمال، إلا أنه لا يُجازيه عليه الرحمن، إن ذلك لمن عظيم الخسران»، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. ولهذا كان لزامًا على أهل الإسلام أن يتعرفوا على محبطات الأعمال، وخاصة وهم في هذا الشهر المفضال، والكل منا قد شمر عن ساعد الجد بفعل الطاعات والعبادات، وبالإكثار من النوافل والقربات، فينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية ومعرفة بمحبطات الأعمال، وذلك حتى يسلم له الأجر والثواب. عباد الله، وإن من محبطات الأعمال، وعلى رأسها، والتي بها ترد الأعمال ولا ينتفع منها صاحبها، ما كان من القوادح العقدية، والتي تودي بالمسلمين بالمرور والخروج من الملة والدين، فمن القوادح العقدية أن تعتقد الربوبية في غير الله جل في علاه، بأن تعتقد في الغير بأنه يضر وينفع، وأن بيده التحكم بالكون، وأن بإمكانه تحقيق المطلوب والوصول إلى المقصود، فهذا الغير يمكنه أن يعلم الغيوب أو يهدي القلوب أو يكشف الكروب أو يغفر الذنوب. فمن اعتقد ذلك في صنم أو وثن، أو في شجر أو حجر، أو في نبي أو ولي، أو اعتقد النفع والضر في الخيوط والتمائم، وفي الحروز والتلاصم، فقد خرج عن ربقة الإسلام، فغير الله باطل. ومن القوادح العقدية أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، بأن تتوجه له بالعبودية، بصرف الطاعات والعبادات، كحال من يشد الرحال إلى العتبات، فينطرح بين القبور والأموات، فيطلب منهم الغوث والمدد والمال والعافية والولد، فيصرف لهم أنواعًا من الطاعات والعبادات، من الخوف والخشية والخضوع والطواف والاعتكاف والخلوة، ومن إراقة الدماء وذبح القرابين، ومن صرف الأموال والنذور أمام الضريح. عباد الله، إن الله جل وعلا قد توعد أهل الإشراك بإحباط جميع الأعمال، وإن صدر من أي أحد كائنًا من كان، قال ربنا جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. حافظ يا عبد الله على رأس مالك، حافظ على أعمالك من صلاتك وصيامك، وذلك بالحفاظ على عقيدتك وتوحيدك. عباد الله، وإن من محبطات الأعمال ما يكون من الذهاب إلى السحرة والكهانين، وإلى العرافين والمشعوذين، إخوان الجن والمردة والشياطين، فمن التجأ إليهم وارتمى بين أحضانهم، فقد خسر دينه ودنياه، وأوبق أولاه وأخراه. قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد»، وقبل ذلك قول ربنا جل في علاه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، فمن تعلم السحر أو علمه أو طلب أن يصنع له، فقد كفر، لا ينتفع بعمل صالح قد عمله. وإن من محبطات الأعمال ما يكون من الاستهزاء والاستهتار والتطاول والاستخفاف والكره والازدراء لشعائر الإسلام، قال سبحانه: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، معالم الإسلام حقها الإجلال والإعظام والتوقير والاحترام، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. أما من تطاولها بالضحك والتطاحك، وبإخراج النكت والطرائف، فإن ذلك يدل على خبث قلبه وعلى ازدرائه لشريعة ربه، فليس هو من أهل الإسلام. عباد الله، وأيضًا مما يذكر من محبطات الأعمال ما يكون من ترك الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، «العهد الذي بيننا وبين من لا خلاق له هي الصلاة، فمن تركها فإنه يلحق بهم، فقد كفر، فقد كفر، فقد كفر»، بل إن جماعة من أهل العلم صرح وبين على أن كفر المسلم يكمن في ترك فرض واحد متعمد، إن كان متعمدًا في تركه، فقد خرج عن الدين والملة، وهذا القول أثر عن جملة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. فأين الذين يسهرون في مثل هذه الأيام، ثم ينامون عن صلاة الفجر عمدًا، ولا يصلونها إلا بعد خروج وقتها؟ فهذا على قول هؤلاء قد خرجوا من الدين بتركهم لهذه الشعيرة من عماد الدين. قال عليه الصلاة والسلام: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»، فرض واحد كفيل بأن يحبط الله جل في علاه ما كان من أعمالك، ما كان من أقوالك وحسناتك، فما ظنك بالذي يترك الفروض ويترك جل الفرائض؟ يا عبد الله، الله الله بإقامة الصلاة، وخاصة وأنت في هذا الشهر، بل وعلى الدوام، فإن الصلاة هي أولًا، فإن الأعمال وجميع الأفعال إنما هي موقوفة على الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عملك، وإن فسدت فسد سائر عملك، وإلا فلا تتعبن نفسك. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، إن من الضروري على أهل الإسلام العناية بهذا الموضوع المتعلق بمحبطات الأعمال، وأنه ينبغي على أهل الإسلام من ضرورة التفطن لهذا الباب لكي يسلم لهم الأجر والثواب. وأشرنا فيما مضى إلى بعض محبطات الأعمال، منها ما يكون من القوادح العقدية، من اعتقاد الربوبية والألوهية في غير الله، أو ما يكون من الذهاب إلى السحرة والمشعوذين، أو ما كان من الاستهزاء بمعالم الدين، أو ما كان بترك الصلاة. وأيضًا مما يضاف إلى هذا المقام، مما يعود على أعمالنا بالنقصان، ما يكون من التطاول على حقوق أهل الإسلام، وذلك بالاعتداء عليهم ظلمًا وغصبًا. قال عليه الصلاة والسلام: «الظلم ظلم ثلاث: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله»، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما الظلم الذي لا يغفره الله فهو الشرك، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العبد لنفسه، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضًا»، فما يقع بين العباد من الظلم في المظالم لا يفوت، بل له حساب عند الله يوم القيامة. وقد دارت أدلة الشريعة على أن مظالم العباد تعود إلى مسائل ثلاث: الدماء والأموال والأعراض، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام». واعلم يا عبد الله أن من شؤم هذه المظالم أنه يعود على أعمالك الصالحة بالرد والنقصان، كما جاء ذلك في الصحيح في حديث المفلس، والذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، إلا أنه ضرب هذا وشتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ من حسناته مما اكتسبها من صلاته وصيامه، فتأخذ من حسناته فتعطى لغرمائه، حتى إذا فنيت ألقي في النار، والعياذ بالله، لم ينتفع بصلاة ولا بصيام ولا بذكر لله ولا بقرآن، وذلك عندما تطاول على حقوق أهل الإسلام. فعلينا عباد الله بإرجاع الحقوق إلى أهلها، بردها والمسامحة وطلب العفو من أهلها. وأيضًا مما يدخل في هذا الباب ما كان من أذية أهل الإسلام، فإن ذلك أيضًا تؤثر في الأعمال. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «ذكرت له امرأة وما يقال في حقها من كثرة صلاتها وصيامها، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها»، قال عليه الصلاة والسلام: «هي في النار، هي في النار». ومن هنا كان لزامًا على أهل الإسلام رجالًا ونساءً أن يكفوا عن أذية المسلمين بأقوالهم وأفعالهم، وبحركاتهم وألسنتهم، وخاصة ما يكون من الاعتداء على دمائهم وأموالهم وأعراضهم. وأيضًا مما يذكر من مما ترد به الأعمال ما يكون من الشحناء والبغضاء، ومن العداوة والإحن والمنازعات التي تدب بين المسلمين، فإنها مع أنها من كبائر الذنوب، ومن عظيم ما يريده الشيطان أن يوقعه بين أهل الإسلام، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، هذا هم هذا مراده ومقصده، زرع الأحقاد، زرع الشحناء والفساد بين المسلمين، بالتفرقة بين صفوفهم، وزرع الفتن في بيوتهم ومجتمعاتهم. وإن من شؤم ذلك عليك يا عبد الله بأنه يؤثر سلبًا على أعمالك، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، فيغفر الله لكل عبد لا يشرك به شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا»، أعمال المتشاحنين تبقى معلقة حتى يأتي الصفاء والود والنقاء. فاحرص يا عبد الله على جمع الكلمة، وأن لا تكون ألعوبة للشيطان به يمزق بين صفوف المسلمين، فاحذر من القطيعة، احذر من العداوة، وخاصة مع قرابتك ومع أرحامك. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة قاطع، لا يدخل الجنة قاطع»، قاطع الرحم قد يكون مصليًا، قد يكون صائمًا، ذاكرًا، لكنه لا يدخل الجنة، وذلك بسبب قطيعته وتعديه على قرابته وأرحامه. أمدد يدك يا عبد الله إلى الصلح مع من تشاجرت معه، وهكذا من أنواع القطيعة، بل هي من أشدها إطلاقًا ما يكون من العقوق من الأبناء إلى الآباء والأمهات، فهي قطيعة ما بعدها قطيعة. اعلم يا عبد الله، يا من ابتليت بالعقوق، أن أعمالك مهما عملتها موقوفة مرهونة على رضا والديك عنك، فعن عمر بن مر الجهني رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله قال: «يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان»، قال عليه الصلاة والسلام: «من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء»، ونصب نبينا أصبعيه، أي تكون معهم في منزلتهم هكذا قال، ونصب أصبعيه، ثم قال: «ما لم يعق والديه، ما لم يعق والديه»، عقوقك لوالديك يحبط أعمالك وينزل من منزلتك، ولو كنت يا عبد الله صائمًا قائمًا، مزكيًا، ذاكرًا. عباد الله، إن هذه الصوارف وما ذكر من قوادح وما ذكر من أعمال وأقوال ينبغي أن نعتني بها عظيم الاعتناء، وذلك لأنها تعود على أعمالنا بالنقصان والبطلان، وبالإحباط والنقضان، فإنه من أشد الحرمان أن نعمل الأعمال ليل نهار، ثم نجد أن الله ما تقبلها منا. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤحسنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم تقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم تقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أعن على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك، اللهم تغمدنا برحمتك، واجعلنا من عتقاء شهرك، وبلغنا رمضان أياما عديدة إلى منتهاه، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.