شرح مختصر سيرة الرسول 123

شرح مختصر سيرة الرسول 123

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 123، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ردة بني سليم واستيلاء اللطيمة

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ارتد بعض بني سليم واستولوا على هدية ملك غسان (اللطيمة) المرسلة للمدينة. ثبت آخرون على الإسلام بقيادة معن بن حاجر الذي ذكرهم بآيات القرآن، فانضم الثابون إليه بينما شن المرتدون الغارات.

خداع الفجاءة لأبي بكر وانكشاف أمره

ادعى الفجاءة الإسلام وطلب العون من أبي بكر لقتال المرتدين، فزوده بالسلاح والرواحل، لكنه انقلب مرتداً يقتل المسلمين والكافرين. بعد تحقق أبي بكر من خبره، أمر طريفة بملاحقته، مما يدل على وجوب التثبت من الأخبار.

قبض على الفجاءة وحرقه على يد بني جشم

أمر أبو بكر طريفة بملاحقة الفجاءة، فالتقيا في معركة انهزم فيها أتباعه، وحاول خداع طريفة بادعاء الإسلام فأوثقه وبعثه لأبي بكر. سلمه أبو بكر لبني جشم فأحرقوه بالنار، مع ملاحظة أن التحريق بالنار منهي عنه شرعاً واعتبر اجتهاداً خاطئاً.

ختام الدرس والإشارة لاستكماله لاحقاً

أعلن المتحدث انتهاء الجلسة الحالية والتوقف عند هذا الحد، مؤكداً استكمال الموضوع في درس قادم إن شاء الله. ختم بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في ذكر المؤلف رحمه الله تعالى لأحداث حروب الردة. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: ذكر ردة بني سليم. قال: ذكر الواقدي من حديث سفيان، والواقدي أخباره ليس مما يعتمد عليها. قال: من حديث سفيان بن أبي العرجاء السليمي، لكن ما ذكره تناقله أهل السير، وهو من باب السير والتاريخ فيتساهل في نقله، وفي كذلك ذكره. قال: من حديث سفيان بن أبي العرجاء السليمي، وكان عالماً بردة قومه، السليمي نسبة إلى بني سليم فهو من بني سليم. قال: أهدى ملك من ملوك غسان إلى النبي صلى الله عليه وسلم لطيمة فيها مسك وعنبر وخيل، واللطيمة هي الجمال التي تحمل العطر والبر ونحو ذلك. قال: فخرجت بها الرسل، يعني خرجت بها من أرسلهم هذا الملك لإيصالها إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حتى إذا كانت بأرض بني سليم بلغتهم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني قبل أن يصلوا إلى المدينة وهم في أرض بني سليم جاءهم خبر وفاة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فتشجع بعض بني سليم على أخذها والردة، وأبى بعضهم من ذلك وقال: إن كان محمد قد مات فإن الله حي لا يموت. فانتهب الذين ارتدوا منهم اللطيمة، يعني من ارتد أخذ هذه الجمال بما حملت، ولم يتركوا الرسل يواصلوا سيرهم إلى المدينة. قال: فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه كتب إلى معن بن حاجر فاستعمله على من أسلم من بني سليم، وكان قد قام في ذلك قياماً حسناً، أي أنه من الثابتين على الإسلام وممن أنكر على قومه الردة وأخذي هذه اللطيمة. معن بن حاجر قال: وكان قد قام في ذلك قياماً حسناً، ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه، وذكر الناس ما قال الله لنبيه ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴾، يعني ليس بموت النبي صلى الله عليه وسلم ينتهي الإسلام وينتهي الإيمان. وقال: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾ تمام الآية. قال: مع آي من كتاب الله، آي جمع آية يجمع على آي ويجمع على آيات. قال: فاجتمع إليه بشر من بني سليم، أي ممن ثبتهم الله ولم يرتدوا ولم يغيروا ولم يبدلوا، وانحاز أهل الردة منهم فجعلوا يغيرون على الناس. هذه القصة اشتهرت عند أهل السير لكن لم تثبت بسند صحيح، وكما ذكرنا أن السير والتاريخ يتساهل فيها خصوصاً إذا لم تعارض الشرع، الله أعلم. قتل الفجاءة وتحريقه. قال: فلما بدا لأبي بكر أن يوجه خالداً أي إلى بني سليم كتب إلى معن أن يلحق بخالد، ويستعمل على عمله أخاه طريفة بن حاجر على عمله، يعني على إمرته في بني سليم، على إمرته في بني سليم. قال: ففعل، وأقام طريفة يكالب من ارتد بمن معه من المسلمين، يكالب يعني يواجه. نعم، إذ قدم الفجاءة واسمه إياس بن عبد الله بن عبد ياليل على أبي بكر، وهو من بني سليم، فقال: إني مسلم وقد أردت جهاد من ارتد، فاحملني، فلو كان عندي قوة لم أقدم عليك. فسر أبو بكر بمقدمه، يعني قال له: أنا أريد أن أقاتل أهل الردة لكن ما عندي قدرة، ما عندي سلاح وما عندي راحلة، فزودني، فزودني حتى أتقوى وأستطيع أن أجاهد هؤلاء. نعم، فسر أبو بكر بمقدمه، فرح أبو بكر رضي الله عنه على الظاهر لا يعلم الغيب، وحمله على ثلاثين بعيراً، يعني أعطاه ثلاثين بعيراً وأعطاه سلاحاً. فخرج يستعرض المسلم والكافر، يقتلهم ويأخذ أموالهم ويصيب من امتنع منهم، يعني مكر وكذب على أبي بكر، فهو لا يريد الجهاد ولا يريد بل هو من المرتدين، فصارت يقتل من واجهه سواء كان هذا المواجه مسلماً أو كافراً. ومعه رجل من بني الشريد يقال له نجب بن أبي الميثى مع قوم من أهل الردة، يعني انحاز إليه بعض الناس، والناس كأسراب الطير، ما من أحد يخرج إلا ويجد له أتبع، إلا ويجد له أتبع يتبعونه. قال: فلما بلغ أبا بكر خبره كتب إلى طريفة بن حاجر الذي أخلف أخاه في بني سليم: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر إلى طريفة، سلام عليك، أما بعد، فإن عدو الله الفجاء أتاني فزعم أنه مسلم، وسألني أن أقويه على قتال من ارتد عن الإسلام، فحملته وسلحته، وقد انتهى إلي من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس، الاستعراض هو الاعتداء على الغير بغير حق، الاعتداء على الغير بغير حق يقال له استعراض. وقوله هنا: وقد انتهى إلي من يقين الخبر، هذا فيه دليل على أن المسلم لا يبني أحكاماً إلا إذا استيقن من الخبر، لا يكون عنده ظن وسوء ظن أو شك، فيكون هذا الشك يعني يخالف الحق ويخالف الواقع. فانظر إلى قول أبي بكر: وقد انتهى إلي من يقين الخبر، يعني الخبر الذي لا مرية فيه أبداً، فهو كأنني أنظر إلى أمره، لأن اليقين هو الخبر القاطع الجازم. وقد انتهى إلي من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس، المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم ويقتل من خالفه منهم، فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأخذه فيأتيني به، فتأتيني به. فقرأ طريفة الكتاب على قومه فحشدوا إلى الفجاءة، يعني استجابة لنداء أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فحشدوا أي تجهزوا واجتمعوا إلى الفجاءة. فقدم عليه ابن المثنى فقتل نجبة الذي هو من أتباع الفجاءة، وهرب منه إلى الفجاءة. ثم زحف طريفة إلى الفجاءة فتصادما، يعني طريفة مع الفجاءة، يعني التقيا للحرب وكذلك المقاتلة. فلما رأى الفجاءة الخلل في أصحابه، يعني وجد الخذلان والضعف وكذلك الخيانة في أتباعه، قال: يا طريفة، والله ما كفرت وإني لمسلم. انظر ما يزال يريد أن يكرر المكر والكذب، كذب على أبي بكر وها هو الآن يريد أن يكذب على طريفة. فقال له: يا طريفة، والله ما كفرت وإني لمسلم، وما أنت بأولى بأبي بكر مني، يعني أن أبا بكر أمدني بالسلاح وبالراحلة، فلست أنت بأولى بأبي بكر مني، أنت أميره وأنا أميره لأن استمديت السلاح منه. انظر إلى مكره وخديعته وتلبيسه وكذبه. قال: قال طريفة: إن كنت صادقاً فألقِ السلاح، إن كنت صادقاً أنك مسلم وأنك مرسل من أبي بكر رضي الله عنه، اترك السلاح، لماذا تقاتل؟ ارمِ السلاح ثم انطلق إلى أبي بكر فأخبره خبرك. فوضع السلاح فأوثقه طريفة في جامعة، يعني ربطه ربطاً محكماً وجمع يديه مع رجليه حتى لا يفر وحتى لا يفلت، فأوثقه طريفة في جامعة. فقال: لا تفعل، يعني لا تفعل هذا يا طريفة. فقال طريفة: هذا كتاب أبي بكر إلي، يعني طريفة ما يدري بالكتاب الذي أرسله أبو بكر إلى طريفة، وهذا من ذكاء طريفة لم يره الكتاب إلا بعد أن أوثقه، إلا بعد أن أوثقه وتمكن منه. فقال طريفة: هذا كتاب أبي بكر إليه. فقال الفجاء: سمعاً وطاعة، فبعث به في جامعته، يعني وهو مكبل وهو مربوط ربطاً محكماً، إلى أبي بكر. قال: ما عشرة من بني سليم، فأرسل به أبو بكر إلى بني جشم لأنه اعتدى على بني جشم، فأراد أبو بكر من هؤلاء أن يشفوا غليلهم فيه، أن يشفوا غليلهم فيه، فأرسله إليهم فحرقته بالنار وقتلته. هذه القتلة وقد تقدم معنا أن هذا من حيث الشرع لا يجوز، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يعذب بالنار إلا رب النار ». فإذا صح هذا، وكما مر معنا في فعل خالد وأبي بكر ونحوهما، فهذا يحمل على أنه اجتهاد من هؤلاء رضي الله عنهم، وخالفهم غيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. طيب، نكتفي بهذا ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.