الدرس في شرح منظومة الألبيري 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن خير لباس للمؤمن هو ثوب الإحسان والتقوى الباطني لا المظهر الحسي، محذراً من لبس ثوب الإساءة. كما يؤكد أن قيمة العلم تكمن في العمل به والخشية لا في مجرد الحفظ، مستشهداً بآيات وأحاديث تذم العلم الذي لا ينفع صاحبه.
يشدد المقطع على أن سبيل السلامة والنجاح هو الجمع بين العلم النافع والعمل الصالح، محذراً من مهلكتين: الجهل والعلم المعوج الذي لا يُعمل به. ويضرب المثل بأبي حنيفة لبيان أن الهيبة الحقيقية للعالم العامل، بينما الجاهل كالمعدوم وإن حضر بدنه.
يوضح المقطع أن ذكر العالم يبقى حياً بعد موته بعلمه ونفعه للناس، بينما الجاهل كالمعدوم لا يُذكر. ويحذر من إهمال النصح الصادق لأن تاركه سيندم يوم يرى أقرانه قد ارتفعوا بالعلم وهو في سفول، والندم حينها لا ينفع.
يسرد المقطع قصة ابن عباس رضي الله عنه في إصراره على طلب العلم رغم تثبيط أقرانه حتى أصبح إماماً يُقصد، نادمين على تقصيرهم. ويؤكد ضرورة محاسبة النفس، وترك الكسل، والمسارعة إلى الخيرات كما أمر الله لأن البطء لا يدرك المطالب العالية.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: «وأفضل ثوبك الإحسان لكن نرى ثوب الإساءة قد لبست». هذا البيت وما بعده فيه درس من دروس الأدب، وهو أن الناظم رحمه الله تعالى يجذب المنصوح ويقرب له الخير ويفتح له أبواب ومعاني الخير، مع أن هذا المنصوح قد أساء إلى الناصح كما تقدم، فلم يعامل الناصح المنصوح بمثل صنيعه، وإنما استخدم معه أسلوب النصح والترغيب في عمل الخير، وهذا يدل على معالي الأخلاق ويدل على علو الآداب. فقال له وهو ينصحه: «وأفضل ثوبك الإحسان»، أي أفضل ثوب تلبسه وتكتسي به هو ثوب الإحسان، والمراد بالثوب هنا الثوب المعنوي ليس الثوب الحسي هذا الذي يلبس، فالثوب ثوبان: ثوب حسي وثوب معنوي، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾، هذا لباس الجسد، ثم ماذا قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾، لباس التقوى يعني بمعنى الإحسان والعمل الصالح وتقوى الله عز وجل، هذا هو اللباس المعنوي الذي ينبغي أن يكتسي به المؤمن وأن يتزين به، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَحَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وهكذا جاء في حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، الحديث الطويل الذي رواه الحاكم وصححه الألباني، وفي آخر هذا الحديث: «اللهم زيننا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين»، زينة الإيمان هو بمعنى الإحسان، فهذا معنى قوله: «وأفضل ثوبك الإحسان»، يعني الثوب المعنوي أن تحسن، وذلك بجميع معاني الإحسان، سواء كان الإحسان ذلك الركن الذي هو من أركان الدين: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أو الإحسان مع الخلق ببذل الندى وطلاقة الوجه وكف الأذى، هذا أيضا من الإحسان، فهذا أفضل ثوب يلبسه المؤمن، أفضل ثوب ثوب الإحسان، ثوب التقوى، ثوب الإيمان. فقال له: «أفضل ثوبك الإحسان»، هذا هو أفضل لك ولكل مؤمن، ثم قال له: «ولكن نرى ثوب الإساءة قد لبست»، يعني لم تتزين بثوب الإحسان وإنما تجني على نفسك هذه الجناية، فتترك هذا الثوب الجميل الحسن وتلبس ثوب الإساءة، فيقول له: دع عنك هذا الثوب ثوب الإساءة، واعتني بلبس ثوب الإحسان فإنه أجمل لباس وأحسن لباس، وهذا دعوة من الناظم إلى الاعتناء باللباس المعنوي. كثير من الناس يتفنن في اللباس الحسي، يتزين بأحسن زينة، لكن أين هو من اللباس المعنوي، لباس الإحسان والتقوى والإيمان؟ كيف تتزين بلباس الإحسان؟ بالعلم النافع والعمل الصالح، كلما ازددت علما وطاعة لله عز وجل كلما ازددت جمالا، وهذا ربما يؤثر حتى على الحس، فتجد المؤمن أثر هذا اللباس يظهر على وجهه، كما قال الله عز وجل عن الصحابة: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، خطأ من يفسر هذا المعنى بالعلامة السوداء التي تكون على الجبهة، قل لك: سيماهم في وجوههم يعني هذه العلامة، وإذا رأوا إنسانا عليه علامة سوداء قالوا: انظر سيماهم في وجوههم، لا، ليس هذا المراد، سيماهم في وجوههم يعني أثر الإيمان والطاعة، فإن للإيمان والطاعة نورا يرى في وجه المؤمن، فالمؤمن وجهه وضي ووجهه ذو نظارة، والعاصي وجهه أسود والعياذ بالله، تجد أثر المعصية على وجهه، فإذا هذا هو المراد بلباس الإحسان: أن يعتني باللباس المعنوي وذلك بالتزين بالإيمان والعمل الصالح. ثم قال: «إذا ما لم يفدك العلم خيرا فخير منه أن لو قد جهلت». قول «إذا ما لم يفدك»، ما هنا زائدة، زائدة في اللفظ لكن لها معنى في اللغة وهو التوكيد، وأوردها المؤلف هنا من أجل استقامة النظم، ويكون المعنى: إذا لم يفدك العلم خيرا، فما هنا ليست نافية وإنما هي زائدة، والمعنى يقول له: إذا تعلمت وتفهمت وتحصلت علما كثيرا لكن لم يفدك خيرا، يعني لم تنتفع بعلمك، كأنه يقول له: العبرة ليست بأخذ المعلومات وبحفظ العلم، وإنما العبرة كما تقدم معنى في أبيات سابقة هو الانتفاع بهذا العلم، كيف تنتفع بهذا العلم؟ أي أن تعمل بهذا العلم وأن يؤثر فيك هذا العلم الخشية والتقوى، فهذا هو ثمرة العلم، هذا هو ثمرة العلم الاستفادة، ولذلك تعوذ النبي عليه الصلاة والسلام من علم لا ينفع: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع»، فتعوذ عليه الصلاة والسلام من علم لا ينفع. ما هو هذا العلم الذي لا ينفع؟ ذكر العلماء أن العلم الذي لا ينفع على قسمين: علم لا ينفع في ذاته، ذاته هذا العلم لا ينفع كعلم السحر وعلم الكلام، هذا من أصله لا ينفع، وعلم لا ينفع ليس في ذاته وإنما في عدم العمل به وعدم التأثر به، وهذا في من يتعلم ولا يعمل، وهذا معنى قول الناظم: «إذا ما لم يفدك العلم خيرا فخيرا منه أن لو قد جهلت»، يعني خيرا من هذا العلم الذي ما عملت به لو بقيت أو لو يعني أصبحت جاهلا ولم تتعلم ولم تحفظ ولم تقم عليك الحجة، لأن مقصود العلم ماذا؟ العمل، والعلم إنما هو وسيلة للعمل والخشية والتقوى. لذلك فإن ربنا سبحانه وتعالى في كتابه ذكر لنا أقواما عندهم علم ولكن لم ينتفعوا بهذا العلم، فضربهم الله مثل أهل الكتاب، كما قال الله عز وجل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾، يعني علموا التوراة ثم لم يحملوها يعني لم يعملوا بها، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، مثل الحمار الذي عليه كتب، هل يعقل ما فيها؟ وإذا علمته هذا الكتب هل يتعلمه؟ لا، وهؤلاء كذلك عندهم علم كنز، لكن لم يعملوا به، فضربهم الله وغضب عليهم كما في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وهكذا أخبرنا عن حال ذاك الذي أخلد إلى الدنيا ولم ينتفع بعلمه، قال الله عز وجل في كتابه الكريم في الآية: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾، أولها: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾، يعني تعلم العلم وأخذ العلم، ﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾، ما معنى انسلخ منها؟ يعني ما عمل بها، ما استفاد منها، ما أثرت فيه إيمانا وخشية وتقوى لله عز وجل، ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، وهو قد أعطي الآيات لكنه لم ينتفع بها، فإذا العبرة ليس بأن تحفظ وتكتب وتعلم، لكن العبرة العمل، هل أثر فيك هذا العلم الذي تعلمته؟ تعلمت أسماء الله الحسنى وصفات الله العلا، تعلمت أن الله عز وجل العليم رقيب سميع بصير، هل عملت بمقتضى معاني هذه الأسماء؟ هل أثرت فيك؟ هل راقبت الله؟ هل ابتعدت عما يغضب الله؟ استحييت من الله؟ هل أثر فيك هذا العلم؟ تعلمت الصدق والإخلاص، هل كنت من أهل الصدق والإخلاص؟ تعلمت الأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام، هل تخلقت بها؟ هذا معنى العمل بالعلم، أيش الفائدة؟ ما شاء الله تكتب وتحفظ، ولكن في الواقع العملي يخالف قولك، عملك وعملك قولك، فهذا أمر مذموم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فهذا معنى قوله: «ولكن فخير منه أن لو قد جهلت». فهو في هذا البيت يحذر من نوعين من الخطأ، ليس معنى هذا أن يبقى الإنسان جاهلا، يقول: طالما أن المسألة فيها عادة علم وعمل يبقى ما أعمل أنا، إذن أبقى على ما أنا عليه، أبتعد عن العلم، لا، المؤلف هنا يحذر من أمرين أو من نوعين من الخطأ: النوع الأول أن يبقى الإنسان جاهلا لا يتعلم، وهذا خطر لأن العلم، لأن الجهل داء قد يقتل صاحبه ويهلكه والعياذ بالله، والنوع الثاني من الخطأ الذي حذر منه المؤلف أو الناظم أن يتعلم ولا يعمل، وهذا أيضا خطر على الإنسان. وما هي النجاح؟ أليس كل واحد منا يسعى إلى النجاح؟ ما هو سبيل النجاح والسلام؟ أن تجمع بين ماذا؟ بين العلم والعمل، تجمع بين العلم والعمل، هذا هو طريق السلام، وهذا الذي تدعو به في كل ركعة من ركعات صلاتك، أنت تقول ماذا؟ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، الصراط المستقيم أن تعلم وتعمل، ولذلك جاء بعد هذا التحذير من الخطأين والمسلكين الخطيرين من أن يتعلم ولا يعمل أو أن يبقى جاهلا فيعمل بجهله، فقال ماذا بعدها: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم من اليهود الذين علموا ولم يعملوا، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وهم من النصارى الذين جهلوا ولم يتعلموا وعملوا بجهلهم، فلا تكن من اليهود أي من طريق اليهود، ولا من طريق النصارى، بل كن من طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ثم قال له: وهذا هو دين الحق، دين الحق الذي أرسل الله به الأنبياء ومنه نبي محمد عليه الصلاة والسلام، الجمع بين العلم والعمل، وهذه هي الغاية العظمى والهدف الأسمى من بعثة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، الهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، فلا يكون علم بدون عمل، بل لابد من الجمع بين هما. ثم قال له: «وإن ألقاك فهمك في مهاو فليتك ثم ليتك ما فهمت». قوله: «وإن ألقاك فهمك في مهاو»، يعني لو أنك اشتغلت بالعلم وتحصلت منه على النصيب الأوفى والحظ الأكبر، لكن دخلت في فهمك مدخلا معوجا، فهمت العلم على غير فهمه الصحيح، وأخذت تفهم من نصوص الكتاب والسنة فهما خاطئا، كيف تفهم فهما خاطئا؟ انظروا إلى حال أهل البدع والأهواء، عندهم علم لكن علم معوج، سواء كان في باب الأسماء والصفات أو في باب البدع والمحدثات أو كان في باب العمل والإيمان كفرق الرافضة والجامية والمعتزلة، تجد عندهم من العلوم، عندهم من العلوم سواء كان في اللغة العربية أو في الفقه أو في معرفة الخلاف أو نحو ذلك، ولكن علمهم علم معوج ألقى بهم إلى مهاو عميقة وخطيرة، فيقول له: «وإن ألقاك فهمك في مهاو فليتك ثم ليتك ما فهمت»، يعني إن كنت كذلك صار علمك علما معوجا، فليتك ثم ليتك ما فهمت، لأن سوى الفهم تجني به على نفسك بل وتجني به على غيرك، وكما قال القائل: «وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم»، قد الإنسان يعيب قول وينتقد قولا وهو مخطئ في انتقاده، لماذا؟ لأن فهمه فهم خاطئ، فهم فهما معوجا فينتقد، انظر الذين ينتقدون على أهل السنة من الصوفية والرافضة والحزبية وغيرهم، ما سبب انتقادهم؟ الفهم المعوج والأهواء والعياذ بالله، فمن كان هذا حاله فليته ثم ليته ما فهم، ما فهم هذا الفهم المعوج، فانه خطير على نفسه وعلى غيره. ثم قال له: «ستجني من ثمار العجز جهلا وتصغر في العيون إذا كبرت». يقول له: إذا مضى الإنسان في هذه الحياة بالعجز والكسل والفتور والتواني، ما عنده جد، ما عنده حرص، ما عنده اجتهاد، دائما وهو إما نوم وإما كسل وإما لهو وإما لعب، ما عنده جد واجتهاد، فماذا يجني؟ ما هي الثمرة من هذا العجز والكسل والفتور؟ الجهل، الجهل، وإذا قال له: «ستجني من ثمار العجز جهلا»، سيبقى جاهلا، العجز هناك ما تقدم المراد به الكسل والفتور والتواني وعدم الجد والحرص والاجتهاد، فمن كان هذه حاله وماذا سيجني؟ هل سيكون عالما مبرزا؟ هل سيكون حافظا؟ أبدا، سيكون جاهلا، هذا هو ثمرة الكسل، هذه ثمرة الكسل: «ستجني من ثمار العجز جهلا وتصغر في العيون إذا كبرت»، إذا صرت كبير السن وليس لك حظ من العلم، تصغر في العيون، يعني لا تكون لك تلك المكانة وتلك المنزلة في المجتمع. في أيش بضم الكاف؟ «كبرت» عندك، عندك «كبرت» أنا اللي أعرف، الله أعلم، بضمها «كبرة كبرة كبرت»، الله أعلم، من الأقرب أنها بالضم، فهذا معنى قوله: «وتصغر في العيون إذا كبرت»، فعن إذا صرت كبير السن تصغر في العيون، والهيبة إنما تكون بالعلم، والمنزلة إنما تكون بالعلم. وهنا قصة طريفة تحكى عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ورحمه الله، أنه أتاه رجل كبير في السن ذو لحية كثة بيضاء، فهابه أبو حنيفة، هاب هذا الرجل، يظن أن عنده علما، فجلس عند أبي حنيفة، أبو حنيفة ضام لرجليه وجالس جلسة وقار واحترام، فقال له هذا الرجل: يا أبا حنيفة، أرأيت لو كانت علي جنابة ثم نزلت نهرا، نزلت نهرا، قال له: متى ترتفع الجنابة؟ هل أتوضأ بعدها؟ بهذا المعنى، يعني سؤال ما يأتي به صغار طلاب العلم، خلاص قد وقعت في نهر واغتمست فيه وما زالت الجنابة لم ترفع، فماذا قال أبو حنيفة؟ قال: «آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه»، ها، خلاص ذهبت الهيبة، ذهبت الهيبة، ما الذي يجعلك كبيرا في أعين الناس؟ العلم، يهابك الناس بعلمك، يهابك الناس بماذا؟ بعلمك ونفعك للناس والمجتمع، فهذا معنى قوله: «وتصغر في العيون إذا كبرت». ثم قال له: «وتفقد إن جهلت وأنت باق وتوجد إن علمت ولو فقدت». انظر إلى هذا الأمر العظيم وهو في الحقيقة من ثمار العلم ومن فوائد العلم، قال له: «وتفقد إن جهلت وأنت باق»، تفقد إن جهلت يعني الإنسان الجاهل في حكم المفقود، وإن كان حاضرا بجسده فهو في الحقيقة في حكم المفقود، وجوده وعدمه سواء، ما يسأل عليه الناس، حضر أو لم يحضر، لأنه ماذا سينتفعون منه؟ جاهل، ما سينالون منه إلا ربما الضر والأذى لأنه جاهل، فوجوده وعدمه سواء، لا أثر له ولا ينتفع منه ولا ينتفع به، «وتفقد إن جهلت وأنت باق»، أنت حي موجود لكن تفقد، يعني وجودك كعدمك بسبب الجهل، والعكس: «وتوجد إن علمت ولو فقدت»، يعني لو ميت أو لم تكن حاضرا في ذلك المجلس، والفقدان هنا يحمل على الأمرين: إما أنك تكون حي لكن ما حضرت في هذا المجلس، فيقولون: اليوم فلان ما حضر، أين هو؟ نريد نستفيد منه، بارك الله خير، يعمل لنا درس وينصحنا ويذكرنا، أين هو اليوم؟ إذن تذكر، أه، وأنت ماذا؟ وأنت مفقود، ما حضرت هذا المجلس، ومع هذا تذكر، انظر إلى منزلة العلم، أه، أو فقدت بالموت، ميت، فلا يزال الناس يذكرونك، وانظر إلى العلماء كيف بقي ذكرهم بين الناس وقد ماتوا منذ ربما مئات السنين، ما زلنا نذكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأنهم نقلوا لنا حديث النبي عليه الصلاة والسلام، عن أبي هريرة، عن عائشة، عن أبي سعيد، عن عبد الله بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، نذكرهم ونترضى عنهم، بماذا رفعوا وذكروا؟ بالعلم، وأكد من بعضهم من التابعين: الحسن البصري، سعيد بن المسيب، مجاهد، إبراهيم النخعي، هؤلاء نذكرهم، وأكد من بعضهم من العلماء: شيخ الإسلام ابن تيمية، شيخ الإسلام ابن القيم، الإمام البخاري، الإمام مسلم، أصحاب السنن، وهكذا من ماتوا قريبا من العلماء: الشيخ الألباني، الشيخ ابن باز، الشيخ ابن عثيمين، الشيخ مقبل، رحمهم الله جميعا، ما زالوا يذكرون في المجالس، ما سبب ذكرهم؟ العلم، وَكَمْ مِنْ أُنَاسٍ مَاتُوا في الشهر الذي ماتوا فيها أو السنة التي ماتوا فيها ولا نعلم بهم ولا يذكرون، كم ناس ماتوا؟ هل نذكر كل أحد في مجالسنا؟ لا، نذكر العلماء، فحقا كما قال رحمهم الله: «وتوجد إن علمت ولو فقدت»، لو فقدت، فإن أردت أن تذكر فعليك بالعلم ونفع الناس، ولا تستصغر نفسك، لا تقول: أنا مش معقول أكون مثل الشيخ ابن باز ولا مثل الشيخ الألباني، هل يمكن أحد مننا أن يكون مثل الشيخ ابن باز أو الألباني؟ نعم، الشيخ مقبل كان رحمه الله يقول لطلابه، يعني أنا أستصغر نفسي عن بعض الطلاب، وأقول بعضهم أفضل مني، ودائما يحث الطلاب على أن يكون أفضل من الشيخ ابن باز أو من الشيخ الألباني، ويذكر لهم ذاك الحديث: «وكن رجلا رجله في الثرى وهمته في الثريا»، يعني يكون عنده همة، تكون عنده همة، فإذا إن أردت أن تذكر بالجميل والثناء الحسن والعلم والخير فعليك بالعلم، فهذا معنى قوله: «وتوجد وتوجد إن علمت ولو فقدت»، أما إن بقيت جاهلا فستموت أو تغيب عن المجالس، فوجودك عدمك، ما تذكر ولا ربما ينتبه لك، فإذا هذا فيه حث على ماذا؟ على العلم وطلب العلم. ثم قال له: «وتذكر قولتي لك بعد حين إذا حقا بها يوما عملت». انظر إلى هذا النصح، يقول له: إذا عملت بهذه النصائح وألقيت لها بالا فستذكر هذه النصائح، ستشكرني عليها، «وتذكر قولتي لك بعد حين إذا حقا بها يوما عملت»، إذا عملت بهذه النصائح ستقول: جزاك الله خيرا، فهو يحثه على ماذا؟ على الأخذ بهذه النصائح، على الأخذ بهذه النصائح، النصائح، فقوله: «وقوله هنا وتذكر قولتي»، يعني إذا عملت بهذه النصائح ستذكر، ستذكر ما قلت فيها وستشكر عليها، أما إذا أهملتها ولم تلقي لها بالا ورميت بها عرض الحائط ولم تأخذ بها، ما هي العاقبة؟ قال: «وإن أهملتها ونبذت نصحا وملت إلى حطام قد جمعت». يعني إن أهملتها بمعنى تركت هذه الوصايا وضيعتها ولم تلقي لها بالا ولم تعمل بها، وهذا معنى «نبذت نصحا»، نبذت يعني رميت بها عرض الحائط، النبذ هو الطرح، يعني طرحت هذه النصائح وراء ظهرك ولم تلتفت إليها ولم تعمل بها، بل استمريت في التعلق بالدنيا والانشغال بها، «وملت إلى حطام»، والحطام أي الدنيا والمال، فهو حطام تذهب وتتركه، تذهب وتتركه، مهما جمعت فربما الناس ما يذكرونك، خصوصا إذا لم تفدهم بهذا المال وتحسن إليهم، لا يذكرك بشيء، لا يذكرك بشيء، فانظر إلى من جمع حطام الدنيا ثم رحل عنها، ماذا جنى وماذا حصل؟ لا شيء. ثم قال له: «فسوف تعض من ندم عليها وما تغني الندامة إن ندمت». يقول له: فسوف تندم، يعني عندما يتحسر في تفريطه، فالندامة لا تفيد، يعني ربما بعد فترة يذكر هذه النصائح وأن فلان نصح لكن ما عمل بها، فيندم، يقول: يا ليتني عملت بهذه النصائح، يا ليتني أخذت بها، فانتبه، هذا الكلام ليس للمنصوح الذي من أجله نظمت هذه المنظومة بل لكل واحد منا الآن، هذه نصائح لنا جميعا، نصائح لنا جميعا، فمن أخذ بها كما ذكر قال ماذا؟ قال: «وتذكر قولتي لك بعد حين»، يعني تشكرني على هذه النصائح، لكن متى؟ «إذا حقا بها يوما عملت»، إذا عملت بهذه النصائح ستذكر نفع هذه النصائح، تشكرني عليها، هذا لنا جميعا، إذا عملنا بهذه النصائح فسنذكر جميل هذا النظم علينا، أما إذا لم نبال بها واستمررنا في الغفلة والكسل والفتور والانشغال بالدنيا وحطامها، فإنها ماذا؟ كما قال: «فسوف تعظ من ندم عليها»، ستندم في يوم من الأيام عندما ترى نفسك جاهلا، ترى نفسك منبوذا لأنك لم تحرص على مثل هذه النصائح، «وما تغني الندامة إن ندمت»، هل يفيدك الندم بعد كم سنة؟ تقول: آه ليتني عملت بتلك المنظومة التي شرحها لنا الأستاذ أبو معاد، منظومة طيبة، مصابيح طيبة، أنا ما عملت بها، أوه، أنا أندم، أنا ندمان على عدم أخذي بهذه النصائح، هل ينفعك هذا؟ ها، هذا ما ينفع، ما ينفع، الندم ليس في هذا فحسب بل في كل يعني نصيحة لم تعمل بها ولم تلقي لها بالا، ستندم في يوم من الأيام، وستذكر جميل ذلك المنصوح. ثم قال له: «إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفع عليك وقد سفلت، سفلت وقد سفلت»، هن عندكم بالسكون «سفلت»، رض «سفلت»، يعني من الندم الذي تتحسر عليه إذا لم تأخذ بهذه النصائح، «إذا أبصرت صحبك في سماء»، يعني عندما ترى أصحابك وزملاءك وأقرانك الذين أخذوا بهذه النصيحة في علوم، الآن كلكم في مجلس واحد سمعتم هذه النصائح، أخذ بها مجموعة منكم، فمرت سنة، سنتين، عشر سنوات، عشرين سنة، فإذا بالآخذين بهذه النصائح ممن يشار إليهم بالبنان، ممن تقلدوا الإمامة وكذلك تقلدوا التدريس والخطابة والدعوة إلى الله عز وجل، قد ارتفعوا، كما قال هنا: «إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفع»، في سماء يعني في منزلة رفيعة بين الناس، في منزلة رفيعة بين الناس، «وقد سفلت»، لأنك لم تأخذ بهذه النصائح، وهذا من الندم، هم في هذه المنزلة، في هذه المرتبة من الأئمة في الدين ونحو ذلك، وأنت جاهل، ليس لك أي مكان في المجتمع ولا بين الناس، فهذا من الندم. وسمعتم أثر ابن عباس لما جاء عند الأنصار، الفتى الأنصاري، وقال له: هيا بنا نطلب العلم عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال هذا الفتى الأنصاري لابن عباس: يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون لي ولك وفيهم كبار أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ فلم يبال ابن عباس بكلام هذا الفتى، فذهب عند العلماء يطلب العلم، وربما خرج في الظهيرة فجلس عند باب أحد هؤلاء الكبار ينتظر حتى يسأله ويأخذ عنه العلم، فتأتي الريح فتسفي الريح التراب على وجهه وهو صابر، واستمر في طلب العلم، استمر، استمر، حتى توفي أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فصار ابن عباس معلما وإماما للناس، وتمتلي مجالسه من الطلاب، فرأى هذا الأنصاري ابن عباس، فماذا قال هذا الأنصاري؟ طبعا هذا بعد فترة، قال: إن هذا الفتى كان أعقل مني، ندم، هذه هي الندامة، إن هذا الفتى كان أعقل منه، لماذا أعقل منه؟ لأنه ذهب يطلب العلم، وهذا قال: الناس ما يحتاجون إلينا، نعم، ما يحتاجون إليك اليوم، استغل في الطلب، تستغل وقتك في الطلب وفي المثابرة والحفظ والكتابة والبحث، فلابد أن يأتي يوم من الأيام ويحتاجون إليك، مهما كان، وأما الآن فحاجة المجتمع إلى العلماء والشيوخ وطلاب العلم ماسة جدا، كم من قرى تحتاج إلى طلاب علم ومدرسين؟ كم من مساجد تحتاج إلى خطباء؟ كم من مساجد تحتاج إلى أئمة؟ وأهل السنة ما استطاعوا أن يغطوا هذا الفراغ، فإذن لا تترك هذه الوصايا ولا تهملها ولا كذلك ترمي بها، بل خذها وعمل بها، فإنك كما قال سترتفع، ترتفع على أقرانك وعلى زملائك. ثم قال له: «إذا أبصرت صحبك في سماء قد ارتفع عليك وقد سفلت، فراجعها ودع عنك الهوين، فما بالبطء تدرك ما طلبت». فقال هنا: «فراجعها»، راجعها يعني راجع نفسك، وهذه دعوة من الناظم للمنصوح أن يراجع نفسه وأن يزن أعماله بالميزان الشرعي لا بالهوى ولا بالتشفي وإمضاء الغيظ، لا، إنما يراجع نفسه، وهذا دعوة إلى المحاسبة، يعني يحاسب نفسه، يحاسب نفسه، «ودع عنك الهوين»، ما هي الهوين؟ الهوين يعني التراخي والفتور والتواني والكسل، يعني لا في أمور الخير تكون المسارعة والمسابقة، لأن في هذا المقام مقام مسابقة ومسارعة، إنما البطء يكون في أمور الدنيا، يتأنى الإنسان، لكن في أمور الآخرة أمرنا بماذا؟ أمرنا بالمسارعة والمسابقة، ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾، والسابقون السابقون، فيقول له: راجع نفسك، ودع هذا الكسل، ودع هذا التواني والفتور والتراخي، «فما بالبطء في أمور الآخرة في أمور طلب العلم في أمور الاستفادة ما تترك ذلك بالبطء»، يعني بالتأخر وعدم الإسراع والمسابقة، «تدرك ما طلبت»، ما تدرك العلوم النافعة والمعارف الجليلة إلا بالإسراع، لا بالبطء، فهذه دعوة من الناظم إلى محاسبة النفس وإلى ترك الكسل والفتور والتواني والعجز والبطء في التحصيل ونيل ما عند الله عز وجل. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله مؤذن، مؤذن.