الدرس في شرح منظومة الألبيري 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن أن غذاء الروح الحقيقي هو العلم النافع والقرآن والسنة لا المأكل والمشرب، ويحث على المواظبة والجد في طلب العلم واستغلال الوقت فيه. ويستشهد بأقوال السلف كإمام الشافعي وأبي هريرة وغندر مؤكداً أن العلم فضل ومنة من الله يمنحها للمخلصين.
يشدد على أن طلب العلم يتطلب الجد والاجتهاد مع الاستعانة بالله مستشهداً بحديث «احرص على ما ينفعك واستعن بالله». ويحذر من الاغترار بالعلم الواسع دون العمل به لأن العلم حجة للعامل وحجة على تاركه.
يؤكد أن رأس العلم الحقيقي هو تقوى الله وخشيته لا كثرة الرواية، وأن العالم الحق يعمل بعلمه ويجاهد نفسه على الإخلاص والتواضع. ويوضح أن عبارة «وليس بأن يقال» في مصطلح الحديث لا تعني الامتناع عن القبول عند الضرورة بل هي تنبيه فقط.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فغذاء الروح أرواح المعاني، بمعنى العلم النافع والعمل الصالح، والقرآن والسنة؛ هذه هي أقوات الروح والقلب. وهذا فيه حث من الناظم على الاعتناء بغذاء الروح. ثم قال: «وليس بأن طعمت ولا شربت»، يعني: ليس قوت الروح الطعام والشراب، وإنما هذا قوت ماذا؟ قوت البدن؛ الطعام والشراب هذا قوت البدن. أما قوت الروح فهو العلم النافع، هو القرآن والسنة، هو ذكر الله سبحانه وتعالى؛ هذا الذي تزكو به الروح وتطيب به القلوب. وأما الطعام والشراب فهذا حتى الكفار يتغذون به، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾. فقوت البدن يشترك فيه الجميع، أما قوت الروح فلا يوفق إليه إلا القليل من الناس، إلا أهل التوفيق والإيمان. فمن جلس في مجالس العلم ومن طلب العلم فهو يغذي روحه، يغذي روحه. فالروح بحاجة إلى الغذاء كما أن البدن بحاجة إلى الغذاء. البدن إذا أجعته ولم تعطه قدره من الأكل والشراب مرض وربما هلك ومات. وهكذا الروح إذا لم تعطها حقها من الغذاء كذلك تمرض وربما تهلك وتموت، تهلك وتموت. فغذاء الروح ليس بالمعاصي ولا بالغنى ولا بكلام البشر، وإنما بالقرآن والسنة. فهذا معنى قوله: «فقوت الروح أرواح المعاني»، يعني: العلم النافع، «وليس بأن طعمت ولا شربت». ثم قال: «فواضبه وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعت». فقوله: «فواضبه»، المواضبة معناها الملازمة، بمعنى أنك تلازم العلم، تلازم العلم، فلا تعطي العلم فضول الوقت وفراغك الذي تتحصل عليه نادراً في حياتك أو في يومك، وإنما واضب، استمر، ولازم، واحرص على العناية بالعلم. «فواضبه وخذ بالجد فيه» يعني: اجتهد في طلب العلم. فكما يقال: الجد بالجد، والحرمان بالكسل. فمن جد وجد، فمن جد وجد. ففي هذا حث من الناظم على المواضبة والاستمرار على طلب العلم، وأن لا تعطي العلم ما فضل من وقتك وفراغك. جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «أعطِ العلم كلك يعطيك بعضه». لو كل وقتك، لو كل وقتك جعلته في العلم لما نلت من العلم إلا شيئاً منه. فهذا معنى قوله: «أعطِ العلم كلك يعطيك بعضه». وهكذا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، كما يحدث عن نفسه، حافظ الصحابة رضي الله تعالى عنه، قال: «كنت ألزم النبي صلى الله عليه وسلم على ملء بطني»، بمعنى: ألزم النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون من ملء بطني، بمعنى: من قوت يومي، ما يريد زيادة على ذلك. فهو من أهل الصفة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يعطيهم، ولأنهم لا أهل لهم ولا بيوت لهم، فهم يجلسون في المسجد ويلزمون النبي عليه الصلاة والسلام، ويكتفون، ويكتفون بما يُعطى لهم من الوجبات، الوجبات اليومية فقط. فهذا معنى قوله: «كنت ألزم النبي صلى الله عليه وسلم على ملء بطني». والشاهد منه: كان ملازماً للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو معنى المواضبة، وهذا هو معنى المواضبة. فلا تطلب العلم شهراً وتترك شهرين، أو تطلب العلم سنة وتترك سنتين؛ هذه ليست مواضبة. المواضبة في طلب العلم أنك تستمر، خلاص، يكون من أولويات أعمالك اليومية: درس، حفظ، مراجعة. لا بد أن تخصص وقتاً لطلب العلم. هذا هو معنى المواضبة، وبهذا يستفيد الطالب. غندر محمد بن جعفر رحمه الله، ربيب شعبة، شعبة تزوج أمه، قال: «لازمت شعبة عشرين سنة»، عشرين سنة وهو ملازم لشعبة، ولذلك أوثق الرواة في شعبة محمد بن جعفر الملقب بغندر. وهكذا كان العلماء يلازمون شيوخهم، يلازمون شيوخهم. فمن آفة الطلب أن يطلب الطالب العلم فترة ثم يترك فترة أخرى، فينشغل بغير العلم. هذا من عوائق الطلب. ولذلك يقول الإمام الشافعي: «أخي، لن تنال العلم إلا بستة، سأنبئك عن تفصيلها ببياني: ذكاء وحرص، واجتهاد وبلغة، وتلقين أستاذ، وطول زمان». لا بد من الاستمرار طول الزمان، بمعنى المواضبة والملازمة لطلب العلم. «أخي، لن تنال العلم إلا بستة، سأنبئك عن تفصيلها ببياني: ذكاء وحرص، واجتهاد وبلغة، وتلقين أستاذ، وطول زمان». هذه إذا جمعتها صارت ستة: تكون فط... ذكاء وحرص يعني اجتهاد، ذكاء وحرص واجتهاد. الحرص بمعنى الرغبة في الطلب، وكذلك النهم في الطلب. وبلغة: يعني نفقة تستطيع بها أن تستمر. وتلقين أستاذ: يعني أن تطلب العلم عند أستاذ، عند شيخ. وطول زمان: يعني الاستمرار والمواضبة على الطلب. فهذا أمر لا بد منه. فهذا معنى قوله: «فواضبه وخذ بالجد فيه، فإن أعطاكه الله انتفعت». يعني: إن من الله عليك بالعلم وأكرمك بذلك، حصلت نفعاً عظيماً، حصلت نفعاً عظيماً. وهذا البيت فيه تنبيه على أن العلم منة إلهية وفضل رباني، وذلك في قول: «فإن أعطاكه الله». فالعلم إنما هو من، من، من الله سبحانه وتعالى. وهذا له أدلة كثيرة في الكتاب. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾، وعلمك: أي الله سبحانه وتعالى، فالعلم إنما هو من الله. وقال الله عز وجل: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، فالله عز وجل هو الذي علم آدم. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾، فهل، فهل أنتم شاكرون؟ الشاهد: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾، فالله هو الذي علم داود عليه السلام. فإذا، أطلب، أطلب ذلك من الله، واستعن بالله في ذلك. ولذلك هذا البيت ذكر أمراً مهماً في طلب العلم، وهو أن العلم لا بد فيه من أمرين اثنين، أن العلم لا بد فيه من أمرين اثنين: الأمر الأول: الجد والاجتهاد فيه، وهذا ما أخوذ من قوله: «فواضبه وخذ بالجد فيه»، هذا دليل ماذا؟ الجد والاجتهاد في طلب العلم. والأمر الثاني: الاستعانة بالله. وقد جمع هذين الأمرين في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». فقوله: «احرص على ما ينفعك» فيه الحرص والجد والاجتهاد على ما ينفع، وأعظم ما، ما ينفع هو ماذا؟ طلب العلم. فاحرص على العلم، وهذا فيه الجد والاجتهاد. «واستعن بالله ولا تعجز»، هذا فيه الاستعانة بالله عز وجل على كل شيء، ومن ذلك طلب العلم، ومن ذلك طلب العلم. فالإنسان يستعين بالله سبحانه وتعالى في طلب العلم، ويلتجئ إلى الله، ويعلم ويوقن أن العلم من الله سبحانه وتعالى، فلا يطلب إلا منه. وقد قال القائل: «إذا لم يكن عون من الله للفتى، فأول ما يقضى عليه اجتهاده». فلا بد من طلب العون من الله عز وجل: «إذا لم يكن عون من الله للفتى، فأول ما يقضى عليه اجتهاده». فهذا أمر لا بد منه، وقد اجتمل البيت على هذين الأمرين. ثم قال: «وإن أعطيت فيه طول باع، وقال الناس إنك قد علمت، فلا تأمن سؤال الله عنه، لتوبيخ: علمت فهل عملت؟ فرأس العلم تقوى الله حقاً، وليس بأن يقال لقد رأست». فمعنى قوله: «وإن أعطيت فيه طول باع»، أي: إذا حصلت في العلم تحصيلاً واسعاً، ونلت منه نصيباً كثيراً وكبيراً، فصرت، أو فصرت من العلماء الحافظين المتقنين. «وقال الناس إنك قد علمت»، أي: قد اشتهرت بين الناس، قد اشتهرت بين الناس أنك علمت، وأن عندك علم غزير، وأن عندك علماً غزيراً وحظاً وافراً من العلم، وصرت بهذه المثابة، بعد ما أخذت بما تقدم من النصائح من الجد والاجتهاد لطلب العلم، ومن كذلك ترك الدنيا وعدم الانشغال بها، ولا بزخرفها، ولا نحو ذلك. فالآن صرت عالماً. كذلك: «فلا تأمن سؤال الله عنه»، يعني: لا تأمن بمعنى لا تغتر بهذا العلم، لا تغتر بهذا العلم، فإنك ستسأل عن هذا العلم، ستسأل عن هذا العلم. ولذلك جاء عند الحاكم وغيره من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وذكر من هذه الأربع: «عن علمه ماذا عمل به». تسأل عن هذا العلم. فالعلم إما أن يكون حجة لك، أو يكون حجة عليك. متى يكون العلم حجة لك؟ إذا عملت بهذا العلم. فالعلم ليس مجرد حفظ معلومات، وليس مجرد جمع فوائد ومسائل، بل العلم عمل وخشية وتقوى لله سبحانه وتعالى. وكما جاء في حديث أبي مالك الأشعري، قال عليه الصلاة والسلام: «والقرآن حجة لك أو عليك». والقرآن هو رأس العلم، وهو أفضل العلوم. فالقرآن إما أن يكون حجة لك، متى يكون حجة لك؟ يحاج عنك يوم القيامة إذا عملت به. ومتى يكون حجة عليك؟ إذا لم تعمل به. فإن أنتم هذا، فهذا معنى قوله: «فلا تأمن سؤال الله عنه»، لا تغتر بهذا العلم، بتوبيخ، سؤال، سؤال توبيخ من الله عز وجل: «علمت فهل عملت؟» هل عملت بهذا العلم؟ لذلك، لذلك، من علم ولم يعمل، فقد جاءت النصوص الكثيرة في ذمّه، وفي كذلك خطورة أمره. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أهل الكتاب ذمهم الله عز وجل لأنهم يأمرون الناس بالعلم ولا يعملون بهذا العلم، فأنكر الله عز وجل عليهم وذمهم. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. كيف تقول القول؟ الكذب حرام، وأنت تكذب... ها، تدعو إلى خلق الرحمة وأنت قاسٍ، تدعو إلى خلق التسامح وأنت شديد، تدعو إلى خلق العفو والصفح وأنت لم تتصف بهذا. كيف، كيف تدعو إلى خلق حسن الجوار وأنت وأنت تسيء الجوار؟ هذا مناقض للعلم الذي تعلمه، والذي تدعو إليه. وتعرفون حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فيدور في هذه النار على أقتاب بطنه كما يدور الحمار بالرحى، فيراه أهل النار، فيقولون له: يا فلان، ألست أنت الذي كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. هذا أمر خطير جداً. ولذلك يقول الشاعر، وهو الزيدي في الزبد، نظم الزبد المشهور عند الشافعية، وفي هذا النظم: «وعالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن». عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن، من قبل المشركين. وهكذا، وهكذا يقول أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات». ويل للذي لا يعلم مرة، لأن هذا مذموم أن تبقى جاهلاً. لكن ويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات، لماذا سبع مرات؟ لأنه يعلم الحق لكن ما يعمل به. ذاك جاهل فهو مذموم، ويل له مرة. لكن هذا أضر منه وأشر منه، لأنه علم فلم ينتفع بهذا العلم، فلم ينتفع بهذا العلم. ولذلك قال: «ويل للذي لا يعلم مرة، وويل للذي، الذي يعلم ولا يعمل سبع مرات». وتعلمون حديث بهر... أول ما يقضى عليهم يوم القيامة ثلاثة، ومنهم: عالم، قارئ القرآن، فيعرف بنعمة الله عز وجل عليه، فيعرفها، فيقال له: ماذا عملت بها؟ فيقول: عملت بها كذا وكذا، علمت الناس، ونحو ذلك. فيقال له: كذبت، وإنما تعلمت العلم ليقال: عالم، وقد قيل. فقد هنا الإخلاص، ما كان مخلصاً في علمه، والإخلاص مناف، مناف للعلم الذي تعلمته. فإذا، هذا أمر خطير. فالمؤلف هنا يدعو من علم أن يعمل بعلمه، وأن لا يغتر بالعلم الذي تعلمه، والذي حفظه. «فلا تأمن سؤال الله عنه، بتوبيخ: علمت فهل عملت؟». ثم قال: «فرأس العلم تقوى الله حقاً، وليس بأن يقال لقد رأست». رأس العلم حقاً: تقوى الله. ليس العلم بكثرة الرواية وكثرة المحفوظات، إنما العلم تقوى الله وخشية الله، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، إنما يخشى الله من عباده العلماء. فمن كان لله أخشى كان له أعلم. فرأس العلم تقوى الله حقاً، وتقوى الله كما ذكر طلق بن حبيب، وهو من أفضل وأجمع ما قيل في التقوى: «أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله». إن كنت عاملاً بالأمر، مبتعداً عن النهي، فأنت العالم، فأنت العالم. ولذلك جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ليس العلم عن كثرة الرواية، وإنما العلم خشية الله». إنما العلم خشية الله. تعجب، ربما بعضهم حافظاً للقرآن، متقناً لقراءته، وعالماً بشيء من الفقه، لكنه مخالف لهذا العلم في أقواله، في أفعاله، في معتقداته، في لباسه، في هيئته. فهذا لا، لا ينتفع بالعلم، هذا لا ينتفع بالعلم. فقال هنا: «فرأس العلم تقوى الله حقاً، وليس بأن يقال لقد رأست». يعني: ليس بأن يقال بأنك عالم، وأن يشار إليك بالبنان، أو يقال: فلان مبرز، وطالب علم مستفيد، أو نحو ذلك. فالعلم إذا لم يزدك إيماناً وخشية فهو وبال عليك. جاءت عبارة عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه قال: «كل علم لا يزيد صاحبه، لا يزيد صاحبه إيماناً، فهو علم مدخول». وما معنى علم مدخول؟ يعني: دخله شيء، إما من الرياء، أو الشرك، أو حب الدنيا والرئاسة، أو نحو ذلك. فما هو العلم الذي يزيد صاحبه إيماناً؟ هو من طلب هذا العلم لله، وأراد أن يرفع الجهل عن نفسه، وأن يرفع الجهل عن غيره. هذا هو الذي ينتفع بالعلم، هذا الذي ينتفع بالعلم، ويزيده العلم إيماناً ورسوخاً وخشية. «فرأس العلم تقوى الله حقاً، وليس بأن يقال لقد رأست». جاء في البخاري عن عمر رضي الله تعالى عنه، وأنه قال: «تفقهوا قبل أن تسودوا»، يعني: قبل أن تكونوا سادة، أو تسودوا، نعم. «تفقهوا قبل أن تسودوا»، يعني: تكونوا سادة ووجهاء في المجالس ونحو ذلك. فقال البخاري: «وبعد أن تسودوا». يعني: لا تغتر بعلمك، بعلمك، إن كان يشار إليك بالبنان، هذا مما يزيدك خشية وتواضعاً. فطالب العلم كلما ازداد علماً ازداد خشية، وازداد تواضعاً، ازداد تواضعاً، لا يغتر بعلمه، ولا يغتر بأن يشار إليه بالبنان، بل يتواضع لله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله: «فرأس العلم تقوى الله حقاً، وليس بأن يقال لقد رأست». ورئاسة العلم فتنة، فتنة، إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى. ولذلك كان العلماء يخافون على أنفسهم من هذا المزلق الخطير، ومن هذا الباب الخطير: باب الشهرة والتصدر، وكذلك التصدر للمجالس ونحو ذلك. وهذا هو العالم حقاً، العالم حقاً هو الذي يحرص كل الحرص على الابتعاد عن مثل هذه الأمور التي ربما تفتنه، ربما تفتنه، فيكون أشد بعداً منها. وإن ابتليت بهذا، لأن أحياناً قد تبتلى بهذا، كيف تبتلى بهذا؟ يحتاج الناس إلى علمك، إلى دروسك، فلابد أن تكون واجهة لهم، وأن تكون قدوة لهم، وإماماً لهم. فتجاهد نفسك. ليس معنى أنك تبتعد وتترك، بعض الناس ربما يأتيه الشيطان من هذا الباب، وقال له: لا تدرس، ولا تؤم الناس، لأنك ربما تفتن، وربما يقع في نفسك شيء من حب الظهور، أو الرئاسة، أو الرياء، أو نحو ذلك. فهذا من الشيطان، لأنك ستحرم الناس من خيرك، ومن علمك. ولكن تجاهد نفسك، وهذا هو مسلك العلماء، هذا هو مسلك العلماء. إذا ابتلوا بشيء من ذلك جاهدوا أنفسهم، وتواضعوا لله سبحانه وتعالى، حتى يبتعدوا عن حب الظهور والرئاسة ونحو ذلك. فلا إفراط ولا تفريط. أنت لا تسعى إلى الرئاسة، ولا تحب ذلك. أن بعض الناس ربما يسعى إليها، فهو يبعد عنها، وهو يسرع إليها حتى ينالها، هذا دليل على أن في نفسه شيء. لكن لو وقعت لك وفاقاً دون أن تطلب، واحتاج الناس إليك، فهنا لا تتردد، تقبل ذلك، وتجاهد نفسك، وتجاهد نفسك، وتستعين بالله عز وجل على الصدق والإخلاص، والله سبحانه وتعالى يعينك ويوفقك. وهذا هو مسلك العلماء، نبع طلاب العلم. إذا قيل له: قم، واعمل كلمة، أو عندك خطبة، أو عندك درس، أو نحو ذلك، يقول: لا، لا، أنا ما أريد الشهرة، ما أريد هذا. ليس بصواب. جاهد نفسك، جاهد نفسك، واجمع بين الخيرين، واجمع بين الخيرين: تعليم الناس والدعوة إلى الله، وما جاء فيها من أجور عظيمة، وكذلك من فضائل كثيرة. وجاهد نفسك كذلك في الإخلاص والصدق، والبعد عما يخدش عملك. هذا نعم. فليس معنى قوله: «وليس بأن يقال» أن تستأنك، لا تقبل إذا اضطررت إلى ذلك. نعم، هذا من باب التنبيه. طيب، نكتب بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر