التعليق على كتاب التوحيد 89

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 89، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

طاعة العلماء والأمراء مشروطة باتباع الشرع

بيان أن طاعة العلماء وأولي الأمر ليست مطلقة بل مقيدة بما وافق كتاب الله وسنة رسوله، ومن أطاعهم في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أرباباً من دون الله، مع التحذير من تقديم أقوال الرجال على النص النبوي.

خطر مخالفة الكتاب والسنة بطاعة العلماء والأمراء

تحذير الإمام أحمد من ترك الحديث الصحيح لرأي سفيان الثوري، وتفسير الفتنة بالشرك، وبيان أن اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً يتم بتحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل، لا بالسجود لهم.

أقسام حكم طاعة العلماء في تحليل الحرام أو تحريم الحلال

تقسيم طاعة العلماء أو الأمراء في مخالفة شرع الله إلى ثلاثة أقسام: كفر إن رضي بحكمهم وسخط بحكم الله، ومعصية إن اتبعهم لهوى دنيوي مع علمه بخطئهم، وتقليد أعمى يأثم فيه المقلد إن كان قادراً على طلب العلم وإلا فلا حرج.

اتباع الفساق والطاعة العمياء لغير العلماء

تحذير من تغير الأحوال باتباع الناس للفساق والمشايخ غير الصالحين، وتعظيمهم وطاعتهم طاعة عمياء في التحليل والتحريم رغم عدم علميتهم، مع الاستشهاد بقصة البدوي وقول عدي بن حاتم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أرباباً من دون الله". وقوله: "باب من أطاع العلماء" باعتبار "من" هنا شرطية، يعني: من أطاع العلماء والأمراء، هذا فعل الشرط، الجواب: "فقد اتخذهم أرباباً من دون الله". والمراد بالعلماء: هم العلماء بشرع الله، والمراد بالأمراء: أولو الأمر المنفذون لشرع الله. وهذان الصنفان هم المذكوران في قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾. فالمراد بأولي الأمر -كما جعل الإمام أحمد رحمه الله- أنهم العلماء والأمراء. فطاعتهم ليست مطلقة، إنما طاعة مقيدة فيما وافق طاعة الله وطاعة رسوله. ويمكن أن نأخذ هذا الحكم، وهو أن طاعتهم ليست مطلقة، من الآية نفسها في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾. فهنا كرر الفعل في طاعة الله وطاعة رسوله؛ لأن طاعة الله وطاعة رسوله طاعة مطلقة، طاعة مطلقة. وأما طاعة أولي الأمر فهي طاعة مقيدة، ولذلك لم يكرر الفعل، ما قال: "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر". فعدم التكرار هنا أفاد أن طاعة العلماء وطاعة الأمراء تبعاً لطاعة الله ورسوله. وقوله: "فمن أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله"، أيهما أشد: تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله؟ أيهما أشد؟ أيوة، كلاهما، لكن في هناك أحدهما أشد من الآخر. تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، أيهما أشد؟ أيهما أشد؟ تحليل ما حرمه الله. لماذا؟ طيب، وقد يكون في تحليل ما حرمه الله هذا عنده جواب آخر، يعني: الذي يحل ما حرم الله، يحل ما حرم الله، هذا قد يكون على البراءة الأصلية؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الأشياء الإباحة، فهو حلل ما حرم الله. لكن المصيب أن يحرم ما أحل الله شيئاً حلالاً، فيتشدد ويحرموه. قالوا: هذا أشد. تحريم ما أحل الله أشد من تحليل ما حرمه الله لهذا التعليل. أيوة، يعني: قد أنت مثلاً تحلل شيئاً على قاعدة أن الأصل التحليل وهو محرم، صح؟ فقد يقع فيه الاجتهاد، فقد يقع فيه الاجتهاد، فقد العالم يحلل شيئاً حرمه الله على الأصل أنه حلال، أنه حلال. لكن تحريم ما أحل الله: شيء حلال، أنت تتشدد تقول: هذا حرام، هذا أوضح، صح؟ هذا أوضح، فلا ما يدخل فيه الاجتهاد. التحريم ما أحل الله، فقالوا: هذا أشد، هذا أشد. وقوله: "فقد اتخذهم أرباباً من دون الله"، لماذا اتخذهم أرباباً؟ قالوا: "فاتخذهم أرباباً" لأن من أطاع العلماء فيما أحل الله أو فيما حرم الله، معناه أنه أثبت التصرف لغير الله، أثبت التصرف لغير الله. فالمتصرف والمالك هو الله سبحانه وتعالى، سواء كان التصرف قدرياً أو شرعياً؛ لأن التصرف تصرفان: تصرف شرعي وتصرف قدري، تصرف شرعي وتصرف قدري. فالله عز وجل هو الذي يشرع: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ﴾. التشريع من صفات الرب سبحانه وتعالى، فيأتي هذا العالم ويشرع شرعاً لم يشرعه الله، فهذا فيه ماذا؟ تصرف شرعي من هذا العالم أو ذاك الأمير. فلذلك ذكرت الربوبية هنا: "اتخذهم أرباباً من دون الله"، يعني: مشرعين يشرعون كتشريع الله. فالتحليل والتحريم إنما هو لله عز وجل. قال: "وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر". وهذا الأثر شيخنا الوادعي يصححه لكن بلفظ: "أراهم سيهلكون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال أبو بكر وعمر". ويقول: إن الأثر بهذا اللفظ لا يصح، هذا شيخنا الوادعي رحمه الله، وهذا من الفوائد التي كتبناها عنه. وقوله: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء"، يعني: ينزل عليكم عذاب، وهذا ليس على الله ببعيد، فقد عذب الله عز وجل أقواماً بنزول الحجارة من السماء بسبب معاصيهم وتجبرهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلْنَاهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾، وكذلك قوم لوط أرسل عليهم حاصباً. قالوا: الحاصب هو نزول الحجارة من السماء. ومعنى ذلك: أن من العظائم أن يقدم العبد قول العالم أو قول الأمير على قول الله ورسوله، هذا من العظائم ومن المنكرات العظيمة، الذي ربما يوقع في المحرمات في تحليل الحلال وتحريم الحرام، في تحريم الحلال وتحليل الحرام. فلذلك قال: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء". أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. ويريد بهذا ابن عباس أن أبا بكر وعمر لهم منزلة عظيمة عند الصحابة، فهما أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر»، والحديث صحيح. وقال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». فلا يريد ابن عباس أن في أناس من الصحابة في عهده يتبعون قول أبي بكر وعمر ويتركون قول الرسول أبداً، لأن أبا بكر وعمر ما عُرف أنهما خالفا نبي الله صلى الله عليه وسلم في شيء. وإنما المراد: إذا كان ما يجوز لكم أن تقدموا قول أبي بكر وعمر، وهما وهما في الإمامة وفي العلم وفي الفضل، فمن دونهما من باب أولى. فالعلماء من بعدهم من باب أولى أن لا يقدم العبد قولهم على قول الله ورسوله. هذا هو المراد. والمعنى: أنه إذا خالف العالم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تتبعه على خطأه، وإنما عليك أن تتبع قول الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا هو المعنى. ففي هذا الأثر التحذير عن التقليد الأعمى والتعصب المذهبي الذي هو ليس مبنياً على أساس سليم. فهذه من الأدلة التي يستدل بها أهل السنة على ذم التعصب والتقليد: لا تتعصب إلا للحق، لا تقدم قول أحد على قول الرسول عليه الصلاة والسلام، مهما علت منزلته ومهما كذلك ارتفعت منزلته، لا تقدم قول أحد على قول الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا هو المراد. فلا تطع العلماء فيما خالف قول الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال الإمام أحمد بن محمد: "عجبت لقوم عرف الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك. لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبي شيء من الزيغ فيهلك". ومعنى هذا الأثر: قوله "عجبت"، التعجب أو العجب نوعان: عجب استحسان، وعجب إنكار. فقد تتعجب من شيء مستحسن له، وذلك كما جاء في حديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وفي شأنه كله». هذا التعجب تعجب ماذا؟ استحسان، واضح. وقد يكون العجب عجب إنكار، كقول الله عز وجل: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾. وما جاء في هذا الأثر فهو عجب ماذا؟ استنكار أو إنكار، فهو عجب إنكار. فيقول الإمام أحمد بن حنبل: "عجبت لقوم عرف الإسناد"، والمراد بقوله "عرف الإسناد": يعني عرف صحة الحديث بمعرفة رجاله، فتوصلوا إلى صحة هذا الحديث، فيذهبون إلى رأي سفيان. وسفيان المراد به الثوري، سفيان الثوري رحمه الله، لأنه كان صاحب مذهب، كان له مذهب وله أتباع، لكن أتباعهم قلّوا. والإمام أحمد يقول هذا لأن ما كانت قبله مذهب إلا مثل مذهب سفيان الثوري، مثل مذهب سفيان الثوري. فمعنى هذا الأثر: يقول: أناس وصلوا إلى صحة الحديث الذي يخالف قول سفيان، ومع هذا يذهبون إلى رأي سفيان ويتركون الحديث، فهذا إنكار من الإمام أحمد على مثل هذا الصنيع. وقس هذا في أي عالم من العلماء: إذا خالف قوله قول الرسول، لا تقل: كيف هذا الشيخ فلان؟ أيهما أعظم قدراً عندك: أبو بكر وعمر وسفيان الذين وردوا في هذه الآثار، أو عالم معاصر من العلماء اليوم؟ يعني: بعض الناس ربما إذا قلت: أخطأ الشيخ ابن باز، تقول: كيف تقول أخطأ؟ سبحان الله! أن نقول: أخطأ سفيان، وأخطأ الإمام أحمد، وأخطأ الشافعي، كيف أنت تريد أن نقول: أخطأ ابن باز؟ أو إذا قلت مثلاً: أخطأ الشيخ ابن باز في إمام الدعوة في اليمن، تقول: أخطأ في هذه المسألة، ما في إنكار في هذا، هو بشر يعلم ويجهل ويصيب ويخطئ. فلا يتبع العالم على خطأه، ولا يقال: هذا خلاص قال به العالم فلان، هو الذي يمشي. لا، الذي يمشي الكتاب والسنة، واضح. فإذن الإمام أحمد ينكر على هؤلاء القوم الذين أخذوا برأي سفيان وتركوا الحديث الصحيح الذي صح عندهم. وأنت كذلك: لا تتبع العالم على الخطأ في تحليل أو تحريم أو نحو ذلك. ثم قال: "وقال: والله تعالى يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾". فليحذر الذين يخالفون عن أمره، يعني: عن أمر الرسول، لأن الآية قبل ذلك في سياق ذكر الرسول: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. وقوله: "أن تصيبهم فتنة"، فسر الإمام أحمد الفتنة بالشرك؛ لأن الإنسان إذا زاغ وأصبح يستسهل المخالفات، فهذه أول خطوات الشيطان، يستدرج به الشيطان، ولا يزال به حتى يوقعه في الشرك. ولذلك قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك". ثم بين كيف يصل إلى الشرك، قال: "لعله إذا رد بعض قوله"، يعني: بعض قول النبي عليه الصلاة والسلام، "أن يقع في قلبي شيء من الزيغ". هذا دليل الانحراف والزيغ، والله عز وجل يقول: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾. فالإنسان إذا انهدمت عنده هذه الأصول، أصول المتابعة، وتساهل في المخالفة وفي رد قول الرسول، فإنه يتطور به الأمر، يتطور به الأمر، فلا