الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 150، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ باباً من كتاب التوحيد حول آية ﴿وَلَئِنْ أَذَقَّنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا...﴾، مبيناً أن نسبة النعمة إلى النفس تنافي تعظيم الله، ومستعرضاً أقوال المفسرين كقول مجاهد وابن عباس.
يبيّن المحاضر أن نسبة النعمة إلى العمل أو الكسب نوع من الإشراك في الربوبية، وزعم الاستحقاق للنعمة نوع من التعالي في العبودية، وكلاهما منهي عنه شرعاً.
يحذر من نسبة النعم إلى الجهد الذاتي كما فعل قارون بقوله ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، ويوضح أن ذلك يعكس التكبر والجحود، مع ذكر قصة الثلاثة من بني إسرائيل.
أعلن المحاضر تأجيل شرح حديث الثلاثة من بني إسرائيل وفوائده إلى الدرس القادم لضيق الوقت وطول الحديث.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقَّنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾. ومناسبة ذكر هذا الباب بعد الباب الذي قبله: لأن الباب الذي قبله في الاستهزاء بذكر الله أو بأمور الدين، وهذا ينافي ماذا؟ ينافي تعظيم الله، وهو من الألفاظ الكفرية. وهذا الباب في نسيان فضل الله ونعمته، وهذا أيضاً ينافي تعظيم الله، ينافي تعظيم الله حين تضيف النعمة إلى غير مسديها، إلى غير مسديها، ففيه كذلك نهي في هذه النسبة في اللفظ، كما سيأتي معنا من كلام المفسرين في الآية، من كلام المفسرين في الآية. وأما قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقَّنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾، أي يجحد النعمة فينسبها إلى نفسه، فلما أعطي هذه النعمة من بعد الشدة والضراء نسب هذه النعمة إلى نفسه. ولذلك أورد المؤلف هنا كلام المفسرين في معنى قوله: "هذا لي"، ما معنى "هذا لي"؟ قال مجاهد: "هذا بعملي وأنا محقوق به". ومعنى كلام مجاهد: أن هذا الجاحد يقول: هذا الخير حصلت عليه بعملي وكدي، وأنا أستحقه، وأنا أستحقه. وهذا معنى "وأنا محقوق به"، يعني: أنا مستحق له، أنا مستحق له. ولا شك أن هذا فيه نسبة هذه النعمة إلى نفسه وإلى عمله وإلى قوته ونحو ذلك. وأورد أيضاً كلام ابن عباس في قوله: "يريد من عندي"، يعني: "هذا لي". قال ابن عباس: "يريد من عندي". ومعنى "يريد من عندي": يعني هذا الخير من عندي، ليس من عند الله بل هو من عندي. وذكر بعض شراح هذا الكتاب أو هذا الباب أن قول ابن عباس هو الأولى بالتقديم، لأن ابن عباس هو شيخ مجاهد، ومجاهد تلميذ لابن عباس، فمنهم من قال: قول ابن عباس هو الأقرب، يعني "هذا لي" يعني هذا من عندي، بمعنى أن هذا الخير الذي أنا فيه الآن هو من عندي من تلقاء نفسي، فلا ينسب، أو لا ينسب هذا الخير إلى الله، وإنما نسبه إلى نفسه. يقول الشيخ ابن العثيمين تعليقاً على هذا الباب: قال: أن الإنسان إذا أضاف النعمة إلى عمله وكسبه ففيه نوع من الإشراك في الربوبية. إذا قال: هذا بعملي، أو هذا بكسبي، هذا فيه نوع من الإشراك في الربوبية، لأن هذه النعمة من فعل الله لا من فعل العبد، لا بعمله ولا بكسبه، وفعل الله عز وجل من الربوبية. فمن أضاف النعمة إلى عمله أو إلى كسبه أو إلى قوته أو إلى ذكائه أو إلى كذلك شطارته أو إلى كذلك فطنته أو نحو ذلك، فهذا نوع من الإشراك في الربوبية. وإذا أضافها إلى الله لكنه زعم أنه مستحق لها، قال: هذه من الله، لكن ما أعطاني الله هذه النعمة إلا لأنني مستحق لها، وأن ما أعطاه الله ليس محض التفضل من الله، لكن لأنه يستحق وأنه أهل لهذه النعمة. قال: فهذا نوع من التعالي والترفع في جانب العبودية، في جانب العبودية. فالله عز وجل له الفضل والمنة، فلا تنسب، أو فلا تزعم أنك تستحق وأنك مستحق لهذه النعمة التي أعطاك الله إياها. فكل هذه الألفاظ منهي عنها، منهي عنها. لا تقول فيما أعطيت من نعم: هذا بعملي، أو أنا مستحق لهذه النعمة، أو تقول كذلك: هذا الخير من عندي، يعني تنسب هذا الأمر إلى نفسك. فهذا كله من المنهي عنه كما سمعت في تفسير هذه الآية. ثم ذكر قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾. قال: ذلك قارون، ذلك المتكبر، ذلك المتغطرس، ذلك الجاحد لنعمة الله عز وجل عليه. لما نصح وقيل له: ﴿أَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾، قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾. فذكر المؤلف هنا كلام المفسرين عند هذه اللفظة من الآية. فذكر عن قتادة أنه قال: "على علم مني بوجوه المكاسب". يعني قوله: "على علم عندي"، أي: أنني أوتيت هذه الكنوز وهذه الأموال على علم مني بوجوه المكاسب، أي كأنه يقول: هذه الأموال والكنوز بفضل خبرتي وتدبيري، لا بفضل الله، لا بفضل الله. فنسب هذه النعمة إلى تدبيره وإلى عمله وإلى كذلك علمه بوجوه المكاسب، يعني بطرق دخول المال على العبد. وقال وقال آخرون: "على علم من الله أني له أهل"، يعني: على علم من الله أني أستحق، أني أستحق ذلك، للمنزلة العظيمة، للمنزلة العظيمة عند الله. هذا معنى قولهم: "على علم من الله أني له أهل"، وهو بالمعنى المتقدم: "وأنا محقوق به"، فهو بمعنى "وأنا محقوق به". قال: وهذا معنى قول مجاهد: "أوتيته على شرف"، "أوتيته على شرف"، بمعنى أنني لشرف فأنا مستحق لهذا المال، فأنا مستحق لهذا المال. فكل هذه المعاني تصب في هذا المعنى. ثم ذكر حديث أبي هريرة في الثلاثة من بني إسرائيل الذين ابتلاهم الله: الأبرص والأقرع والأعمى. ولطول هذا الحديث وقرب انتهاء الوقت، نؤجل الكلام على هذا الحديث إن شاء الله في الدرس القادم، وما فيه من الفوائد ووجه الشاهد منه، إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر