محاسبة النفس في رمضان

الخطبة بعنوان محاسبة النفس في رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٤ رمضان ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية محاسبة النفس بعد رمضان

يتحدث عن أهمية محاسبة النفس بعد رمضان وتصحيح المسار. ينقسم الناس إلى سعداء وشقياء بناءً على استغلالهم لرمضان.

مجاهدة النفس في رمضان والإصلاح

يُشدد على محاسبة النفس ومجاهدتها في رمضان، خاصة في العشر الأواخر، ويُناقش الإصلاح بين العبد وربه وبينه وبين الناس.

دعاء لنصر المسلمين والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً للتفريق بين الأعداء ونصر المسلمين وطلب الرحمة للموتى والشفاء للجرحى، ويختم بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة». عباد الله، إن هذا الحديث النبوي الثابت الصحيح لشواهد الواقع تؤكده وتثبته، فها نحن في هذا الشهر العظيم، وفي هذا الموسم الفاضل الكريم، مرت منه أيامه وانقضت منه لياليه، ويكأنها ما هي إلا لحظات يسيرة مضت وخلت، والله المستعان، وعليه التكلان. عباد الله، كيف نحن مع هذا الشهر؟ كيف نحن مع أيامه وليليه التي خلت ومضت؟ من تأمل في أحوال الناس إزاء هذا الشهر لعلم أنهم على قسمين لا ثالث لهما، فمنهم السعيد المأجور، ومنهم الشقي المحروم. فالسعيد من اغتنم تلكم الأيام بالجد والاجتهاد في طاعة الله جل وعلا، وذلك بالمحافظة على الصلاة، وعلى إتمام الصيام، وعلى إكمال القيام، والمسارعة إلى صلة الأرحام، وإطعام الطعام، وتنافس على الطاعات والعبادات من نوافل وسنن ومقرّبات. قوم علموا أنهم في موسم عظيم، وأنه ما هو إلا أيام معدودة، فشمروا عن ساعد الجد، فعمروا أوقاتهم في ليلهم ونهارهم بطاعة الله جل وعلا، بقراءة القرآن، وبالصلاة والصيام. إن هؤلاء عباد الله هم عتقاء الله حقا وصدقا، أقبلوا على الله شوقا لله وشوقا لطاعته ومرضاته جل في علاه. وأما الصنف الثاني من الناس، فهو الشقي المحروم، وهو ممن لا يبالي بما فاته هذا الشهر، ولا بفضائله، ولا بخيريته، ولا ببركته، ولا بمناقبه، ما رفع رأسا، ولا ألقى بالا، وإنما في غيهم يعمهون، ما تلذذ بحلاوة الطاعة، وما تسلى بمذاق العبادة، فما صلى، ولا صام، ولا قرأ القرآن، ولا قام. هؤلاء ما ضرّوا إلا أنفسهم. قال عليه الصلاة والسلام: «رغم أنف امرئ دخل عليه رمضان فلم يغفر له». وفي حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن جبريل عرض لي فقال: بعدا لمن أدرك رمضان فلم يغفر له». قال عليه الصلاة والسلام: «فقلت: آمين». وفي حديث آخر: «سحقا وبعدا لمن أطال الله سبحانه وتعالى في عمره، وأن بلغه لحضور هذا الشهر الكريم، ومع ذلك ما كفّر عن ذنوبه، وما تطهّر عن خطاياه وعن عيوبه». عباد الله، إنه جديرٌ بالعبد أن يحاسب نفسه في مثل هذه الأوقات على ما مضى من وقته وعمره. في هذا الشهر الكريم نحاسب أنفسنا عباد الله فيما مضى وانقضى. فمن رأى من نفسه الخير فليحمد الله جل في علاه، وليسأل الله المزيد من فضله، ويدعو ربه جل وعلا أن يعينه على تقواه وعلى بره، وأن يمد له في الخير إلى آخره. وأما من وجد منا غير ذلك، وجد منا من نفسه التفريط والتقصير في جنب الله، وكلنا ذو تقصير، فعلينا أن نلوم أنفسنا، وأن نندب حظنا لما فات من عمرنا في غير مرضاة ربنا جل في علاه. عباد الله، إن من لطف الله علينا أن مدّ بأعمارنا لكي نصلح ما فات. فإن السعيد من التُعظ بغيره. ها هي القبور قد مُلئت بأُناس باغتهم الأجل، فما استطاعوا أن يدركوا ما فات، أو أن يصلحوا ما مضى. بينما نحن حبان الله جل وعلا بنعمة الحياة، فعلينا عباد الله جميعا أن نحاسب أنفسنا كما أرشدنا ربنا لذلك، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. لقد كان سلفنا الصالح من أشد الناس محاسبةً لأنفسهم فيما مضى من أعمارهم وأوقاتهم. فكان من نتيجة ذلك ما سمعنا من أخبارهم، وما علمنا من أحوالهم من المسابقة إلى الطاعات، وإلى بلوغ المنازل وأعلى الدرجات. قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن لكم، وتزيّنوا للعرض الأكبر». وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «المؤمن قوّامٌ على نفسه، يحاسب نفسه لله، فإنما خفّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في هذه الدنيا، وإنما شقّ الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر بغير محاسبة». هكذا كان سلفنا الصالح في محاسبتهم لأنفسهم، ثم كانوا بعد ذلك على أحسن حال. كيف كانت نفوسهم بعد ذلك صفت، وسمت، وعلت؟ عباد الله، إن أمر المحاسبة له مطلوبٌ في كل آن، إلا أنه في رمضان أشد توكيدا وأعظم تأكيدا. ثم أعلموا عباد الله، بعد محاسبتنا لأنفسنا، علينا بالمقام الثاني، وذلك علينا بالمجاهدة، وذلك بأن يجاهد أنفسنا على إصلاح ما مضى من تفريطنا ومن تقصيرنا في جنب الله، وذلك بحمل أنفسنا على الجد والاجتهاد، وعلى تعويض ما فات. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. وإننا قادمون على موسم عظيم، موسم لا يقل أهمية مما مضى وانقضى، ألا وهي الليالي العشر من رمضان، تلكم الليالي التي تنافس فيها الصالحون والعارفون لاغتنام أيامها واستغلال لياليها. لكن من المؤسف عباد الله أن نرى أن الكثير من الناس، رجالا ونساءً، قد دب إليهم الفتور والكسل والضعف والخور. ما بالنا عباد الله نرى أقوامًا من الناس في بداية الشهر كانوا يزدحمون على بيوت الله، ويزدحمون على الصفوف الأولى لصلاة القيام والتراويح، فها هم الآن قد تركوا ذلك، وانشغلوا بالتسكع في الأسواق، والتسكع في الطرقات، ولا تجد لهم في بيوت الله حسّا ولا أثرا. ما بال الناس في أوائل رمضان أقبلوا على كتاب الله، أقبلوا على القرآن، لكنهم الآن قد انشغلوا عنه بالقيل والقال، وبإضاعة الأوقات، وبمتابعة الشاشات. ما بال الناس عهدوا الله جل وعلا في استقبالهم لرمضان بالتوبة النصوح، وبترك كل عمل مخز مفضوح، فما هي إلا أيام حتى عادوا لما أقلعوا عنه؟ عباد الله، إلى هؤلاء وإلى أمثالهم وإلى غيرهم، اتقوا الله، اتقوا الله. وعلينا أن نعلم جميعا أن الله جل في علاه غنيٌ عن طاعاتنا وعن عباداتنا، بل نحن المحتاجون، نحن المحتاجون إلى ربنا، إلى خلقه، إلى رزقه، إلى فضله وإحسانه. قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ۞ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. إن شاء ربنا جل وعلا أن يخسف بنا، وأن يهلك بنا الأرض، متى ما تمردنا على دينه، ومتى ما أعرضنا على شريعته. قال عليه الصلاة والسلام، كما في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن، وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». هي أعمالك يا عبد الله، هي التي تسعدك، وهي التي تشقيك. علينا عباد الله أن نتق الله سبحانه وتعالى فيما مضى، علينا أن نتق الله سبحانه وتعالى فيما بقي من رمضاننا، بل وهكذا في سائر حياتنا وأنماط معيشتنا، ما دامت هذه النفس تضطرب بين جنبيك يا عبد الله. كن عبدا لله كما قال ربنا جل في علاه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، أي حتى يأتيك الموت. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا. فمما مضى عباد الله، علمنا ضرورة محاسبتنا لأنفسنا لكي نعرف مواطن الخلل ومواطن الضعف، ثم بعد ذلك نحمل أنفسنا على المجاهدة، وذلك بأن نجاهد أنفسنا على تعويض ما فات، وذلك بالجد والاجتهاد على طاعة الله سبحانه وتعالى. وعلينا عباد الله، وخاصة ونحن في هذا الشهر المفضل، أن نجاهد أنفسنا على مقام عظيم، وذلك بأن نبذل طاقاتنا، وأن تكون هممنا منصوبة لتحقيق هذا المقام، ألا وهو مقام الصلاح ومقام الفلاح. فإنه من كان من عباد الله الصالحين، من عباد الله الفالحين، فليبشر بخير الدنيا والدين. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ثم اعلموا عباد الله أن مقام الصلاح الذي تنافس إليه من تنافس من السابقين والآخرين لتحصيله وللانتساب إليه وتحقيقه، لا يكمن تحقيق هذا المقام إلا بأمرين اثنين، لا يصح إلا بهما، وأن الإخلال بهما أو بأحدهما يخرجك يا عبد الله عن دائرة الصلاح، ويوقعك في دائرة الضلال والهلاك، ألا وهما إصلاح ما بينك وبين الله، وإصلاحك فيما بينك وبين الناس. إن مقام الصلاح والفلاح لا يتحقق إلا بهذين الأمرين. وإن المسلم عباد الله له مطلوب أن يحقق هذين المقامين في كل حياته، إلا أنه في رمضان واجب عليه، لأن إخلالك بأمر الصلاح فإنه بالضرورة يخل بصيامك، ويخل بأجرك وثوابك. عليك يا عبد الله وأنت في هذا الشهر العظيم أن تصلح فيما بينك وبين الله، وذلك بالإقبال على الله سبحانه وتعالى بالطاعات والنوافل والقربات، بإتيان الفرائض والواجبات، والمسارعة إلى ما يحبه الله ويرضاه. وقد حثنا الشرع العظيم على كثير من العبادات والطاعات التي ينبغي أن نتزود بها في هذا الشهر. أمرنا ربنا جل وعلا بالصيام. من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. حثنا شرعنا العظيم على قيام الليل، على التهجد والتراويح. قال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». حثنا الشرع العظيم على قراءة القرآن، فها هو نبينا صلوات ربي وسلام عليه كان يقبل على القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان. وهكذا يا عبد الله نقبل على الله سبحانه وتعالى بما نستطيع من طاعة ومن عبادة ومن قربة نتقرب بها إلى مولانا جل في علاه. وها هو نبينا صلوات ربي وسلام عليه، سيد المصلحين وسيد الصالحين والمفلحين عليه الصلاة والسلام، كيف كان في إقباله على ربه في كل حياته، لكن في رمضان كان أشد اجتهادا، صلوات ربي وسلام عليه. بل حتى أنه كان في رمضان يعتكف في مسجده، يخلو بنفسه لكي يناجي ربه وخالقه. فلنكن هكذا عباد الله، أن نشمر عن ساعد الجد، وأن نقبل على الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الأيام بالطاعات والعبادات. ثم عباد الله، بعدما أن نصلح فيما بيننا وبين الله، نصلح كذلك فيما بيننا وبين الناس، وذلك بمعاشرة الخلق بمكارم الأخلاق، وبأحسن الآداب، وذلك بالبذل والعطاء، ببذل الخير والبر والصدقة والنفقة. وأيضا وذلك عباد الله بأن نمد أيدينا إلى منفعة الناس، إلى منفعة المسلمين، من الفقراء والمحتاجين، ومن إطعام الطعام، وبصلة الأرحام. كان نبينا عليه الصلاة والسلام هذا حاله، وهذا شأنه عليه الصلاة والسلام، كان لا يألو جهدا في منفعة الناس، من الأقربين والأبعدين. كان عليه الصلاة والسلام كما ثبت في الصحيح من أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان. كانت يده مملوءة بالخير، مملوءة بالبذل، مملوءة بالعطاء. فإن عجزت يا عبد الله، وإن تقاعزت يا عبد الله عن نفع الناس وعن نفع غيرك، فلا أقل رعاك الله أن تكف شرك وبلواك عن أذية المسلمين. ما بال الناس جعلوا من هذا الشهر العظيم شهر عداوة وبغضاء، وشهر أذية واعتداء، بضرب المسلمين، وأذية الصائمين والقائمين، وبقطع الطريق والسبيل، وبالاعتداء على سائر المسلمين، وبالاعتداء على ممتلكات الآخرين. عباد الله، ما هكذا أحوال الصائمين. فإن ذلك مما نهى عنه المسلمون والصائمون. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل». وفي رواية: «فلا يرفث ولا يصخب». فإن كنت يا عبد الله صائما لله حقا وصدقا، فتمثل بهذه الأخلاق مع إخوانك المسلمين، فلا ترفث، والرفث هو كل قول قبيح، ولا تصخب، قال العلماء: وبمعنى الصياح والصراخ، وبمعنى الخصام، ولا تجهل، لا تفعل أفعال هي من فعل الجاهلين، التي لا يعتريها الصواب، ولا يعتريها الحكمة. اعلم يا عبد الله أن هذا مما ألزمت به، فمن أعرض عن ذلك، وظن أنه بإقباله على الله يكفيه ذلك، وأنه بإمكانه أن يتعدى على حرمات المسلمين، فليعلم أنه ليس من عباد الله الصالحين، بل إنه من عباد الله المفلسين، الذين سيأتون يوم القيامة بصلاتهم وصيامهم وزكاتهم، وبسائر أعمالهم، لكنهم باعتدائهم وعدوانهم على إخوانهم وعلى غيرهم من أبناء المسلمين، من سب، من شتم، من لعن، من ضرب، من قطع، من أذية، فإن أعمالهم وسائر طاعاتهم ترجع إلى غرمائهم، وتخرج عن أيديهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فعلينا عباد الله أن نربي أنفسنا على مقام الصلاح، وأن نلهج بذكر الله سبحانه وتعالى في كل وقت وفي كل صباح، بأن يجعلنا من عباد الله الصالحين. ولا يتأتى ذلك إلا بأداء حق الله سبحانه وتعالى بالعبودية التامة لربنا جل في علاه، ثم أيضا بأداء حقوق العباد، وذلك بالصفح والعفو والمسامحة، وببذل العطاء، وهكذا ببذل الخير لجميع المسلمين، وأن يكف شرنا ونكف بلواك عن إخواننا المسلمين. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. يا مجيب الدعوات، اللهم تقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال والطاعات. اللهم أعن على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك. اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه يا رب العالمين. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن، وعن سائر بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم عليك بكل عدو لهذا الدين، اللهم عليك باليهود الغاصبين، والنصارى المعتدين، وبالرافضة المارقين الحاقدين. اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم إنا قطعوا وبغوا وآذوا عبادك وقطعوا سبيلك. اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم يا رب العالمين. اللهم نجي إخواننا المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم تقبل موتاهم، وعاف مبتلاهم، وفك أسراهم، وداوي جرحاهم، إنك على كل شيء قدير. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.