الدرس في أسئلة تهم طالب العلم 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد الشيخ مقبل بن هادي الوادعي على ضرورة التدرج في طلب العلم مشبهاً إياه بتدرج الطعام، وينصح بالبدء بتعلم القراءة والكتابة كأساس لتلقي العلم، ثم التوسع في الكتب المناسبة لكل مستوى دراسي.
يبيّن المقطع المنهج التفصيلي للمبتدئ بالبدء بالمختصرات في العقيدة كالأصول الثلاثة والقواعد الأربع، ثم المتوسطات فالمطولات، مع التدرج المماثل في الحديث من الأربعين النووية إلى الصحيحين، مؤكداً أن حفظ القرآن هو الأساس والأولوية الأولى لكونه أصل العلم.
ينصح الشيخ بالاهتمام بحفظ القرآن وتعلم اللغة العربية لفهم النصوص وتجنب التحريف، موضحاً منهجية تعلم العربية عبر المفردات والنحو، ومنهجية حفظ القرآن بمراعاة القدرة الفردية والتكرار والمراجعة والأخذ من المشايخ أو الأشرطة المتقنة.
يوجه المقطع إلى الاستماع لأشرطة قراء متقنين يتقنون التجويد دون تنطيط أو تشدد في إخراج الحروف، لضمان تعلم القراءة الصحيحة والسليمة، على أن يستكمل الموضوع في دروس قادمة.
الصلاة والسلام على رسول الله، ومن وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن شاء الله تعالى في هذا المجلس نأخذ بعض الأسئلة التي تهم طالب العلم. وهذه الأسئلة وجهت إلى شيخنا الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى. فنحن بحاجة ماسة لنصائح العلماء ولتوجيه العلماء، فإنهم أهل خبرة وأهل معرفة. فإن شاء الله تعالى نأخذ بعض هذه الأسئلة التي ما منا إلا وهو بحاجة ماسة للعمل بها. فسئل رحمه الله تعالى: «أي شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، كما في كتاب تحفة المجيب على أسئلة الحاضر والغريب: فسئل رحمه الله تعالى: ما هي الكتب التي يبدأ بها طالب العلم ثم أراد أن يتوسع؟». وهذا السؤال موهوب، فإن طالب العلم ينبغي عليه أن يتدرج في طلبه للعلم، وأن يأخذ العلوم شيئاً فشيئاً. فمثل طالب العلم كمثل ابن الإنسان؛ فإنه إذا ولد لا يأكل مباشرة اللحم والأرز وهذا الأكل الكبير أو الكثير، إنما يرضع، ثم يعطى بعض السوائل، وهذا بعد فترة تطلع له الأضراس فيبدأ يأكل قليلاً قليلاً حتى ينمو. وكذلك العلم، العلم يحتاج منك يا طالب العلم إلى تدرج، أن تأخذ العلم شيئاً فشيئاً. فهذا السؤال مهم جداً: ما هي الكتب التي يبدأ بها طالب العلم؟ يبدأ في البداية... فدل ذلك على أن طالب العلم له كتب خاصة يبدأ بالدراسة فيها، له كتب خاصة يبدأ بالدراسة فيها. وهذا هو ما ينصح به العلماء، حتى أنه جاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾، جاء في تفسير الربانيين: أنهم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره. هؤلاء هم الربانيون، يتدرجون في تعليم الناس. فهكذا العلماء، ولذلك تجد في مؤلفاتهم هذا التنويع في التأليف؛ فيؤلفون للمبتدئ، ويؤلفون للمتوسط، ويؤلفون للمنتهي. فعلى سبيل المثال: الإمام النووي رحمه الله تعالى ألف الأربعين النووية، ومع هذا ألف رياض الصالحين. لماذا ألف الأربعين النووية؟ حتى تسهل على المبتدئين من طلاب العلم. وألف رياض الصالحين لمن هو أرفع من المبتدئ. ومع هذا له شروحات، وله كذلك تفريعات في أبواب الفقه للمنتهين كالمجموع وشرح مسلم وغيرها. وهكذا مشى علماؤنا. الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي: إذا نظرت إلى كتبه لرأيت هذا الأمر واضحاً جلياً. ألف للمبتدئين: الأصول الثلاثة، القواعد الأربع، دروس تناسب المبتدئ. ومع هذا ألف مسائل الجاهلية، كتاب التوحيد لمن هو أرفع، وهكذا آداب المشي إلى الصلاة، وهكذا غيرها من الكتب التي هي أرفع مما ذكرنا من الكتب الصغيرة. فهذا من حكمة العلماء، فينبغي أن نعتبر بذلك، وأن نأخذ بتوجيهاتهم، وأن نأخذ العلم بالتدرج شيئاً فشيئاً. كذلك علماؤنا المعاصرون: هكذا يؤلفون على مستويات. الشيخ يحيى حفظه الله تعالى في الفترة الأخيرة ألف كتاباً صغيراً للمبتدئين، ماذا سماه؟ «المبادئ المفيدة»، أسئلة وأجوبة ينتفع منها المبتدئون، فوائد عظيمة. ومع هذا له مؤلفات في التخريجات، في التحقيقات، في الشروحات لمن هو أرفع. فهذه نصيحة العلماء: أن الطالب يتدرج في العلم، يأخذ العلم شيئاً فشيئاً، لا يستعجل، ولا يظن أنه سيأخذ العلم في يوم أو يومين، أو في أسبوع أو في أسبوعين، أو في شهر أو في شهرين، بل أو في سنة أو سنتين، بل يأخذ العلم على مدى حياته. فينبغي عليه أن يتدرج. قال السائل: «ما هي الكتب التي يبدأ بها طالب العلم ثم أراد أن يتوسع؟». قال شيخنا رحمه الله الشيخ مقبل عليه رحمة الله: «الجواب: الكتب التي يبدأ بها طالب العلم المبتدئ: إذا كان يجيد القراءة والكتابة». إذن استفدنا من قول شيخنا هذا: أن طالب العلم أولاً ما ينبغي عليه أن يهتم بالقراءة والكتابة، لأنهما مصدرا التلقي. كيف تتلقى العلم وأنت لا تقرأ ولا تكتب؟ هذا فيه مشقة، فيه مشقة في طلبك للعلم. فأولاً تتعلم القراءة والكتابة، تعرف تقرأ: إذا كتب المدرس تقرأ ما يكتب، إذا درسك المدرس في كتاب تستطيع أن تقرأ ما في الكتاب. فهذا أول أمر ينبغي أن يهتم به طالب العلم: القراءة والكتابة. والكتابة تهتم بها بحيث تستطيع أن تكتب كتابة صحيحة من دراسة الحروف العربية التي هي مباني الكلمات، ومن دراسة تركيب هذه الكلمات والحروف التي تتصل ببعضها والتي تنفصل، وأيضاً الإملاء: مواضع الهمزات، ومواضع المدود، وكل ما يتعلق بأمر الكتابة. هذا أول ما يبدأ به طالب العلم: الاهتمام بالقراءة والكتابة، لأنهما مصدر تلقي العلم. ثم قال: «إذا كان يجيد القراءة والكتابة أن يقرأ في القول المفيد لأبي محمد بن عبد الوهاب الوصابي» - أو الوصابي - «وهذا كتاب مفيد انتفع به طلاب العلم فائدة عظيمة، فهو صغير الحجم وحوى مسائل عظيمة في العقيدة، في العقيدة». ثم تدرس كذلك كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي في: القواعد الأربع، والأصول الثلاثة. ولله الحمد في هذا المركز تدرس مثل هذه الكتب، وينبغي للمبتدئ إذا سمع مثل هذه الدروس ولم يدرس هذه الكتب من قبل، أن ينضم إلى هذه الدروس، فإنها كتب مفيدة. قال: «وأن يقرأ في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، فهو كتاب عظيم». هذا في جانب الألوهية، توحيد الألوهية، وما يتعلق بأمر العبادة، وهو الأمر العظيم الذي فاصل به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكفار. قال: «في العقيدة الواسطية للشيخ الإسلام ابن تيمية». يعني بعدما ينتهِي من هذه الكتب الأولى، يتدرج. ما يأتي مباشرة ما شاء الله، يريد أن يدرس الواسطية، أو مباشرة يريد أن يدرس فتح المجيد، مباشرة يريد أن يدرس الطحاوية. لا، يتدرج. يدرس هذه الكتب الصغيرة: القول المفيد في أدلة التوحيد، المبادئ المفيدة، كذلك الأصول الثلاثة، كذلك القواعد