خلق الرحمة و التراحم

خلق الرحمة و التراحم

الخطبة بعنوان خلق الرحمة و التراحم، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 4 ربيع الآخر 1447هـ الموافق 26 سبتمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية خلق الرحمة في الإسلام

يُبرز أهمية خلق الرحمة في الإسلام كأحد أعظم الأخلاق التي تُقوّم عليها الشريعة. الرحمة شرط من شروط كمال الإيمان والشريعة الإسلامية قائمة عليها.

التخلق بخلق الرحمة وتطبيقاته العملية

يجب على المسلم التخلق بخلق الرحمة والتراحم مع جميع الناس والحيوانات. الرحمة والتراحم من صفات أهل الإيمان وتؤدي إلى النجاح والفلاح.

التراحم بين المسلمين ودعاء للأمة

الرحمة تكون بين المسلمين بغض النظر عن صفاتهم وأجناسهم. المقطع ينتهي بدعاء للأمة الإسلامية خاصة المستضعفين في فلسطين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا أن من أعظم مقاصد الشريعة ومن أهم قواعدها وأهدافها العظيمة البديعة هو إيجاد مجتمع مسلم موحد يتوجه بالعبودية لله وحده، وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون. وإنه لا سبيل إلى إقامة مجتمع بهذا المثيل وبهذه الصورة والمثابة وبهذه القوة والمتانة إلا بأخلاق عالية وبآداب سامية يتحلى بها أفرادها، فيظهر ذلك في آدابهم وسلوكياتهم وفي تعاملهم فيما بينهم. ألا وإن من هذه الأخلاق العظيمة التي متى ما تربينا عليها وهي من الأخلاق والسلوكيات التي بظهورها تظهر قوة الأفراد والمجتمعات، ألا وهو خلق الرحمة والتراحم. هذا الخلق الذي دلت الأدلة الشرعية على أهميته وعلى علو أمره، بل إن الشريعة تقوم عليه، فهي تأول وتعود إليه. قال إمام السعدي رحمه الله تعالى: إن الشريعة كلها مبنية على الرحمة في أصولها وفي فروعها. فإن من تأمل في أدلة الكتاب والسنة يرى عظيم هذا الخلق، فكفى شرفًا هذا المقام أن انتصب به رب الأرباب جل في علاه. قال سبحانه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، فربنا جل في علاه هو الرحمن، هو الرحيم، ذو الرحمة الواصلة، ذو الرحمة الشاملة، ذو الرحمة الواسعة التي وسعت رحمته كل المخلوقات. ورحمتي وسعت كل شيء، كل شيء، بل حتى شملت الكفار، فهاهم الكفار مع كفرهم وإعراضهم وزندقتهم يعيشون ويأكلون ويتمتعون، وما ذاك إلا من آثار رحمة الله جل في علاه. بل اعلموا عباد الله أنه ما من شيء له صلة بالله جل في علاه إلا وهو قائم على الرحمة، فدينه وشريعته تقوم على الرحمة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، قل بفضل الله وبرحمته أي بدينه وشريعته. وهكذا كتابه وصفه الله عز وجل بالرحمة، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾، وهذا نبيه صلوات ربي وسلامه عليه وصفه ربنا جل وعلا بالرحمة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وإن من تأمل في سيرته وفي هديه وسلوكه ليرى مظاهر رحمته عليه الصلاة والسلام، وكيف لا وهو القائل: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة»، إنما أنا رحمة مهداة. فهذه يا عباد الله من أعظم دلائل الرحمة في شريعة الله جل وعلا. وهكذا بلغ من أهمية هذا الخلق وهذا المقام أن شرعنا جعله شرطًا من شروط كمال الإيمان، فلا يكمل كمال إيمان أهل الإسلام إلا إذا اتصفوا بخلق الرحمة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تؤمنوا حتى تراحموا»، لا تؤمنوا حتى تراحموا. وأخبر ربنا عز وجل مبينًا صفات أهل الإيمان الذي ينبغي أن يلتزم به الأنام في كل زمان ومكان أن يكونوا من الرحمة، قال جل في علاه: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. وما دخل أهل الجنة الجنة بمثل هذا العمل بتخلقهم بخلق الرحمة والتراحم، قال عليه الصلاة والسلام: «أهل الجنة ثلاثة... ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قرب ومسلم». ورجل رحيم به يا عبد الله تدخل جنات النعيم. بل تأمل يا عبد الله إلى عظيم شأن خلق الرحمة والتراحم أن الله عز وجل أمرنا أن نتحلى به مع غيرنا من العوالم مع الكائنات والحيوانات، قال عليه الصلاة والسلام: «الشاة إن رحمتها رحمك الله»، ترحمها فيما يكون من القيام بشؤونها في مأكلها ومشربها بتوفير علفها، وهكذا مما يدخل في رحمتها أن ترحمها عند ذبحها فلا تقس عليها ولا تذبح عند أخواتها ولا تجرجرها برجلها ولا تحد السكين أمام ناظريها. ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: «من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله»، من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله. فيا سبحان الله إذا كانت رحمة الله تتنزل على من يرحم الكائنات من الطيور والبهائم والحيوانات، فما ظنك بالذي يرحم المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات؟ لا شك ولا ريب أن رحمة الله تتوالى عليه. كن رحيمًا يا عبد الله مع الأنام، كن رحيمًا يا عبد الله مع أهل الإسلام، وخاصة بمن هم حولك ممن تعاصرهم وتعاشرهم. كن رحيمًا مع والديك، مع أبيك وأمك، قال سبحانه: ﴿فَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. كن رحيمًا مع والديك فلا تغضبهما ولا تعنفهما ولا تعصي لهما أمرًا ولا تتمرد عليهما، وإنما تسعى بإدخال الفرح والسرور إلى قلبهما، وأن تكون تحت أوامرهما فرحيمًا معهما. ومن الرحمة أن تكون رحيمًا مع أهلك مع زوجتك وشريكة حياتك، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، رحمة بها تستدام الحياة الزوجية بأن تكون رحيمًا مع أهلك، وذلك باللطف معها وبالترفق في التعامل معها، فلا تعنفها ولا تكلفها ولا تشق عليها ولا تؤاخذها على هفواتها وزلاتها، وعليك أن تتغاضى عما وقع من سلبياتها. كن رحيمًا يا عبد الله مع أولادك وأبنائك ومن هم تحت يدك، كن رقيقًا رحيمًا معهم، قال أنس رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أحدًا أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا تشق عليهم ولا تضربهم الضرب المبرح، بل كان من رحمته عليه الصلاة والسلام بالصبيان أنه لربما قبلهم وما زحهم صلوات ربي وسلامه عليه. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. مما مضى علمنا عباد الله عظيم التخلق بهذا الخلق، وأن من تخلق بالرحمة والتراحم فإن الله عز وجل سيكتب له النجاح والفلاح في دينه ودنياه وأولاه وأخراه. وأن مما ينبغي أن نعاشرهم بهذا الخلق من كان من أقرب الناس إلينا من والدينا وأزواجنا وأولادنا، وهكذا قل مع سائر القرابة والأرحام، فإن التواصل معهم لا بد أن يكون محفوفًا بالرحمة. قال عليه الصلاة والسلام: «الرحم شجنة من الرحمن»، قال العلماء: أي أن كلمة الرحم مشتقة من الرحمن، إشارة على أن صلتها تكون محفوفة بالرحمة. «الرحم شجنة من الرحمن»، قال الله: من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته. وهكذا قل يا عبد الله في تعاملك مع سائر الناس من أهل الإسلام، لا بد أن يكون قائمًا على خلق التراحم على اختلاف صفاتهم وأجناسهم وبلدانهم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تؤمنوا حتى تراحموا»، قال رجل: يا رسول الله كلنا رحيم، كلنا رحيم، قال عليه الصلاة والسلام: «ليست برحمة أحدكم صاحبه، وإنما رحمة يرحم بها الناس كافة». وبهذا نعلم أن من مقتضى الإيمان أن تكون يا عبد الله ذا قلب سليم رحيم رقيق لكل المسلمين، فالكبير يرحم الصغير، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا». والتاجر والغني عليه أن يرحم الضعفاء من المساكين والفقراء في البيع والشراء، قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله امرأ سمحًا إذا باع سمحًا إذا اشترى»، وهذا من معاني الرحمة. وهكذا العالم والداعية والمدرس ينبغي كذلك أن يكون رحيمًا مع المدعوين، كما قال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، قال إمام السعدي رحمه الله: هذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟ فكيف بغيره؟ وهكذا المسؤول والكبير والأمير عليه أن يرحم كل من تحت يده، قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به». وهذه من معاني الرحمة. عباد الله، إن الله عز وجل ندبنا جميعًا إلى أن نتخلق بهذا الخلق مع غيرنا، وذلك لكي يعاملنا الله بالمثل، لكي يعاملنا الله بالمثل، فإن الجزاء من جنس العمل، قال عليه الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، يرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. فالجزاء من جنس العمل، إذا أردت يا عبد الله أن يتولاك الله برحمته وأن يغدق عليك بعطائه وأن يمن عليك بفضله وأن يسر عليك من خيري الدنيا والآخرة، كن رحيمًا مع غيرك، كن رحيمًا مع غيرك. وقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء»، فمن عامل الله بصفة عامله الله من جنس هذه الصفة في الدنيا والآخرة، كما قال أهل العلم. وبهذا نعلم أن العكس بالعكس، كما أن الذي يرحم خلق الله يرحمه الله، فإنه من لم يرحم عباد الله فمن أين تأتيه رحمة الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من لا يرحم لا يرحم»، من كان شقيًا عنيدًا قاسيًا من كان شديدًا عنيفًا، من لم يكن رحيمًا بوالديه ولا بأهله وأولاده ولا بجيرانه وأرحامه ولا بأهل الإسلام، فمن أين تأتيه رحمة الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يرحم الناس لا يرحمه الله». أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل في علاه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم من أراد بلادنا وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء اللهم اجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم نجيهم في أرض فلسطين، اللهم تقبل موتاهم، وداوي جرحاهم، وفك أسراهم، وعاف مبتلاهم، اللهم آمنهم في ديارهم وأوطانهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.