كيف نحن في رمضان

الخطبة بعنوان كيف نحن في رمضان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 23 رمضان 1444هـ الموافق 14 أبريل 2023م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الابتعاد عن الاغترار بالدنيا

يُنبه الخطيب إلى سرعة انقضاء الدنيا ويحث على اغتنام الأوقات بالأعمال الصالحة. يُشدد على أهمية عدم الاغترار بالدنيا والاستعداد للآخرة.

استغلال رمضان في تحسين العبادات

يُشدد الخطيب على أهمية استغلال رمضان في تحسين العبادات والأعمال. يحث على الدعاء والبذل والتوبة والاستغفار لتحقيق التغيير الإيجابي.

فضل العشر الأواخر وهدي النبي فيها

يُبرز فضل العشر الأواخر من رمضان واحتوائها على ليلة القدر. يشدد على ضرورة الاقتداء بالنبي في اغتنام هذه الليالي بالطاعات.

دعاء ختام رمضان والاستفادة من الأعمال الصالحة

يتضمن المقطع دعاءً لطلب العون على ذكر الله وتقبل الأعمال الصالحة. يُحث على إقامة الصلاة وإرسال الصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام أحمد في مسنده، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة». إن هذا الحديث معالمه ومصداقيته لتتضح في واقعنا المعاصر، من خلال ما نشاهده، فها هو رمضان بالأمس كنا في استقباله، وها نحن الآن في أواخر أيامه، نعد العد في توديعه وفراقه. إن في ذلك لعبرة وعظة وهدى وتبصرة لكل مسلم ومسلمة، في بيان حقيقة الدنيا وما يكون من سرعة انقضائها وتعجل زوالها. وهكذا أنت يا عبد الله، ما أنت إلا أيام، إن ذهب يوم ذهب بعضك. ولهذا وجب على كل مسلم بالغ عاقل نجيب حصيف أن لا يغتر ولا يركن بهذه الدنيا، فلا يغتر بطول الآمال، ولا يركن بما متعك الله به من جاه ومناصب وأموال. وإنما عليك أن تعد العد يا عبد الله بكثرة الأعمال، فما هي إلا برهة وستأتين الآجال، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. عباد الله، ها هو رمضان قد مضى منه الثلثان، وها نحن في الثلث الأخير منه. كيف كنا مع رمضان في اغتنام أيامه واستغلال لياليه وأوقاته؟ كيف كنا مع القيام، مع صلاة التراويح والتهجد التي قال فيها نبينا صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»؟ دقائق معدودة تنتصب فيها لله قائما يغفر لك ما قد مضى من ذنوبك. أم أننا جعلنا قيامنا على التسكع في الطرقات واللعب في الأندية والساحات، وذلك لساعات طوال؟ كيف كنا مع القرآن في قراءته وختمه وتدبره وتلاوته؟ ورمضان هو موسمه، إذا لم تقرأ القرآن فيه فمتى ستقرأه؟ أم أن قراءتنا واطلاعنا جعلناه للجوال في الإقبال عليه ليل نهار، وفي التراسل مع الأصحاب والزملاء صباح مساء؟ فلربما ما نقضيه في الجوال أعظم بكثير مما نقضيه مع القرآن، والله المستعان. كيف كنا مع الدعاء، ونحن في هذا الشهر الفضيل الذي وعد رب العالمين بإجابة دعاء السائنين وبإجابة دعوة المضطرين؟ فإن للصائم فيه دعوة لا ترد، فإن للصائم فيه دعوة لا ترد. فرب دعوة منك يستجيبها الله جل وعلا لك، فتغير مجرى حياتك في دينك ودنياك وأولاك وأخراك. كيف كنا في باب البذل والسخاء والجود والكرم والعطاء؟ وقد ألمت بالمسلمين من قرابتك وأهلك ومن أرحامك وجيرانك من المضائق والشدائذ ما الله به عليم. فرب تمرة يا عبد الله تتصدق بها كفيلة بأن الله جل وعلا يبعد عنك حر النار بتمرة، فما ظنك بما هو أعظم من ذلك؟ وكلنا على ذلك أقدر، لكنه البخل، ولكنه الشح. عباد الله، كيف كنا في مقام التوبة والاستغفار، وفي جناب الندم والانكسار عما بدر منا من ذنوب وخطايا وأوزار؟ فإن في هذا الشهر جعل الله جل وعلا في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار، فهل لا تعرضنا لنفحات رمضان؟ فإنه من تاب إلى الله تاب الله عليه. عباد الله، كيف كنا مع سائر الأعمال من أقوال وأفعال، من إقبال على النوافل والطاعات وعلى السنن والمستحبات؟ فإننا في هذا الشهر مع تجارة مع الله، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. إذا لم توفق يا عبد الله إلى الأعمال في مثل هذه الأوقات والأزمان، قل لي بربك متى ستوفق؟ عباد الله، إن رمضان في الحقيقة لهو معيار في معرفة تفاضل الناس في باب الإيمان والأعمال. فمن وجد خيرا ووجد إقبالا فليحمد الله وليسأل الله المزيد من فضله، ومن وجد من نفسه سوءا وإعراضا فلا يلومن إلا نفسه. قال عليه الصلاة والسلام: «من أدركه رمضان فلم يغفر له أبعده الله». من أدركه رمضان بما فيه من فضائل وكرامات، وما فيه من المنازل والمناقب، من تصفيد الشياطين، ومن فتح أبواب الجنان وإغلاق أبواب النيران، كل ذلك لم تسعفك في أن تغير من حياتك أو تحرك ساكنا في طاعاتك، فإنك من أبعد الناس. نسأل الله السلامة والعافية. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسان، والحمد لله على توفيقه وامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، مع أنه لم يبق من رمضان إلا القليل، إلا أن هذه البقية الباقية فيها من الثواب العظيم والأجر الكثير والفضل الكبير ما الله به عليم. إنها الليالي العشر الأخيرة من رمضان، ليالي شريفة منيفة، خصها الله جل وعلا بالتكرمة والمنزلة الرفيعة. الليالي العشر الأخيرة من رمضان التي شرع في أولها الاعتكاف، ففيها يعتكف العبد بنفسه لمناجات ربه وعبوديته، فينقطع عن العوالم والعلائق، وينشغل بخاصة نفسه. العشر الأخيرة من رمضان التي ختامها ختمت بزكاة الفطر، عبادة جليلة وقربة عظيمة، زكاة تتزكى بها يا عبد الله في أن تطهر نفسك عما عسى أن حصل من تقصيرك وتفريطك في يوم صومك. وهي كذلك زكاة مواساة للفقراء والمحتاجين وللفقراء والمساكين. هذه الأيام العشر من رمضان الأخيرة منه، الذي جعل الله جل وعلا في ثناياها ليلة هي أعظم من ألف شهر، ألا وهي ليلة القدر، التعبد لله فيها يوازي ويساوي أكثر من التعبد لله في ثمانين عاما، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟ عباد الله، إن نبينا عليه الصلاة والسلام لعلم بشرف هذه الليالي الأخيرة من رمضان، وحرصا منه على اغتنام فضلها والتماس بركتها، ولما فيها من الهيبة والمهابة ومن الفضل والمتانة، كان حريصا عليه الصلاة والسلام على استغلالها. فكان يشتد فيها ما لا يشتد في غيرها، حتى كان من هديه عليه الصلاة والسلام إذا دخلت العشر شد مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله. شد مئزره دلالة على جده واجتهاده، وما يكون من اعتزاله لنسائه فيتفرغ كلية لمناجاة ربه، لا يترك حظا من حظوظ نفسه. وكان عليه الصلاة والسلام يوقظ أهله، دلالة على أن ما يكون من جدك واجتهادك وما يكون من حرصك واغتنامك لا ينحصر، لا يقتصر على نفسك، وإنما ينبغي أن توصله إلى غيرك، إلى أقرب الناس إليك، إلى أهلك وأرحامك، إلى زوجك وأولادك. وكان من هديه أن يحيي ليله، كان عليه الصلاة والسلام يشغل الليالي العشر بالسهر، فما كان يذوق فيها غفلا، وما كان يحدث فيها نوما. ففي الصحيحين: كان عليه الصلاة والسلام في العشرين الأول من رمضان يخلطها بين الصلاة والنوم، فإذا دخلت العشر شمر وشد المئزر. عباد الله، هذا حاله صلوات ربي وسلامه عليه، فكيف بأحوالنا ونحن في هذه العشر؟ إنه من المؤسف أن نجد فئات من الناس من لربما لا يبالي بهذه الليالي، فما رفع لها رأسا ولا ألقى لها بالا، وما أعار لها اهتماما. قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذا الشهر قد حضركم، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا كل محروم». فنعوذ بالله من الحرمان، ونعوذ بالله من الخذلان. وهكذا فئات من الناس في مثل هذه الليالي المباركات عمروها بالبدع والضلالات، وبالطقوس والمحدثات، من ضرب للطبول والدفوف، ومن تحريك للرؤوس، وبالتغني وبالتغنم. عباد الله، إن نبينا صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذه الأيام حاله أن ينتصب لله قائما، يعفر وجهه لربه ساجدا راكعا، مقبلا على الله جل وعلا بمناجاته داعيا متضرعا. فهكذا فلنكن، قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. يا مجيب الدعوات، اللهم أعن على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم أعن على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم تقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال، يا ذا الجلال والإكرام. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.