الأربع، كشف الشبهات، وهكذا مسائل الجاهلية. كتب الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله. ثم بعد ذلك: فتح المجيد، العقيدة الواسطية. ثم هكذا الكتب المطولة: كالطحاوية، كالطحاوية وغيرها من كتب العقيدة المطولة. هذا بالنسبة لكتب العقيدة، وبدأ بها الشيخ لأهميتها؛ فإن العقيدة أمرها مهم جداً، وهي أصل من أصول دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً إلى اليمن، قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله». فهذا هو أعظم واجب. فما الفائدة أن يتعلم العبد الفقه والنحو والأصول، ويتعبد الله وهو يعبد غير الله، يدعو غير الله، عنده شبه في العقيدة؟ فخلل بمعتقده الصحيح وبتوحيده لربه سبحانه وتعالى. لو صلى لله الليل كله، لو صلى الليل كله وصام النهار كله، وعنده شرك بالله عز وجل، لما نفعته هذه الصلاة، ولما نفعه ذلك من الصيام. فلذلك ينبغي لطالب العلم أولاً أن يهتم بأمر العقيدة، وأن يخلص العبادة لله عز وجل وحده. قال: «وهكذا بلوغ المرام ورياض الصالحين». هذا بالنسبة للحديث. وطالب العلم المبتدئ يبتدئ بحفظ أحاديث قليلة، ثم يتدرج ويرتقي في الحفظ: كأن يحفظ أولاً الأربعين النووية، ثم تتمة لها: تتمة الخمسين لابن رجب. ثم كذلك يحفظ بعد ذلك... في كذلك يحفظ بعض الأحاديث التي تتعلق بالأحكام، تتعلق بالأحكام كعمدة الأحكام، وغيرها من الكتب التي فيها ذكر تلكم الأحاديث السهلة والقليلة. ثم يتدرج هكذا: يحفظ في بلوغ المرام، يحفظ كذلك في رياض الصالحين. وإن ارتفعت عنده الهمة يدخل في الصحيحين، وهكذا يحفظ من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال رحمه الله: «فإذا قرأت في هذه الكتب فنفسك تتوق إلى كتب أخرى» - يعني تتشوق - «إذا قرأت في هذه الكتب فأنت ستحب العلم، ستحب العلم، وسينشرح صدرك للعلم. والقلب مثل الوعاء: إذا وضعت فيه حوى هذا الشيء الذي وضع فيه واتسع به، وهكذا القلب». ثم قال: «وإن استطعت أن تبدأ بحفظ القرآن فهو أفضل وأحسن». وهذا أيضاً أمر مهم جداً: أن يبدأ طالب العلم بحفظ القرآن، والاعتناء بأمر القرآن. كما كان السلف رحمهم الله تعالى: كانوا أول ما يبدأون في طلب العلم هو حفظ القرآن. بل ربما يأتي أحدهم يريد أن يطلب الحديث عند عالم من علماء الحديث، فيسأله عن الحديث، عن القرآن. فإن كانت الإجابة: لا، أمره أولاً بحفظ القرآن. لأن القرآن هو أصل العلم، هو أصل العلم. فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يهتم بحفظ القرآن، وأن يفرغ من وقته في حفظ القرآن. ثم قال: «ومسألة اللغة العربية لإخواننا الأعاجم فهي مهمة جداً». فإذا كان الشخص أعجمياً لا يفصل اللغة العربية، ربما يأتيك شخص في هيئة إسلامية ويفسر لك القرآن على غير تفسيره، كما حصل من المعتزلة. وهذه نصيحة من الشيخ رحمه الله تعالى لمن لم يجيد اللغة العربية: أن يهتم لدراسة اللغة العربية. فإن بفهمك للغة العربية تفهم القرآن والسنة، وتفهم العلوم الشرعية، ولا يستطيع أحد أن يلبس عليك، أو أن يفسر لك التفسير غير الصحيح، تفسير محرف، ليس تفسير السلف، وليس مما جاء في كتب السلف رحمه الله تعالى. هذا أولاً ما نصح به الشيخ رحمه الله تعالى لطالب العلم: أن يهتم بهذه العلوم، ويتدرج في تعلمها. وأما بالنسبة للغة العربية: فتعلم اللغة العربية مما يستقيم به اللسان، ومما تستطيع أن تركب به العبارات تركيباً صحيحاً. لو وصلت إلى هذه الدرجة فأنت على خير عظيم في جانب اللغة العربية: أن تعرف معاني الكلمات، ما معنى هذه الكلمة، ما معنى هذه الكلمة، وأن تدخلها في التركيب العربي، وأن تأتي بكلمات أو بعبارات مستقيمة فيها هذه الكلمات التي عرفت معناها. مع دراسة ما يعين على هذه التركيب العربي من دراسة علم النحو: أن تبتدئ بالتحة - شرحاً ميسراً - ثم بعد ذلك تدرس غيرها من الكتب: كالكواكب، وغيرها مما يعينك في معرفة قواعد اللغة العربية، وفي التركيب: تركيب الكلمات أو العبارات أو الجمل العربية. هذا أيضاً أمر مهم جداً: أن يهتم من لا يجيد اللغة العربية باللغة العربية. لأن القرآن والسنة نزل في اللغة العربية، والمدرس الذي يدرسك يدرسك باللغة العربية، ويريد منك أن تحفظ باللغة العربية لا بغيرها من اللغات. فهي لغة القرآن. فمن لم يجد هذه اللغة فننصحه بالاهتمام باللغة العربية، سواء كان في معرفة معاني الألفاظ، وفي كذلك كيفية التعبير بهذه الألفاظ، وفي كذلك دراسة القواعد التي بها تستطيع أن تركب هذه العبارات. هذا أمر مهم جداً. قال: «سؤال: ما هي الطريق الصحيح لحفظ القرآن والأحاديث؟». قال الشيخ مقبل رحمه الله تعالى: «أما حفظ القرآن فالناس يتفاوتون: فمن الناس من يستطيع أن يحفظ صفحة، ومنهم من يستطيع أن يحفظ ورقة، ومنهم من لا يستطيع أن يحفظ إلا نصف صفحة أو أقل. فكل على حسب قدرته. كل على حسب قدرته. قد يقول قائل: أريد منك أن تحدد لي ما أحفظ في يوم وليلتي. فهذا أمر صعب، يرجع إليك. إن كنت تستطيع أن تحفظ في اليوم ورقة مع مراجعتها، ومع كذلك إتقانها، فهذا أمر طيب. إن لم تستطع، لأن العقول والحافظة تختلف من شخص إلى آخر: منهم من هو سريع الحفظ، منهم من هو بطيء الحفظ، منهم من هو متوسط الحفظ. فأنت تحفظ على قدر استطاعتك. وإن كنت لا تستطيع إلا أن تحفظ نصف صفحة، فافعل. استمر على هذا، وراجع وكرر، كما سيذكر الشيخ رحمه الله تعالى. وكل على حسب قدرته». قال: «ومن الأمور التي تساعد على حفظ القرآن: التكرار والمراجعة. هذا من أعظم الأمور التي تساعد على حفظ القرآن: التكرار والمراجعة. تكرر، والقيام، وقيام الليل به. إن استطعت أن تقوم الليل، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً﴾، ويقول: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾. وكذلك الأخذ من المشايخ والحفظ على أيديهم. أما أنك مبتدئ وتحفظ وحدك، وتحفظ على خطأ، فسيستمر معك هذا الخطأ. ولكن تجلس مع من يجيد قراءة القرآن، ومن كذلك يتقن قراءة القرآن، فتأخذ ما تحفظه على يده مشافهة: تقرأه عليه، أو هو يلقينك هذا الحفظ، ثم تحفظ حفظاً صحيحاً، وحفظاً كذلك على يد ذلكم الشيخ». قال: «فإن لم تجد... والمراد بالمشايخ: أي الذي يجيد القرآن. ما يشترط أن تذهب إلى شيخ من القراء الذين يعني معهم سند إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لا، يا أخي. طالما أن من إخوانك من يقرأ قراءة صحيحة وقراءة مستقيمة، فاجلس عنده، اجلس عنده، وخذ القرآن على يده». قال: «فإن لم تجد، فأنصح باقتناء أشرطة القراءة المتقنين الذين يقرؤون قراءة سليمة». وهذا أيضاً أمر مهم جداً: أن يكون معك أشرطة للقراء المتقنين، ما عندهم تنطيط، ما عندهم تشدد في إخراج الحروف، وفي التكلف في إخراج الحروف والأحكام. فخذ القراءة من المتقنين للقرآن، ويقرؤون قراءة سليمة. نكمل إن شاء الله في دروس قادمة لهم.