يزال يقع في المخالفات حتى يقع -العياذ بالله- في الشرك. هذا هو المراد، والله تعالى أعلم. فإذا: من خالف أمر الرسول بطاعة العلماء والأمراء فيما يخالف أمر الله، فهو موعود بإحدى أمرين: الفتنة وهي الشرك، والعذاب الأليم. فسر بإقامة الحد، وفسر كذلك بنزول العقوبات من الله عز وجل كالزلازل والمحن والفيضانات ونحو ذلك، وكل هذه عقوبة لمن رد قول الرسول وأخذ بقول من خالف الرسول عليه الصلاة والسلام، مهما بلغ ذلك العالم أو الأمير من المكان والمنزلة. وقال: "وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. فقلت: يا رسول الله، إن لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم". رواه أحمد والترمذي وحسنه، وكذلك صححه الشيخ الألباني عليه رحمة الله في عدة من كتبه. ومعنى هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: "اتخذوا أحبارهم"، يعني: اليهود والنصارى، والأحبار: جمع حبر، ويقال: حبر، وهو العالم المتبحر في العلم، المتبحر في العلم. ورهبانهم: الراهب، الرهبان: جمع راهب، وهو العابد الزاهد، العابد الزاهد. فظاهر الآية: أن هؤلاء اتخذوا هؤلاء العلماء وهؤلاء العباد أرباباً، يعني: مشاركين لله في التشريع، وهذا هو وجه الشاهد من إرادة هذه الآية في هذا الباب: "فقد اتخذهم أرباباً من دون الله". فمعنى "أرباباً": يعني مشاركين لله عز وجل في التشريع، والتشريع حق لله عز وجل وحده. "والمسيح ابن مريم من دون الله"، والمسيح ابن مريم: يعني وكذلك اتخذوا المسيح ابن مريم إلهاً. لا نقول: رباً، لأن المسيح طاعته من طاعة الله لأنه رسول، لأنه رسول، فمن أطاعه فقد أطاع الله. ففسر العلماء في قوله: "والمسيح ابن مريم": أي اتخذوه إلهاً، فدعوه من دون الله وتقربوا إليه من دون الله، وليس المراد باتخاذ المسيح هنا طاعته فيما يخالف أمر الله، لأنه نبي وطاعته من طاعة الله. ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ﴾. فهنا ذكر العبادة بعدما ذكر المسيح. فالعلماء والأمراء: عبدوهم باتباعهم في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، والمسيح: اتخذوه إلهاً من دون الله يتقربون إليه كما يتقربون إلى الله. هذا هو المعنى. ولذلك نزه الله نفسه: ﴿ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾، سبحانه: بمعنى أنزه الله تنزيهاً عما يقول هؤلاء المشركون أو عما يفعل هؤلاء المشركون. فعدي بن حاتم، وكان من النصارى، فقال: يا رسول الله، إن لسنا نعبدهم، يعني: لا نسجد لهم، لا نركع لهم، لا نذبح لهم، لا ننذر لهم. كيف الله عز وجل يقول في هذه الآية: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً"؟ فظن عدي أن العبادة محصورة في ماذا؟ في الركوع والسجود ونحو ذلك. فبين له النبي عليه الصلاة والسلام معنى اتخاذهم أرباباً في هذه الآية، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟" فقلت: بلى. والجواب "بلى" هنا عند السؤال المنفي؛ لأن السؤال هنا منفي: "أليس"، فقال عدي: بلى، يعني: نعم، يحرمون ما أحل الله فنتبعهم، ويحلون ما حرم الله فنتبعهم. فقال: "فتلك عبادتهم". هذا هو المراد. عبادتهم: ما وجه اتباعهم فيما أحل الله، فيما أحلوا مما حرم الله، أو حرموا مما أحل الله؟ ما وجه ذلك في كونه عبادة؟ لأن العبادة هي الطاعة، العبادة هي الطاعة والذل، صح، والانقياد. فكون هؤلاء اتبعوا العلماء والأمراء طاعة عمياء، طاعة تخالف طاعة الله، فهي عبادة للمطاع، فهي عبادة للمطاع. فمن الذي ينقاد لحكمه وشرعه، ومن الذي يذل له ويخضع له؟ هو الله، ليس العالم ذاك أو الأمير ذاك، صح؟ فلما خضعوا وذلوا وطاعوا هؤلاء تلك الطاعة العمياء، كان هذا عبادة للمطاع، لكن بشرط أن تكون في غير طاعة الله، في غير طاعة الله. أما إذا أطاعوهم في طاعة الله، فهذا لا شيء فيه. إذا طعت العالم لأنه أحل ما أحل الله وحرم ما حرم الله، فأنت طعت، قلت: قال الشيخ فلان كذا، أنا أتبعه في هذا، والعالم متبع للشرع، فهذا لا يذم. ولكن الذي يذم: أن تطيع العالم في غير طاعة الله، أن تطيع العالم أو الأمير في غير طاعة الله. طاب هذا الآن، سيأتي هذا الآن يدفعنا إلى ذكر مسألة مهمة تتعلق بطاعة العلماء أو طاعة الأمراء، وهي: أن اتباع العلماء أو الأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله -ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يتابعهم في ذلك، أن يتابع العلماء فيما أحل الله فيما حرم الله، فهم يحلونه، أو حرم الله فهم يحلونه، اتبعهم راضياً بقولهم، مقدماً له، وساخطاً لحكم الله، قيل له: حكم الله يقول كذا، قال: ما علينا من حكم الله، ما رضينا به، نحن مع هذا العالم أو مع ذاك الأمير. فهذا كفر، بهذا القيد: راضياً بقول هذا الأمير أو العالم، مقدماً له على أمر الله، وساخطاً لحكم الله، بقول الله عز وجل: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾، وحبوط الأعمال يدل على كفر صاحبه. فهمتم هذا الآن؟ هذا النوع الأول من الاتباع والطاعة. النوع الثاني، أو القسم الثاني: أن يكون راضياً بحكم الله، راضياً بحكم الله، وعالماً بأن حكم الله أمثل وأصلح، بأن حكم الله أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن اتبع هؤلاء العلماء أو أولئك الأمراء لهوى في نفسه، لهوى في نفسه، أو لدنيا، كأن يريد وظيفة، أو إذا خالف هذا العالم ربما يقطع عنه مرتبه، أو يطرده من مركزه، أو من بيته، أو إلى غير ذلك، وهو يعلم أن هذا العالم على ضلال وعلى خطأ، لكن اتبع هذا العالم لمصلحة دنيوية. فهذا لا يكفر، وإنما يأثم، فهي معصية؛ لأنه ما رد حكم الله عناداً وبغضاً بهذا الحكم وتسخطاً على حكم الله، لا، وإنما هو يعلم علم اليقين أن حكم الله هو الأمثل وهو الأصلح للعباد والبلاد، ولكن من أجل كرسي، من أجل وظيفته، من أجل دنياه، من أجل هذا. ما يقع فيه غالباً الحكام، وهم يخشون على كراسيهم، على كراسيهم. فهذا لا يكفر لأنه يرى أن حكم الله أفضل وأمثل. وهناك نوع ثالث: أن يتابعهم جاهلاً، ويظن أن ذلك حكم الله، جاهل ما يعرف النصوص الشرعية، ما يعرف الحق، يقول: أنا عندي هذا العالم الذي يقول، أنا أتبعه فيه، أنا جاهل. فهذا ينقسم إلى قسمين حتى نحكم عليه، ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يمكنه أن يعرف الحق بنفسه، فهو مفرط أو مقصر، هو طالب علم، هو يقرأ ويكتب ويعقل، لكنه ما يريد أن يتحرى الحق ويبحث عن الحق، فهو مقصر، مفرط. فهذا أيضاً يأثم، وهذا يسمى تقليداً أعمى، أنت يا خالة، هذا تقليد أعمى، ما عنده إلا هذا العالم، أو إلا صاحب هذا المذهب فقط، ولا يخرج عنهم. هذا ما يقع فيه المتعصب، وهم آثمون على ذلك لأنهم قيدوا أنفسهم بهذا العالم فقط دون غيره. وأما القسم الثاني: أنه جاهل ويقلد هذا العالم، ولا يمكنه التعلم، فيتابع هذا العالم تقليداً، ويظن أن هذا هو الحق. فهذا لا شيء عليه، لأنه ما يستطيع، هو جاهل. طيب، ولكن لا يمكنه التعلم وتحري الحق، ما يستطيع، قل لك: أنا ما أقرأ، فعندي هذا العالم الثقة الورع الزاهد، فأنا أتبعه، جاهل لا يقرأ لا يكتب، لا يستطيع يتحرى. فهذا