التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 173

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 173

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 173، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

باب ما جاء في منكري القدر ورده على إنكار علم الله السابق

يشرح المقطع مناسبة باب منكري القدر في كتاب التوحيد، موضحاً أن القدر سر الله في خلقه ويرتبط بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات. ويبين أن منكري القدر ينقسمون إلى طائفتين، أولاهما تنكر علم الله السابق وتزعم أن الأمر يحدث بلا علم سابق، وهو قول يكفر صاحبه، إلا أن هذا المذهب انقرض ولم يعد له أتباع في العصر الحديث.

القدرية والجبرية: طائفتان ضالتان في باب القدر

يبيّن المقطع طائفتين ضالتين في القدر: القدرية (ومنهم المعتزلة) الذين أنكروا مشيئة الله وخلقه لأفعال العباد، وزعموا أن العبد يخلق فعله، فشبههم السلف بالمجوس لإثباتهم خالقين. والجبرية الذين أفرطوا في إثبات القدر حتى سلبوا العبد الاختيار والقدرة، فجعلوه مجبوراً ك الريشة في مهب الريح، وعطلوا الأحكام الشرعية بحجة الجبر، وحكم العلماء على كلا الفريقين بالابتداع.

موقف أهل السنة من القدر وثمرات الإيمان به

يبيّن المقطع أن أهل السنة والجماعة سلكوا منهجاً وسطاً بين القدرية المعتزلة والجبرية، فأثبتوا للعبد مشيئة تابعة لمشيئة الله تعالى. ثم يستعرض ثمرات الإيمان بالقدر على منهج ابن عثيمين، ومنها تمام توحيد الربوبية، والفرق بين القدر والقضاء عند بعض العلماء، ووجوب صدق التوكل على الله وطمأنينة القلب بما قدره الله من خير وشر.

ختام الجلسة واستكمال الأدلة في الدرس القادم

تم إنهاء الجلسة بسبب ضيق الوقت، على أن يتم استكمال ذكر بقية الثمار والأدلة في الدرس القادم. وقد تم الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في منكري القدر. ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أن الذي قبله في سوء الظن بالله، والتقدم معنا أن من سوء الظن بالله عز وجل إنكار القدر، فهذا الباب كالتخصيص بعد التعميم. قال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: القدر هو سر الله في خلقه، ولا نعلمه إلا بعد وقوعه، ويتعلق بتوحيد الربوبية خصوصاً، وله تعلق بتوحيد الأسماء والصفات، فلذلك ذكره المؤلف في كتاب التوحيد. وهذا يرد على من يقول: إن المؤلف في كتاب التوحيد لم يذكر إلا توحيد الألوهية، بل ذكر في هذا الكتاب توحيد الألوهية وأكثر منه؛ لأن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يرد على أهل زمانه الذين أشركوا في هذا النوع من أنواع التوحيد. فنقول: أكثر الأبواب المذكورة في كتاب التوحيد تتعلق بتوحيد الألوهية، لكن لم يغفل المؤلف عن ذكر توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الأسماء والصفات. وهذا منه، وهذا منه. ومنكرو القدر في هذا الزمان على طائفتين: الطائفة الأولى: أولاهم، حيث أنكروا علم الله السابق، قالوا: الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، فأنكروا علم الله السابق. ولا شك أنه يلزم من قولهم هذا إنكار الكتابة؛ لأن القدر له أربع مراتب: العلم، والكتابة، والخلق، والمشيئة. فهؤلاء أنكروا العلم، ويلزم من ذلك إنكار الكتابة. قالوا: بأن الله لا يعلم بالأمر قبل حدوثه، وهو المراد بقولهم: "الأمر أنف"، كما سيأتي بيانه في حديث ابن عمر. ومعنى "أنف": أي مستأنف، بمعنى أنه أمر جديد من غير أن يكون سبق به علم من الله. وهؤلاء هم الذين قال فيهم ابن عمر -كما سيأتي-: "أخبرهم أني بريء منهم". فهؤلاء كفار، قد كفروا. لكن قال صاحب "تيسير العزيز الحميد": وهذا المذهب قد ترك اليوم، فلا يعرف من ينسب إليه من المتأخرين من أهل البدع المشهورين، وإنما كان هذا القول وهذه الطائفة في أول ظهور القدرية. هذه الطائفة الأولى من طوائف القدرية الذي أراد المؤلف أن يرد عليهم، وهم المقصودون بقوله: "ما جاء في منكري القدر". الطائفة الثانية: متأخرو القدرية، ومنهم المعتزلة. فهؤلاء أنكروا مرتبة المشيئة والخلق؛ لأننا قلنا: مراتب القدر أربعة، ومنها المشيئة والخلق. فهذه الطائفة الثانية زعموا أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله، وإنما العباد هم الخالقون لها. سبحان الله! يعني جعلوا خلق فعل العبد من تلقاء نفسه، هو الذي يخلق أفعاله. وهؤلاء سُمّوا عند السلف بـ "مجوس هذه الأمة"، بمجوس هذه الأمة. وردت بعض الآثار في ذلك. ما مناسبة إطلاق هذا اللقب عليهم: "مجوس هذه الأمة"؟ لأن المجوس، كما هو معلوم من اعتقادهم، يقولون: الكون له خالقان، خالق الخير وخالق الشر. هذا هو معتقد المجوس. وهؤلاء القدرية قالوا: بأن الله خلق العبد، والعبد خلق فعله، فأثبتوا خالقين: خالق للعبد وهو الله، وخالق لأفعال العبد وهو العبد. فهم في ذلك شابهوا المجوس. المجوس يقولون: يعني هناك خالقان، خالق للخير وخالق للشر. والقدرية هؤلاء يقولون: هناك خالقان، خالق للعبد وهو الله، وخالق لأفعال العبد وهو العبد. انظروا إلى الضلال! فهؤلاء حكم عليهم العلماء بأنهم مبتدعة؛ لأنهم متأولون، فلم يكفروهم، وإنما حكم عليهم بالابتداع. فهؤلاء هم القدرية منكري القدر، والطائفة الثانية هي المنتشرة بهذه الأزمان المتأخرة. وأما الجبرية، كما قال الشيخ ابن عثيمين ها هنا، فهم الذين أثبتوا القدر وغلوا فيه، غلواً في القدر، فسلبوا العبد اختياره وقدرته، وقالوا: ليس للإنسان اختيار ولا قدرة. أي أنكروا مشيئة العبد وإرادته. فزعموا أن الإنسان مجبور على فعله. هذا الجبرية يقولون: الإنسان مجبور على فعله، فهو كالريشة في مهب الريح، ليست له إرادة ولا مشيئة. فليس للعبد اختيار عندهم، فعطلوا الأحكام الشرعية احتجاجاً بالقدر. لماذا؟ كيف عطلوا الأحكام الشرعية؟ لأن من ترك الواجبات عندهم وارتكب المحرمات، فلا لوم عليه، فلا لوم عليه بناء على هذا المعتقد؛ لأن الإنسان مجبور. فكونه يترك الواجبات لا نلومه لأنه مجبور على هذا، وكونه يقع في المحرمات لا نلومه لأنه مجبور على فعل هذا المحرم، لا إرادة له ولا اختيار. وهذا كذلك مذهب ضال، ومذهب كذلك مبتدع، حكم عليه أهل العلم بأن من يقول به مبتدع. وأهل السنة وسط، جمعوا بين الأدلة ونظروا إليها بعينين مبصرتين، فسلكوا في طريقهم خير ملة، فآمنوا بقضاء الله وقدره، وأثبتوا للعبد مشيئة لكنها تابعة ومربوطة بمشيئة الله عز وجل. فالله سبحانه وتعالى أثبت للإنسان مشيئة لكنها تابعة لمشيئة الله، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. فهذه خلاصة ما يذكر في منكري القدر، وفي من خالف أيضاً في هذا الباب، وهم الجبرية أيضاً. فمعنا القدرية المعتزلة في طرف، ومعنا الجبرية في طرف نقيض آخر، ومعنا مذهب أهل السنة والجماعة وهو مذهب وسط بين الغالي والجافي، ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾. ثم ذكر الشيخ ابن عثيمين فوائد وثمار الإيمان بالقدر، بالقدر الذي يعتقده أهل السنة والجماعة بمراتبه الأربع. فمن آمن بالقدر حق الإيمان، فإنه يجني هذه الثمار العظيمة، منها: أنه من تمام توحيد الربوبية؛ لأنك تعلم أن ما من أمر يكون للعبد من خير أو شر إلا وخلقه الله وعلمه وشاءه سبحانه وتعالى وكتبه قبل أن يقع، قبل أن يقع. فهذا من تمام توحيد الربوبية، من تمام توحيد الربوبية. ومن فوائد الإيمان بالقضاء والقدر -وقولنا "القضاء والقدر" يعبر بذلك أهل العلم، ومنهم من لم يفرق، جعل القضاء والقدر من المترادف، ومنهم من فرق بينهما، فرق بين القضاء والقدر، فجعل القدر قبل وقوع الأمر، قبل وقوع الأمر يسمى القدر، وبعد وقوع الأمر يسمى القضاء. مثال ذلك: إنسان حصل مال، لكن قبل أن يحصل هذا المال فهذا قدر، قدر الله عز وجل له ذلك قبل وقوعه، فهذا قدر. فإذا وقع هذا الأمر فحصل هذا المال، فهذا يسمى قضاء؛ لأنه قد وقع. فما يقدره الله عز وجل إذا لم يقع بعد فهذا قدر، وإذا وقع فهذا قضاء. هكذا يفرق بعض أهل العلم، وبعضهم جعله من باب المترادف، من باب المترادف. وكذلك ذكر أن من ثمار وفوائد الإيمان بالقضاء والقدر: أنه يوجب صدق الاعتماد على الله. إذا أيقنت وعلمت أن الله عز وجل قد كتب عليك أو لك هذا الأمر قبل أن يقع، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسمائة عام أو نحو ذلك، فتكون مطمئناً ومعتمداً على الله عز وجل؛ لأنه هو الذي يقدر لك ما يصلك من خير أو من شر. وهذا معنى الإيمان بالقضاء أو بالقدر، خيره وشره. طيب، لانتهاء الوقت نقف إلى هنا، ونكمل بقية هذه الثمار للدرس القادم، مع ما بقي من أدلة تحت هذا الباب. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر