التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 103

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 103

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 103، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حق الوالدين في وصية لقمان

تنتقل وصية لقمان من توحيد الله إلى بر الوالدين، مؤكدة أن حقهما يأتي مباشرة بعد حق الله تعالى. وتستدل بالآيات التي تقرن شكر الله بشكر الوالدين، مع تخصيص الأم بأعظم الحق لقول الله ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ والحديث النبوي الذي كرر حق الأم ثلاث مرات.

مشقة الحمل وحق الأم في البر

يستعرض المقطع معاناة الأم من الحمل والولادة والرضاعة والحضانة، مبيناً عظم حقها ووجوب برها. ويشير إلى أن أي تقصير يعد ظلماً وكفراناً للنعمة، حتى لو استدعى ترك العمل لخدمتها.

الفرق بين عدم الطاعة في المعصية والعقوق

يوضح أن عدم طاعة الوالدين في المعصية ليس عقوقاً بل براً وإحساناً، مع وجوب الإحسان إليهما بالمعروف حتى لو كانا كافرين. ويؤكد اتباع سبيل المؤمنين المنيبين إلى الله في التعامل معهما.

المرجع إلى الله والحساب يوم القيامة

تذكر الآية أن جميع الخلائق سيرجعون إلى الله يوم القيامة ليحاسبهم على أعمالهم. فلا تخفى عليه خافية من أعمالهم سواء كانوا طائعين أو عاصين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: في قصة لقمان مع ابنه، أخذنا أول حق أوصى لقمان به ابنه، وهو حق الله على العباد، ألا وهو التوحيد، والحذر من الشرك. ثم قال: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ﴾ [لقمان: 14] الآية. قال: ولما أمر بالقيام بحقه بترك الشرك، أي حق الله بترك الشرك، الذي من لوازمه القيام بالتوحيد؛ لأن الأمر بالتوحيد يلزم منه الحذر من الشرك، والأمر بترك الشرك يلزم منه الأمر بالتوحيد. قال: أمر بالقيام بحق الوالدين؛ لأن حق الوالدين من أعظم الحقوق بعد حق الله عز وجل، ولذلك دائماً يقرن الله عز وجل بين حقه وحق الوالدين في آيات كثيرة. ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ﴾ [العنكبوت: 8]، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]، ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36]، وهكذا آيات كثيرة. وهنا كذلك بعدما ذكر حقه سبحانه وتعالى ثنَّى بحق الوالدين، ثنَّى بحق الوالدين. قال: فقال: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ ﴾، أي: عهدنا إليه الوصية، بمعنى العهد، وجعلناه وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا؟ فهكذا أيها الإنسان: اعلم أن الله عز وجل عهد إليك هذا الأمر، وهو الإحسان إلى الوالدين، وستسأل عن ذلك يوم القيامة: هل أديت هذه الوصية كما أراد الله؟ هل حفظت هذه الوصية وقمت بها أم لا؟ ستسأل عن ذلك يوم القيامة. قال: فوصيناه بوالديه، وقلنا له: اشكر لي بالقيام بعبوديتي وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنعمتي أو بنعمي على معصيتي. هذا هو الشكر. للشكر ثلاثة أركان: شكر بالقلب، وشكر باللسان، وشكر بالجوارح. الشكر باللسان، أو الشكر أولاً بالقلب: نسبة هذه النعمة إلى منعمها، واعتقاد أن هذه النعم كلها من الله، ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]. والشكر باللسان: التحدث بها، ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]، ونسبة هذه النعمة بلسانك إلى منعمها وهو الله سبحانه وتعالى. والشكر بالجوارح: القيام بعبودية الله، وامتثال أمر الله، وأن لا يستعان بهذه النعم في معصية الله أو على معصية الله. فهذا هو الشكر الذي به ثبوت النعم وزيادتها. قال: ﴿ وَلِوَالِدَيْكَ ﴾، وهنا أيضاً فيه تقديم شكر الرب سبحانه وتعالى على شكر الخلق، على شكر الخلق؛ فبدأ بشكره، ثم ثنَّى بشكر الوالدين. وما هو شكر الوالدين؟ قال: بالإحسان إليهما، بالقول اللين، كما قال الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾ [الإسراء: 28]، أي: ليناً يسيراً، والكلام اللطيف، والفعل الجميل من التواضع، ومن خفض الجناح، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23-24]، والتواضع لهما، وإكرامهما، وإجلالهما، والقيام بمؤنتهما، يعني: بما يحتاجان إليه من أمور دنياهم، واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل. القول: لا تقل لهم حتى «أف»، فما هو أعظم من هذه اللفظة لا شك أنه أشد إساءة، أشد إساءة إلى الوالدين. وأما الفعل: فهو بخدمتهما وإكرامهما، والقيام بخدمتهما ونحو ذلك. قال: فوصيناه بهذه الوصية، أي: عهدنا إليه، وأخبرناه أن ﴿ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14]، كأن الله عز وجل يقول للأولاد: افعلوا ما شئتم مع والديكم، فأنتم صائرون إلي، راجعون إلي، وسيحاسب كل ابن بما عمل تجاه والديه: إن كان باراً فله جزاء البارين، وإن كان عاقاً فعليه جزاء العاقين. أي: سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك وكلمك بهذه الحقوق، فيسألك: هل قمت بها؟ فيثيبك الثواب الجزيل، أم ضيعتها فيعاقبك العقاب الوبيل. وهذا كله أيها الإخوة يحثنا على حسن بر الوالدين وإكرامهما، والقيام بحقوقهما. قال: ثم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين في الأم، الأم حقها أعظم من الأب، كما جاء في الحديث: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك»، قال: «ثم من؟» قال: «أمك»، قال: «ثم من؟» قال: «أمك»، قال: «ثم من؟» قال: «أبوك». فأكد حق الأم ثلاث مرات. فلماذا حقها أعظم، وبرها أوكد؟ قال: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ﴾ [لقمان: 14]، وهنا على وهم، أي: مشقة على مشقة. الوهم: بمعنى المشقة والضعف الذي يعرض للأم عند الحمل، فلا تزال تلاقي المشاق من حين يكون نطفة. بعض النساء ربما الأسبوع الأول أو الأسبوع الثاني يظهر عليها الوحام، الذي نسميه نحن «الفقاع»؛ هذا باللهجة عندنا يقال له «الفقاع». لربما ما تستطيع أن تأكل شيئاً، أعرف بعض النساء إذا جاءها الوحام ما يدخل إلى بطنها طعام، وإنما تعيش بالمغذيات، كلما أكل الطعام أخرجه وقذفته، يعني مشقة شديدة. لو الابن خُلق قبل أن يوضع في بطن أمه ورأى أمه على هذا الحال، لعلم عظم حقها، وهو يرى ربما أمه في إخوانه الذين أتوا بعده، يرى تعب أمه وألمها، ويرى المشقة الشديدة التي تعاني منها الأم عند الحمل. فكما قال المؤلف: لا تزال تلاقي المشاق من حين يكون نطفة، من الوحم والمرض، تمرض، ربما يغمى عليها من شدة الضعف، والضعف والثقل إذا كبر الجنين، صارت المرأة ثقيلة، ربما ما تستطيع أن تمشي يعني مسافة قصيرة بسبب الثقل، وتغير الحال، يتغير حالها، يتغير أكلها، تتغير حركتها، يعني تعب على تعب، ومشقة على مشقة، من أجلك أيها الابن، حتى تخرج من بطنها وتعيش وتكون. فأنا أتعجب: كيف بعد ذلك يعق هذا الابن أمه؟ كيف يعق هذا الابن أمه وهي تعبت فيك وأنت في بطنها؟ ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد، يعني... كما قال ابن عمر لذاك الرجل، لما كان يطوف بأمه وهو واضع لها على ظهره يحملها من شدة بره بها، يقول: «إني لها كبعيرها المذلل، إن أذعرت ركابها لم أذعر»، وهو يطوف. فقال لابن عمر: «يا ابن عمر، أتراني أديت حق هذه الأم؟ هل أديت حقها؟» قال: «ولا بزفرة واحدة من زفرات الولادة». عادك ما وصلت حتى زفرة واحدة من زفرات الولادة. كيف لو زفرت عشر زفرات، أو عشرين زفرة، أو أكثر من ذلك؟ كم عليك من الحقوق؟ ديون كثيرة وعظيمة، ديون كثيرة وعظيمة. هذا فقط في الولادة، فكيف ما قبل الولادة، وكيف ما بعد الولادة؟ تمرض لمرضك، وتصحو لصحوك، تقوم بمسح الأذى منك، هذا من مهمة الأم، هذا من مهمة الأم. بل الأم تحن إلى ولدها ولو كان كبيراً. قد يتعجب كيف إذا كان كبيراً: في مرة من المرات شاب، يمكن يبلغ من العمر فوق العشرين، خمسة وعشرين أو نحوها، فأصيب بحادث فانكسرت رجله، فقرر الطبيب أن يعمل له عملية، أو أن يعمل له جبس، وأن تكون الرجل ثابتة على السرير، ما يتحرك أبداً لمدة شهرين أو نحوها. فهذا الشاب قال له: «يا دكتور، كيف الخارج من البطن؟» قال: «لا، ما في خارج من البطن، وأنت في مكانك». والولد ما هو متزوج. قال: «كيف فعل؟» قال: «لو تصرف، وكان الأب موجود». قال: «لا، عندك أبوك ينظفك». قال: «لا، لا، لا، كيف نظفه؟» قال: «لا، كيف فعل؟» قال: «لا، ما أستطيع، أنا كيف هذا؟» قال: «من تصرفوا هذا عندهم أكبر عائق، أكبر عائق». فالمهم: هذا الشاب حزين، ما يدري كيف يفعل، والأب حزين. ذهبوا إلى البيت وأخبروا الأم، قالت الأم: «أنا، أنا سأقوم بهذا، أقوم، تبقى وهو صغير، الأمر عادي». وهي التي قامت بهذا الشيء. يعني سبحان الله! حتى وأنت كبير، إن صار لك شيء، هي مستعدة. كيف تجازى بالعقوق، أو بعدم الطاعة، أو بتفضيل الزوج عليها، أو نحو ذلك؟ هذا من الظلم، ومن كفران النعمة، النعمة. فهنا يقول المؤلف: ثم جعلوا إلى ذلك الوجع الشديد، ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾ [لقمان: 14]، وهو ملازم، وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها. سبحان الله! ترضعك ثديها، لك سقاء تستغني به عن الماء، وعن الطعام، وأي شراب، وهي تتكفل برعايتك: إن بكيت أسكتتك، وإن جعت أطعمتك، وإن أردت أي شيء أعطتك إياه، حضانة تحضنك وتكفلك وترضعك. أفما يحسن بمن تحمل على ولدها هذه الشدائد، مع شدة الحب، أن يؤكد على ولده ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه؟ والله عز وجل أعطى كل ذي حق حقه، أعطى من المخلوقين أعظم حق للوالدة، ثم الأب، أعظم حق كما تقدم معنا، لعظيم حقها، لعظيم حقها. ثم تستغرب لما نسمع، الله أعلم، هذا ربما يوجد عندنا لكن بغير هذه الصورة: أن في بعض الدول يوجد يعني بيوت رعاية لكبار السن. كيف الابن يذهب بأمه الرعاية؟ أنت واجب عليك أن ترعاها، واجب عليك أن ترعاها، ولو أن تركت عملك وتركت جميع أعمال دنياك وجلست فقيراً وجالساً عند أمك، فهذا من الواجب عليك، هذا من الواجب عليك. لا تتعذر بأعمالك الدنيوية. ليش هذه الأعمال الدنيوية؟ أنت موظف وأمك بحاجة إليك، وإذا لم ترعاها هذه الأم لم يقم أحد بها ولا بشؤونها، واجب عليك أن تترك الوظيفة وتجلس عند أمك. ما رأيكم في هذا الكلام؟ يعني أنت بين خيارين: إما أن أمك لا يقوم بها أحد، كبيرة في السن، تحتاج من يغسلها، تحتاج من ينظفها، تحتاج من يقوم بها، وما تستطيع أن توفق بين عملك وبين القيام بها، فالواجب عليك أن تجلس عند أمك، أن تجلس عند أمك، أو أن تأتي بامرأة ثقة خادمة، وتعطيها من مالك، تعطيها من مالك، تقوم في عدم وجودك، ليس كل اليوم، في عدم وجودك وفي وقت وظيفتك، تقوم وتشرف على أمك، ثم أنت تأتي وتقوم بحق أمك، ولو أن تغسلها، وأن تميط الأذى منها، ما أديت حقها أبداً، ما أديت حقها مهما فعلت مع الأم، لا يزال حقها أعظم وأوفى وأكبر. لو جلست تخدمها