أسئلة تهم طالب العلم 7

أسئلة تهم طالب العلم 7

الدرس في أسئلة تهم طالب العلم 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وجوه تفضيل العلم على المال: تزكية النفس، التواضع، والسعادة

العلم يزكي النفس ويرفعها بينما المال يورث الشح والبخل، كما أن المال يدعو إلى الطغيان والفخر في حين يدعو العلم إلى التواضع والعبودية. وبذلك يوصل العلم إلى سعادة الدنيا والآخرة بينما يكون المال حجاباً عن السعادة الحقيقية.

تفوق العلم على المال وأثر كل منهما على العبد

العلم طريق إلى الجنة وغنى حقيقي لا يزول، بينما المال قد يستعبد صاحبه ويصرفه عن طاعة الله. حب العلم أصل كل طاعة لأنه يهدي إلى الحق، وحب المال أصل كل سيئة لأنه يجر إلى المعاصي، والعلم النافع هو ما عمل به صاحبه.

فضل العلم على المال وقيمة العالم الدائمة مقابل قيمة الغني المؤقتة

العلم أصل كل طاعة وحب الدنيا أصل كل سيئة، وقيمة الغني تزول بذهاب ماله أو موته بينما قيمة العالم تبقى في حياته وبعد مماته. يشبه المال بالبدن والعلم بالروح، والروح أفضل وأبقى من البدن، مما يؤكد أسمية العلم على المال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فقد قرأنا في الليلة الماضية بعض ما ذكره العلامة ابن القيم عليه رحمة الله من فروق، ومن كذلك وجوه يفضل بها العلم على المال. فقرأنا من ذلك سبعة وجوه، ثم نواصل في قراءة بقية الوجوه التي ذكرها رحمه الله تعالى. فما ذكرنا لكم أنه ذكر أربعين وجهًا، أربعين وجهًا يفضل بها العلم على المال. قال: الثامن: أن النفس تشرف وتزكو بجمع العلم وتحصيله، وذلك من كمالها وشرفها، كما جاء معنا أيضًا اليوم في تفسير سورة ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ أن تزكية النفس إنما تكون بطاعة الله عز وجل بالعلم النافع والعمل الصالح. فبجمع العلم يزكي العبد نفسه، وكذلك تشرف النفس بتحصيلها للعلم، وهذا لا شك أنه كمال لهذه النفس ورفع لهذه النفس. قال: والمال لا يزكيها ولا يكملها. إنسان إذا جمع المال، هل هذا المال يكون سببًا في تزكية نفسه، وفي كذلك رفعة هذه النفس؟ لا. فالمال لا يزكي هذه النفس، ولا يكملها، ولا يزيدها صفة كمال، بل النفس تنقص وتشح وتدخل بجمعه. أي أن هذا المال بل ربما يكون سببًا في تجنيس النفس، يكون سببًا في تدنيس النفس. كيف؟ هذا الذي يجمع المال، فإن سعيه وجمعه بهذا المال يجعله يشح، يكون شحيحًا بخيلًا. وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. الذي يقيه الله عز وجل شح النفس، فهذا دليل الفلاح، والذي تكون نفسه شحيحة فهذا دليل الخسارة والخيبة، والعياذ بالله. فهذا معنى قوله: ولا يزيدها -أي هذا المال- صفة كمال، بل النفس تنقص وتشف وتبخل بجمعه والحرص عليه. فحرصها على العلم عين كمالها، وحرصها على المال عين نقصها. فماذا تختار يا عبدالله؟ هل تختار أن تكون نفسك زكية عالية كاملة، أم تريد أن تكون نفسك هابطة ناقصة؟ لا شك أن العاقل لا يختار لنفسه الأول. قال: الوجه التاسع: أن المال يدعوها إلى الطغيان، أن يدعو النفس... أن المال يدعوها إلى الطغيان والفخر والخيلاء، والعلم يدعوها إلى التواضع والقيام بالعبودية. فالمال يدعوها إلى صفات الملوك، الملك الحاكم الغالب، أنه يكون مترفعًا على خلق الله، يكون كذلك فيه من الصفات التي لا توجد عند صاحب العلم. فقال: المال يدعو هذه النفس إلى الطغيان، كما قال الله عز وجل: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴾. متى يطغى؟ إذا رأى نفسه غنيًا ذا مال. ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴾. فالمال يدعو صاحبه إلى الطغيان، يدعو صاحبه إلى الطغيان وإلى الفخر والخيالاء والترفع، وعدم كذلك الجلوس مع الفقراء، وإن كانوا من أعلم الناس، وإن كانوا من أزهد الناس. هذا هو الغالب في أهل الأموال. ولكن العلم يدعو هذه النفس إلى التواضع، لأن من العلم التواضع. تحفظ قول الله عز وجل، وتحفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه». وتحفظ قول الله عز وجل، تحفظ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴾، وتحفظ غير ذلك من الأدلة التي تدل على النهي عن التفاخر وعن كذلك الخيلاء وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة. فإذن المال يدعوك إلى صفات الملوك، والعلم يدعوك إلى صفات العبيد الذين يرجون الله والدار الآخرة. قال: الوجه العاشر: أن العلم جاذب موصل لها إلى سعادتها التي خلقت لها، والمال حجاب بينها وبينها السعادة والرفعة. فالعلم يوصلك إلى السعادة في الدنيا والآخرة. السعادة في الدنيا: تعبد الله عز وجل على علم، على بصيرة، بعيد من الشهوات، بعيد من الشبهات. وفي الآخرة: سعادة الجنة. ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة. فالعلم طريق وسبيل إلى الجنة، والمال حجاب، حجاب بينك وبين السعادة الدنيا والآخرة. وهذا هو الغالب في أهل الأموال، ولذلك تجد أن أكثر الناس إعراضًا عن الحق وعن العلم هم أهل الأموال، لأنهم قد فتنوا بها، والعياذ بالله، فحجبتهم عن هذه السعادة. قال: الوجه الحادي عشر: أن غني العلم أجل من غني المال. أن غني العلم أجل من غني المال. كيف هذا؟ قال: فإن غني المال بأمر خارج عن حقيقة الإنسان، يعني أن هذا المال أمر منفصل عن النفس، ليس هو مرتبط بنفسك وروحك التي بين جنبك. فهو بأمر خارج عن حقيقة الإنسان، لو ذهب في ليلة أصبح فقيرًا معدمًا. لو سرق هذا ماله، أو حرق، أو أصابته أي مصيبة، أصبح فقيرًا لأنه منفصل عن هذا الإنسان. قال: وغني العلم لا يخشى... أو لا يخشى عليه الفقر، بل هو بزيادة أبدًا. العلم في عقلك، من يستطيع أن يسرق عقلك؟ من يستطيع أن يسلب هذا المال؟ من يسلب هذا العلم؟ لا يستطيع أحد. فإذا غني العلم أجل من غني المال، فإن المال أمر خارج عن حقيقة الإنسان، يمكن أن يؤخذ في لحظة، فيصير... أو فيصير صاحبه فقيرًا بين عشية وضحاها. بخلاف صاحب العلم، فلا يستطيع أحد أن يسرق عليه علمه، أو أن يحرمه من هذا العلم، لأنه في عقله وفي قلبه. فلا شك أن هذا شرف، وهذا هو الغنى الحقيقي العالي. قال: الثاني... الوجه الثاني عشر: أن المال يستعبد محبه وصاحبه، يستعبد محبه وصاحبه، فيجعله عبدًا له، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تعس عبد الدينار والدرهم». يعني المال قد يكون إلهًا لصاحبه، فيكون هذا الإنسان عبدًا لهذا المال، عبدًا لهذا المال. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار». كيف عبد الدينار؟ يصلي للدينار، يدعو الدينار، يزكي للدينار؟ لا، يعبد الدينار، أي أنه يطيع هذا المال على حساب أوامر الله عز وجل. فمستعد صاحبه أن يترك الأمور الواجبة من أجل هذا المال. وهذا هو حال كثير من الناس في هذه الأعصار، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبعض الناس يؤذن المؤذن وتقام الصلاة، وهو لا يزال في متجره، لا يزال في دكانه، لا يزال في وظيفته. هذا عبد للدنيا، عبد للدينار، قدم هذه الشهوة على طاعة الله. هذا المال ربما يجره إلى الأمور المحرمة، فلربما تعامل بالربا، ولربما غش وكذب وسرق وارتشى حبًا لهذا المال. هذا صار عبدًا للدرهم والدينار. فالمال قد يستعبد صاحبه، يكون عبدًا هذا الشخص لهذا المال. قال: قال ابن القيم: والعلم يستعبد لربه وخالقه. العلم هو الذي يجر صاحبه إلى أن يعبد الله وحده. يقول لك العلم: إذا ناذى المنادي: قم وصلِّ، يقول لك العلم: لا تكذب في بيعك وشرائك، وفي غيرها من الأمور. لا تغش، لا ترتشي، لا تسرق، لا تفعل كذا وكذا. يستعبدك لربك. العلم يستعبدك لربك، يجعلك عبدًا لله وحده، يجرك إلى الطاعة ويبعدك عن المعصية. فهذا فرق شاسع ووجه واضح. فهل عاقل بعد هذا يفضل أن يجمع حطام هذه الدنيا على أن يجمع العلم؟ قال: الوجه الثالث عشر: أن حب العلم وطلبه أصل كل طاعة، وحب الدنيا والمال وطلبه أصل كل سيئة. الإنسان إذا أحب العلم وطلب العلم، فهذا أصل كل طاعة. كيف أصل كل طاعة؟ بالعلم تعرف أن هذه طاعة، بالعلم تعرف أن هذا توحيد، بالعلم تعرف أن هذه سنة، بالعلم تعرف أن هذه طاعة، فلا شك أنك تعملها. وهذا هو العلم النافع، كما نبهنا على ذلك بالأمس. كل هذه الوجوه التي ذكرها في فضل العلم إنما المراد بها العلم النافع الذي يعلم صاحبه ويعمل بهذا العلم. هذا هو العلم النافع. أما أن يعلم ولا يعمل، فهذا ليس بعلم، لا يسمى عالمًا. كما قال أحد السلف: من لم يعمل بعلمه فليس بعالم. ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾. نفع عنهم العلم وهم يعلمون؟ لماذا؟ لأنهم لم يعملوا بعلمهم، لم يعملوا بعلمهم. وذم الله اليهود لأنهم لم يعملوا بعلمهم. فهؤلاء ليسوا بعلماء، وليسوا ممن نفعهم الله عز وجل بالعلم. فإذن هذا الوجه معناه: وأن بالعلم تتحصل على كل خير، وهو أصل لكل طاعة. وأما حب الدنيا والمال فهو أصل كل سيئة. ومن تشرت المنكرات، وكذلك الكبائر والمحرمات، إلا بسبب حب الدنيا والمال. فما سرق من سرق إلا من أجل هذا الأمر، أنه يحب المال، يريد أن يزداد وأن يتحصل على المال فيسرق. وما قتل من قتل إلا بسبب المال. ربما بعضهم يقتل أباه من أجل أن يرثه ويستحوذ على ماله. وربما بعضهم قتل جاره لأنه أخذ عليه قطعة أرض، أو لأنه اتهمه في سرقة مال، أو إلى غير ذلك. لو نظرت في كثير من الكبائر والموبقات لكانت نهايتها أو أصلها حب الدنيا والمال. حب الدنيا والمال، وحب الدنيا والمال أصل كل خطيئة وكل سيئة. وحب العلم أصل كل طاعة وأصل كل قربة. فلا شك أن هذا فيه فضيلة واضحة وبينة للعلم النافع. قال: الرابع عشر: أن قيمة الغني ماله، وقيمة العالم علمه. فهذا متقوم بماله، فإذا عدم ماله عدمت قيمته، وبقي بلا قيمة. والعالم لا تزول قيمته، بل هي في تضاعف وزيادة دائمًا. وهذا واضح، والواقع يشهد لهذا. لماذا؟ تجد من الناس من يحبه الناس لأنه تاجر، عنده مال، فهم يضحكون له ويبشون له، ويحترمونه ويقدرونه من أجل المال. إذا ذهب هذا المال، لا أحد يأتي عنده، ولا أحد يقربه، بل ربما الذين كانوا يبشون ويهشون في وجهه يسبونه ويتكلمون عليه. وكما قال الخائل: «وكان بني عمي يقولون مرحبا، فلما رأوني معسرا مات مرحب». كانوا يقولون له: مرحبا، أهلا وسهلا بفلان. فلما ذهب هذا المال، حتى مرحبا ما قالوا له. خلاص يتركونه. لماذا؟ لأنه ما عنده مال. خلاص ذهب ماله. «وكان بني عمي يقولون مرحبا، فلما رأوني معسرا مات مرحب». خلاص ما في مرحبا، ولا أهلا، ولا سهلا، لأنه صار فقيرًا معدما معسرا. فهذا هو حقيقة صاحب المال، أن قيمته في ماله، فإذا ذهب ماله ذهبت قيمته. لكن العالم قيمته في علمه، قيمته في علمه، فلا يذهب هذا العلم، فتبقى قيمته بين الناس في حياته وبعد مماته. في حياته وبعد مماته يستفيد الناس من علمه، ويذكرونه في دروسهم وفي كلامهم، ويترحمون عليه. أما صاحب المال، إن بقي ماله إلى أن يموت، بعد موته لا يذكره أحد، لا يذكره أحد، لأن مصالح قد انتهت الآن، قد مات ولا يعطيهم شيء، فينسونه ولا يلقون له بالًا. ذهبت قيمته إما بفقره في حياته، وإما بموته تذهب قيمته. هذا صاحب المال. أما صاحب العلم فتبقى قيمته في حياته وبعد مماته. فلا شك أن هذا وجه واضح يبين لك فضيلة العلم وجمعه، والحرص عليه، على جمع... والحرص على المال. قال: الوجه الخامس عشر: أن جوهر المال من جنس جوهر البدن، لأن المال حسي والبدن حسي. يعني المال مثل البدن. وجوهر العلم من جنس جوهر الروح، لأن العلم شيء معنوي والروح كذلك. ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾. فالمال من جنس البدن ومن جوهر البدن، والعلم من جوهر الروح. كما قال يونس بن حبيب: علمك من روحك، ومالك من بدنك. قال ابن القيم: والفرق بين الأمرين كالفرق بين الروح والبدن. أيهما أفضل في الإنسان؟ الروح والبدن، لا شك أنه الروح. إذا ذهبت الروح، إذا ذهبت الروح، لا قيمة للبدن، لا قيمة للبدن، لا قيمة للبدن. يجمع الناس أنك توضع في قبر وفي حفرة، لا أحد يقول: ابقوه، اتركوه بيننا. لا، كلهم يقولون: خذوا، خذوا إلى القبر، لأن الروح قد فارقت البدن، فلا قيمة للبدن بدون الروح. فكذلك الفرق بين المال والعلم، الفرق بين المال والعلم كأهمية الروح للبدن، أهمية الروح للبدن. فدل ذلك على فضيلة العلم، على فضيلة العلم. طيب، لهم شكرا.