الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 141، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بعد خمسين ليلة من الهجر، بُشِّر كعب بن مالك بتوبة الله عليه عند صلاة الفجر فخر ساجداً شكراً. استقبله الصحابة أفواجاً يهنئونه بالتوبة مما يعكس امتثالهم لأمر الله ورسوله في الهجر ثم في القبول والفرح بتوبة العبد.
فرح النبي ﷺ بتوبة كعب وبشره بخير يوم مر عليه، فعرض كعب أن يتصدق بجميع ماله. أمره النبي ﷺ بالإمساك عن بعضه اقتداءً بهدي سعد بن أبي وقاص مؤكداً أن الاقتصاد في الإنفاق هو المنهج القويم.
يصف المقطع تمسك كعب بن مالك بالصدق بعد توبته ونزول آيات التوبة في حقه. تعرض لإغراء من ملك غسان عبر رسالة تدعوه لترك الإسلام مقابل المال والجاه، فأحرق الرسالة واعتبرها بلاءً وامتحاناً من الله.
يختتم المتحدث الجلسة بالإشارة إلى أن الحديث يحتوي على فوائد كثيرة ذكرها علماء كابن حجر العسقلاني وعبد الرحمن السعدي. يعلن أن هذه الفوائد ستكون محور الدروس القادمة بإذن الله.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فتكملة لحديث كعب بن مالك وصاحبيه في تخلفهم عن غزوة تبوك، وقفنا عند قوله رضي الله تعالى عنه: «فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة»، يعني أن هذه الحال من الهجر كانت خمسين ليلة. قال: «وأنا على ظهر بيت من بيوتنا»، يعني على سقفه، «فبينا أنا جالس سمعت صوت صارخ: يا كعب بن مالك أبشر». قال: «فخررت ساجدا»، علم أن الفرج جاء، فلذلك خر لله ساجدا شكرا لله. قال: «وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر»، فذهب الناس يبشروننا. ما أعظمها من بشارة، حين أن يخبر الله عز وجل بتوبته عن عبده، خاصة وعلى الثلاثة الذين خلفوا، جاءت الآية بالتنصيص عليهم، فلا شك أن هذه بشارة عظيمة. قال: «فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، أخرج ما به من أثواب فكسوته إياهما ببشراه، وما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما». ويحمل هذا على أنه لما بشر بهذه البشارة من قبل هذا الرجل، وعرف هذا الرجل، ذهب واستعار ثوبين، ثم نزع ثيابه ولبس الثوبين المستعارين، ثم أعطى ثوبيه الذي كان يلبسهما ذاك المبشر. وليس معنى أنه نزع ثوبيه وجلس من غير ثياب. ولماذا لم يعط المبشر الثياب المستعارة؟ لأن الثياب المستعارة ليست ملكه، ليست ملكه، فهو استعان بهذه الثياب المستعارة في لبسها حتى يشتري له، ولشدة فرحته ولإكرامه لمبشره نزع ثوبيه وأهداهما لذلك المبشر، فهكذا يحمل هذا الحديث. قال: «والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما». قال: «وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا». انظر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ما كان هجرهم من أجل الدنيا ولا من أجل أغراض نفسية، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر هؤلاء الثلاثة، فهجرهم الصحابة لله وامتثالا لأمر الله ورسوله. فلما جاءت البشارة، ما قال أحد منهم: لا، هؤلاء وإن تاب الله عليهم فهم وقعوا في هذا الخطب الجسيم، وينبغي أن لا ننبسط إليهم ولا نتسرع في قبولهم، أو شيء من هذه التعليلات أبدا. لما نزلت توبة هؤلاء الثلاثة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، تلقاهم الناس الذين كانوا يهجرونهم فوجا فوجا، يعني جماعات جماعات، يهنئوني بالتوبة: «لتهنك التوبة يا كعب، يا هلال، يا مرارة»، هكذا يهنئونهم بالتوبة. قال: «حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جالس حوله الناس». فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي من الفرح والبهجة. هكذا يفرح المسلم لفرح أخيه، ويستبشر له، وكذلك فرحة أخيه. قال: «وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك»، أفضل يوم مر عليك في حياتك منذ أن أخرجت إلى هذه الحياة الدنيا من بطن أمك هو هذا اليوم. الله رب العالمين يبشره بالتوبة وينزل توبته عليه، لا شك أن هذا يعني بشارة عظيمة. قال: «فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله». ومعنى «أن أنخلع» يعني أخرج جميع مالي صدقة لله عز وجل شكرا لله سبحانه وتعالى. ولذلك استحب العلماء أن من وقع في ذنب ثم تاب منه أن يتصدق ولو بشيء يسير، فهذا من شكر الله عز وجل إن تاب العبد. قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». يعني لا تخرج جميع مالك، وإنما أخرج بعضه واستعن ببعضه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما مرض، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أريد أن أتصدق بمالي كله، بمالي كله. قال: لا. قال: بثلثيه. قال: لا. قال: بنصفه. قال: لا. قال: بثلثه. قال: الثلث، والثلث كثير. أي أن الإنسان يبقي لنفسه. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». لا بأس أن تبقي لأهلك شيئا من المال، من البيت، من السيارة، من الشيء الذي ينتفعون به، أو تبقي لنفسك في حياتك أيضا مالا تستعين به على نوائب الدهر وعلى النفقات الواجبة ونحو ذلك. ولا كذلك تمسك جميع المال ولا تخرج شيئا. وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾. ملوما: إذا لم تخرج شيئا من هذا المال يلومك الناس، انظر معه مال ولم يخرج شيئا. ومحسورا: إذا أخرج جميع ماله ثم احتاج إلى شيء من المال فلربما يتكفف الناس. فلا إفراط ولا تفريط، لا تخرج جميع مالك ولا تمسك جميع مالك، إن وسع الله عليك فأخرج ما تيسر من هذا المال صدقة لله عز وجل. نعم، وأمسك بعض هذا المال، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لكعب بن مالك: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك». قلت: «فإني أمسك سهمي الذي بخيبر»، يعني الذي كان نصيبه في خيبر عندما أجلى النبي صلى الله عليه وسلم اليهود، فغنم المسلمون أموالا كثيرة، فوزعها النبي صلى الله عليه وسلم بين الصحابة، ومنهم كعب بن مالك. قال: «فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق»، كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. لما صدق الله، صدقه الله، فنجاه الله عز وجل من هذه المحنة ومن هذه الشدة بصدقه. فالصدق من أسباب النجاة من الفتن ومن المحن ومن الشدائد. فكن صادقا مع الله عز وجل في قولك وفي فعلك. قال: «وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت»، يعني من التوبة أني لا أحدث إلا بالصدق، ما أحدث بكذب قط، هذا معنى كلامه. قال: «وأنزل الله على رسول صلى الله عليه وسلم: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾» إلى قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾. يعني من الآية مائة وسبعة عشر إلى الآية مائة وتسعة عشر من سورة التوبة، كل هذه نزلت بعد هذه الحادثة. وهذا الحديث ذكره المؤلف باختصار، وبقي أمر وقع في هذه القصة لزام أن نشير إليه، وهو أن كعب بن مالك بينما يهجره المسلمون ولا يكلمه أحد، وكان شابا قويا، فيخرج إلى السوق، سوق المدينة. يقول كعب بن مالك: «فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذ بنبطي من نبط، إذ بنبطي من نبط أهل الشام»، يعني ممن يأتي إلى سوق المدينة للتجارة وهم من الكفار، يقول: «من يدلني على كعب بن مالك، من يدلني على كعب بن مالك؟» ما يعرف كعب بن مالك. قال: «فطفق الناس يشيرون إليه»، يعني الناس يشيرون، ما حتى قالوه بالقول لأنهم يهجرون، إنما أشاروا إليه إشارة. قال: «فجاءني هذا الرجل فدفع إلي كتابا من ملك غسان»، وملك غسان من الكفار، من الكفار. قال كعب بن مالك: «وكنت كاتبا»، بمعنى كنت أقرأ، كنت أقرأ الكتاب. قال: «ففتحت هذا الكتاب فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد قلاك»، يعني أن صاحبه قد جفاك وهجرك، «وإن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضعة»، لماذا أنت ترضى بهذا الأمر؟ الناس لا يكلمونك ولا يقيلونك شيئا ولا يجالسونك، لم يجعلك الله بدار هوان ولا مضعة، فالحق بنا نواسك، تعال إلينا واترك هذا الدين الذي أنت عليه، نعطيك ما تريد، تريد مؤانسة، تريد مالا، تريد جاها، إلحق بنا نواسك. قال: «فلما قرأتها علمت أن هذا أيضا من البلاء». قال: «فتيممت بها التنور فسجرتها»، ذهب بها إلى التنور وأحرق هذه الرسالة وهذا الكتاب. هذا أيضا مما ذكر في هذا الحديث، وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة جدا، أشار إليها الحافظ ابن حجر العسقلاني عند شرحه لهذا الكتاب، وأشار إلى بعضها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وتمم أيضا المعلق على هذا الكتاب، فهذه الفوائد تكون إن شاء الله موضع دروسنا في الأسابيع القادمة بإذن الله. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.