عشرين سنة، ثلاثين سنة، خمسين سنة، ما أديت الحق، حقها أبداً. هذا يدلنا على عظم حق الأم، وأنه ما ينبغي للمسلم أن يفرط في أمه، أو أن يقصر في شيء تريده، في شيء تريده. قال: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾ [لقمان: 15]، ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما. يعني: بعض الناس مثلاً يأمره أبوه بمعصية، فيرى أن عدم طاعته لأبيه أو لأمه في هذا الأمر من عدم الإحسان إليهما. لا، الإحسان يكون بالمعروف، الإحسان بالمعروف، والطاعة في المعروف. ولذلك استثنى الله عز وجل وقال: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾. قال: ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما؛ لأن حق الله مقدم على حق كل أحد، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في المعروف. ولم يقل: «وإن جاهداك على أن تشرك بما ليس لك به علم فعقهما». فرق بين عدم الطاعة في المعصية، وبين العقوق. فمثلا على سبيل المثال: أبوك قال لك: «اذهب يا بني بهذا الكبش عند الولي الفلاني، واذبحه لهذا الولي». فأنت تقول له: «يا أبي، أنا ما أستطيع أفعل هذا، لأن هذا شرك بالله، والله عز وجل حرم علينا ذلك». لكن ليس معنى هذا أنك تغضب على أبيك، ولا تطيعه في غيره مما أمرك به مما هو ليس بشرك ولا محرم. فهمتم هذا؟ فتكون عدم الطاعة في الشيء الذي لا يجوز لك أن تطيع والديك فيه فقط. فلم يقل كما ذكر هنا المؤلف: «فعقهما». فرق بين العقوق، وبين عدم طاعتهما في المعصية. عدم طاعتهما في ما يأمران به الولد من المعصية ليس من العقوق، بل هو من البر، حتى يخفف الإثم على الوالدين. يعني: أنت إذا أطعت والدك، أنت ستأثم، ووالدك سيأثم، لكن لو لم تطعهما، وترك هذا الفعل، نجّى والدك من مغبة هذا الإثم، مغبة هذا الإثم، ولربما تابا منه، فهذا من أعظم الإحسان إليهما. فلابد من هذا. قال: بل قال: ﴿ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾ [لقمان: 15]، أي: في الشرك، وأما برهما فاستمر عليه. ولهذا قال: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15]، أي: صحبة إحسان إليهما بالمعروف، ولو كانا كافرين. لو كان أبوك وأمك كافرين، لا يجوز لك أن تعقهما، وأن لا تحسن إليهما. أحسن إليهما بالمعروف في غير معصية الله، أنفق عليهما، وزرهما، وادعهما إلى الإسلام، وأحسن إليهما، فقط لا تطعهما في الشرك، وفي ما يغضب الله سبحانه وتعالى. وهذا يدلك على عظم حق الوالدين. قال: ولهذا قال: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾، أي: صحبة إحسان إليهما بالمعروف. وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي، فلا تتبعهما، ﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ [لقمان: 15]، وهم المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله. يعني: كن على طريق هؤلاء الذين يرجعون إلى الله، ويعبدون الله، ويطيعون الله، وهم من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه. واتباع سبيلهم: أن يسلك مسلكهم في الإنابة إلى الله، التي هي انجذاب دواعي القلب وإرادته إلى الله. يعني: أن يكون المسلم راجعاً إلى الله، راجياً ما عند الله سبحانه وتعالى. ثم يتبعها سعي البدن فيما يرضي الله ويقرب منه، يعني: من امتثال الأوامر واجتناب النواهي. قال: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ [لقمان: 15]، أي: الطائع والعاصي، والمنيب وغيره، وغيره، وغيره، ﴿ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: 15]، فلا يخفى على الله من أعمالهم خافية. طيب، نكتب بهذا إلى هنا.