شرح مختصر سيرة الرسول 75

شرح مختصر سيرة الرسول 75

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 75، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

انتهاء غزوة الأحزاب وبدء التحرك نحو بني قريظة

بعد أن أرسل الله الريح وفرّق الأحزاب، بعث النبي ﷺ حذيفة بن اليمان ليتحقق من رحيل المشركين، ثم أمر الصحابة بالتوجه إلى بني قريظة لنقضهم العهد. أدى ذلك إلى اختلاف الصحابة في أداء صلاة العصر أثناء المسير.

حصار بني قريظة وحكم سعد بن معاذ

حاصر النبي ﷺ بني قريظة خمساً وعشرين ليلة حتى قذف الله الرعب في قلوبهم، فرفضوا خيارات كعب بن أسد ونزلوا على حكم النبي. وكل النبي ﷺ سعد بن معاذ فحكم بقتل الرجال وسبي النساء والذرية وتقسيم الأموال، وأقر النبي حكمه قائلاً: "لقد حكمت فيهم بحكم الملك".

الابتلاء يميز المؤمنين عن المنافقين في غزوة الأحزاب

تكشف أحداث غزوة الأحزاب ونزول سورة الأحزاب كيف يميز الابتلاء بين المؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين. من صبر وثبت زاده الله قوة، ومن جزع دل ذلك على ضعف إيمانه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي شيئاً من غزوة الأحزاب، وكيف أن الله عز وجل نصر نبيه والمؤمنين بعدما حاصرهم المشركون ومن تحزب معهم من الأحزاب شهراً كاملاً. قال: وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم، أي بعدما أرسل الله الريح، وبعدما شتت جمعهم بحدوث الفرقة فيما بينهم، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبرهم. وهذا يدل على شجاعته وعلى ذكائه رضي الله عنه، إذ دخل بينهم دون أن يشعروا به ودون أن يعلموا به. قال: فوجدهم على هذه الحال، أي من رفع خيامهم وهكذا هلعهم وخوفهم وهروبهم، وقد تهيأوا للرحيل، فرجع إليه فأخبره برحيلهم، أي أخبر حذيفة الرسول صلى الله عليه وسلم برحيل المشركين. قال: لأن هذه الريح جاءتهم ليلاً وفي ظلمة الليل، وهذا أيضاً مما أثار فيهم الرعب والخوف، إذ أن ظلمة الليل مع شدة الريح ظن المشركون أن المسلمين قد هجموا عليهم. قال: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق -لأننا قلنا الخندق هو خارج المدينة- راجعاً والمسلمون إلى المدينة، فوضعوا السلاح، يعني انتهت الحرب، انتهت الحرب، ونصر الله المسلمين، ورحل المشركون وهم يجرون خيبة الذل والهزيمة. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى المدينة ووضع السلاح. قال: فجاءه جبريل وقت الظهر، فقال: «أقد وضعتم السلاح؟ إن الملائكة لم تضع بعد أسلحتها، انهض إلى هؤلاء» يعني بني قريظة، لأنهم نقضوا العهد وتمالؤوا مع المشركين، وتمالؤوا مع المشركين، فلم تضع الحرب أوزارها، فلا يزال هناك عدو يوجد بين أظهر المسلمين وهم اليهود. قال: فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة». وهذا من حث النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على الخروج مع أنهم قد رجعوا من حرب ومن كدح وتعب. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة في المنشط والمكره. وربما يكره بعض المؤمنين الخروج، جاءوا الصباح فإذا بالظهر ينادى لمعركة أخرى، ينادى لمعركة أخرى، فلا شك أن هذا فيه شيء من المشقة وكذلك الجهد ونحو ذلك. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة». وهذا النداء كان الظهر، كان الظهر، والحديث مشهور في الصحيحين، وتمامه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم سرعان ما انطلقوا، فأدركتهم صلاة العصر وهم في طريقهم إلى بني قريظة، فمنهم من قال: إنما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نسرع، ومنهم من قال: إنما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا نصلي العصر إلا إذا وصلنا إلى بني قريظة، فمنهم من صلى ومنهم من أخر، والحديث معروف مشهور. قال: فخرج المسلمون سراعاً، حتى إذا دنى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم، أي حصون بني قريظة، قال: «يا إخوان القردة، يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟» نعم، يخاطبهم بهذا الخطاب تنكيلاً وتبكيتاً عليهم، يعني اليهود، والحديث عند الطبري، ويقال لهم إخوان القردة أو إخوان القردة لأن الله عز وجل مسخهم إلى قردة وخنازير كما في القرآن، ﴿جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَةَ الطَّاغُوتِ﴾. قال: وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين ليلة، وهم في حصونهم، والمسلمون محاصرون لهم، حتى جهدهم الحصار، يعني تعبوا، فلم يستطيعوا أن يأكلوا أو أن يأتوا بما يحتاجون إليه، فجهدهم ذلك الحصار، فما استطاعوا الخروج، وقذف الله في قلوبهم الرعب. فقال لهم رئيسهم كعب بن أسد، أي قال لقومه من اليهود: «إني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً، أي خصالاً ثلاثاً، فخذوا أيها شئتم: نصدق هذا الرجل ونتبعه، فإنكم تعلمون أنه لنبي الذي تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة». انظر، هم يعرفون الحق كما أخبر الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ولكنه العناد والكبر، والعياذ بالله. فقال لهم ذلك: «فإنكم تعلمون أنه، أي النبي صلى الله عليه وسلم، لنبي الذي تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، يعني نتبعه ونسلم، نكون مؤمنين مسلمين». قالوا: «لا نفارق حكم التوراة أبداً»، يعني سنكون على ديننا وعلى ما نحن عليه. قال: «فاقتلوا أبناءكم ونساءكم واخرجوا إليه مصلتين سيوفكم حتى يحكم الله بينكم وبينه»، يعني نقتل أبناءنا ونساءنا حتى إذا هزمنا لا تسبى النساء، لا تسبى النساء والأطفال، فنخرج نقاتل بعدما نقتل أبناءنا ونساءنا، نخرج نقاتل، إما أن يقتلونا وإما أن نقتلهم. قالوا: «فما خير العيش بعد أبنائنا ونسائنا؟ هب أننا هزمناهم، كيف نعيش بدون أزواج ولا أبناء؟» قال: «فأنزلوا الليلة، فعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوكم فيها، لأنها ليلة السبت، لعلنا نصيب منهم غرة». قالوا: «لا نفسد سبتنا». «فأنزلوا الليلة» يعني نقاتل، نقاتل، لكن ما نقتل نساءنا، وإنما نقاتل. ولذلك ما استحبوا ذلك، لأنهم قالوا: لعلنا نصيب منهم غرة، فقالوا: لا نفسد سبتنا، لأنهم يعظمون السبت، ووقع لهم العذاب في هذا اليوم كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾، ﴿وَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾. قال: «ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازمة»، يعني ما وافقوه على شيء من هذه الثلاث، لا أن يصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا به، ولا أن يقاتلوا بعدما يقتلون أبناءهم ونساءهم، ولا أن يقاتلوا مع بقاء نسائهم وأبنائهم. قال: ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يحكم فينا رسول الله بما شاء، فحكم فيهم سعد بن معاذ، جعله حاكماً فيهم، فحكم، أي سعد، أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى النساء والذراري. وصدق ربنا عز وجل أو نبينا صلى الله عليه وسلم حكم سعد، فقال كما في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن معاذ: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك»، أي بحكم الله عز وجل. فقتل النبي صلى الله عليه وسلم الرجال منهم، وقسم أموالهم، وسبى النساء والأطفال. وأموالهم... أموالهم... أموالهم يعرفون بلوغ الرجل بكشف عانته، فإذا نبتت عانته قتل لأنه بالغ. استدل العلماء بهذا الحديث على أن من علامات البلوغ نبت شعر العانة، ومن لم تنبت عانته تركوه لأنه لم يكن بالغاً، فقتلوا الرجال البالغين وسبوا النساء والأطفال. قال: وأنزل الله في غزوة الخندق صدر سورة الأحزاب، وذكر قصتهم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾، أي الأحزاب من مشركي مكة ومن القبائل الأخرى التي هي حوالي مكة والمدينة، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، أي الملائكة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. كشف الله وفضح الله عز وجل في هذه الغزوة، غزوة الأحزاب، المنافقين والكاذبين ممن زاغت قلوبهم عن الإيمان، فلما رأوا طول حصار المشركين، ولما رأوا ما بلغ المسلمين من الجهد والجوع والبلاء، دخلهم الشك في صدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، يعني هذا الآن المسلمون في شدة وفي بلاء وفي محاصرة من قبل أعداء الإسلام، فدخلهم الشك وكذلك التكذيب بوعد الله سبحانه وتعالى. لكن كيف كان موقف المؤمنين الصادقين؟ كيف كان موقف المؤمنين الصادقين؟ قال الله عز وجل بعدما ذكر شيئاً من وقائع هذه الغزوة: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. هذا هو حال المؤمن عند الشدة وعند الابتلاء، يزيده الابتلاء قوة وصلابة في دينه وإيمانه، في دينه وإيمانه. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، لأن الله عز وجل قد بين في كتابه أنه يبتلي المؤمنين. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. فالمؤمن لما يرى الابتلاء يزداد عليه، يزداد إيماناً وثباتاً وتصديقاً، لأنه كلما اشتد البلاء جاء الفرج، ورفع الله عز وجل قدر الصابرين من المؤمنين. قال الله عز وجل، قال سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. فإذا اشتد عليك البلاء فاعلم أن الفرج قريب، وأن ربك سبحانه وتعالى ابتلاك ليعلم صبرك وصدقك ويقينك، فما عليك إلا أن تزداد إيماناً وتصديقاً وثباتاً على الحق الذي أكرمك الله عز وجل به. قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. فانظروا إلى صحابة رسول الله، كيف ابتلاهم الله، وكيف ضحوا من أجل هذا الدين بأنفسهم وأموالهم وبكل ما يملكون، فكيف بي وبك أخي المسلم؟ لربما يتضجر أحدنا عندما يسلك طريق الحق، طريق العلم وطريق الدعوة، إذا ابتلي بشيء من الابتلاءات، في نقص في معيشة أو بمرض أو بشدة أو نحو ذلك، هذا دليل على ضعف الإيمان. إذا تضجر أحدنا وترك هذا الطريق الذي وفقه الله إليه بسبب بعض الابتلاءات التي يمتحن بها، فهذا دليل على ضعف الإيمان. وأما الذي يزداد تمسكاً بهذا الطريق ويزداد كذلك انشراحاً وصبراً في سبيل نيل العلم والتعليم والدعوة إلى الله عز وجل، فهذا دليل إيمانه وتوفيق الله عز وجل له. فينقسم الناس عند الابتلاءات إلى قسمين كما ذكر ربنا عز وجل في هذه الغزوة، فظهر لنا حال المنافقين الكاذبين، وظهر لنا حال المؤمنين الصادقين. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.