لا شيء عليه. إذن الآن معنا ثلاثة أقسام، والقسم الأخير يتفرع إلى مسألتين. هذا في حكم من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، فهو دائر بين الشرك وبين الإثم، فهو دائر بين الشرك وبين الإثم. وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾، فهذا يحمل إما على الكفر الأكبر إذا كان هذا الحاكم اعتقد أن حكم غير الله أفضل أو مساوياً لحكم الله، فهذا يكفر، وإن لم يكن كذلك وإنما حكم لهوى ودنيا، فهذا كفر دون كفر، فيدخل في القسم الثاني، يدخل في القسم الثاني. قال: "فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النور، وهي قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾، عرفنا معنى هذه الآية ومعنى الفتنة ومعنى أمره، لها يعود إلى من، وعقوبة من خالف أمر الرسول عليه الصلاة والسلام. الثانية: تفسير آية براءة: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ ﴾، عرفنا من هم الأحبار، من هم الرهبان، وما وجه كونهم أرباباً، وعلمنا كذلك تفسير النبي عليه الصلاة والسلام لعبادتهم إياهم. الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي، ما هي العبادة التي أنكرها عدي؟ أنهم يسجدون لهم أو يركعون لهم أو ينذرون لهم، هذا فهم عدي بن حاتم، وهذا من العبادة، لكن ليست الآية المراد بها ذلك، وأن المراد بها اتخاذهم في الطاعة العمياء. الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان، أي أن الأئمة يمثلون بالأئمة، والمعنى: مهما علت منزلة ذلك العالم، فإذا خالف قوله قول الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يجوز أن يتبع في ذلك. الخامسة: تغير الأحوال لهذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية. ومعنى ذلك: يريد أن يقول إن بعض الناس، وأكثر الناس عندهم تعظيم العلماء والأمراء، فيطيعونهم طاعة عمياء، فتوسع من كان بعدهم فأطاعوا من هو دون العلماء والأمراء، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية. الرهبان: يعني العباد، وعبادة الأحبار: هي العلم والفقه. قال: ثم تغيرت الأحوال، يعني: في زمنه، إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، ليس بعالم، وليس بماذا؟ بعابد. وهذا حال عباد القبور، لأن لو نظرت في أوليائهم تجد أحدهم في حياته فاسق، مبتلى بنساء، أو باللواط، أو ب... يعني: مأبون، أو بأخذ أموال الناس، أو بحال أغليظ، يا هاه. تغيرت الأحوال: كان الأوائل نعم يطيعون من يرون فيهم الخير والصلاح، لكن الآن يطيعون من هو فاسق فاجر. هذا في زمان الشيخ، عبد العباد، وكيف نحن نقول في زمان هذا؟ كما يذكرون عن البدوي: قالوا: ما علم أنه دخل المسجد إلا مرة واحدة، دخل المسجد فبال في المسجد وخرج، هذا فقط المر، هذا يذكر في ترجمته، والآن له زيارة كبيرة في مصر يحضرها الملايين، صح؟ فكيف هؤلاء يطاعون ويعظمون وهم فساق، ليسوا بعلماء؟ فهذا من تغير الأحوال، هذا معنى قوله. ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني: من هو من الجاهلين. ومعنى المعنى الثاني: يعني الطاعة العمياء، طيب. المعنى الأول ما ذكره عدي بن حاتم: قال: لا نركع لهم ولا نذبح لهم، وهؤلاء يركعون ويذبحون من فساق، طيب، ليس من الصالحين. وكذلك يطيعون في التحليل والتحريم من ليس بعالم أصلاً وهم الجهال، وهذا هو الواقع الآن، واقع أحوال كثير من الناس، تعلقوا بطاعة بعض العلماء، علماء السوء، علماء السوء. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله أعلم."