أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 189

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 189

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 189، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

التفريق بين الكفر العملي والاعتقادي في الأفعال المكفرة

يوضح هذا المحور أن أفعالاً كالسجود للصنم وسب الرسول تستلزم كفراً اعتقادياً بذهاب إخلاص القلب وانقياده، وليست مجرد كفر عملي أصغر. ويناقش إشكال إطلاق الكفر الأصغر على العملي، مبيناً مخالفة المؤلف للمرجئة بإثبات أن القول والعمل الكفري كفر بذاته مع استلزامه لفساد الاعتقاد.

أقسام الكفر بالقول والفعل والاعتقاد ورد الإرجاء

يبيّن المحور أن الكفر يثبت بالقول أو الفعل أو الاعتقاد كل على حدة دون اشتراط استلزام الكفر العملي لكفر قلبي، مستدلاً بإجماع العلماء على كفر من سب الله أو رسوله حتى لو كان مازحاً. ويؤكد أن المنافقين كفروا بأقوالهم رغم فساد اعتقادهم، رداً على قول المرجئة.

الكفر الأكبر والأصغر في الأعمال وموقف أهل السنة من الكفر العملي

يناقش المحور خلاف العلماء في المستهزئين بالدين وهل هم منافقون أم مؤمنون كفروا بفعلهم، موضحاً رأي ابن تيمية بأن الكفر العملي قد يكون أكبر مخرجاً من الملة دون اشتراط فساد الاعتقاد الباطني. ويعرض تعريف أهل السنة للإيمان بأنه قول وعمل بالقلب واللسان والجوارح مع أمثلة للأعمال المكفرة الظاهرة مستثنياً المكره.

عدم قبول عذر الهزل والغفلة في أفعال الكفر

يقرر المحور أن من ارتكب فعلاً ظاهره الكفر ثم ادعى الهزل أو الغفلة مع إقراره بالإيمان الباطني لا يُقبل عذره ولا ينفعه اعتذاره؛ لأن ظاهر العمل يدل على الكفر. ويؤكد أن هذا هو مذهب أهل السنة في هذه المسألة الدقيقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال التاسع والستون بعد المئة: إذا قيل لنا: هل السجود للصنم، والاستهانة بالكتاب، وسب الرسول، والهزل بالدين، ونحو ذلك، هذا كله من الكفر العملي فيما يظهر؟ فلما كان مخرجاً من الدين، وقد عرفتم الكفر الأصغر بالعملي، هذا إشكال أورده المؤلف في بيان تسميته بالشرك الأصغر، بالكفر العملي الذي لا يخرج من الملة. وهناك بعض الأعمال بمجرد عملها قد حكم أهل العلم عليها بالكفر الأكبر. أولاً: قبل الجواب على السؤال من قبل المؤلف، تقدم معنا أن إطلاق الشرك الأصغر بأنه من الكفر العملي هذا فيه نظر عند بعض أهل العلم؛ لأنه كما أورد في هذا الإشكال قال: أن بعض الأعمال هي من الكفر الأكبر وهي عمل، وهي عمل. لكن المؤلف هنا أجاب بأمر يتعلق بالاعتقاد، فقال: "اعلم أن هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العملي من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس"، يعني أنها في الظاهر هي من الكفر العملي، هذا في الظاهر، لكن هناك أمر يتعلق بالباطن عند فعل من يفعل هذه الأعمال، ما هو هذا الأمر الباطني؟ قال: "ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده، فلا يبقى أو لا يبقى معها شيء من ذلك، فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولابد". وليس معنى كلام المؤلف هذا أنه يحصر الكفر في الاعتقاد، لا، هذا مذهب المرجئة؛ عندهم الكفر ما في القلب، الكفر هو قول القلب، الكفر هو كذلك عند المرجئة بأنه التكذيب، تكذيب القلب، هذا هو الكفر عند المرجئة أنه التكذيب بالقلب. ما عبرنا عنه بقول القلب، فليس عند المرجئة عمل القلب من الخوف والرجاء والتعظيم، فهذا لا يرونه من الكفر، لا يرونه من الكفر لأنه عمل وليس اعتقاداً، إنما هو عمل القلب، فهم يحصرون الكفر في تكذيب القلب، في تكذيب القلب، وأما الأعمال فهم يرونها دليلاً فقط، دليلاً للكفر، والدليل مثل الشاهد، مثل الشاهد قد يصدق وقد لا يصدق، هذا هو مذهب المرجئة. والمؤلف ها هنا لا شك أنه خالف المرجئة، خالف المرجئة في أنه أثبت أن هذه الأعمال أن هذه الأعمال من الكفر، أن هذه الأعمال من الكفر، فجعل القول والعمل الكفري كفراً من حيث هو. لكن المؤلف يعلل ذلك، يعلل أن سبب وقوع من وقع في هذه الأعمال في الغالب أنه عن اعتقاد فاسد، أنه عن اعتقاد فاسد. ففرق بين التعليل وبين أن يقال: ليس كفراً وإنما دليل على الكفر. المرجئة يقولون: هذه الأعمال دليل على الكفر، دليل على الكفر. لكن المؤلف هنا ما يقول بهذا القول، وإنما المؤلف هنا ذكر أن هذا تعليل، يعني تكون هذه الأعمال في الغالب لاعتقاد فاسد في قلب فاعلها، في قلب فاعلها. هذا أمر. الأمر الثاني: أن المؤلف هنا جعل الاستلزام راجعاً إلى قول القلب وإلى عمله، فيلزم من العمل عنده اعتقاد القلب. نعم، وأيضاً هذا لا تقوله المرجئة، لا تقوله المرجئة؛ لأن المرجئة عندهم الكفر هو قول القلب فقط، أي تكذيب القلب فقط. فمن الظلم أن يرمى المؤلف بسبب هذه الكلمات أو بسبب هذا الجواب أنه قال بقول المرجئة. وهذا إشكال قد أشكل على بعض أهل العلم من أهل السنة، فرمى العلامة الألباني بالإرجاء أن له أقوالاً تشبه أقوال المؤلف ها هنا. فهل الشيخ الألباني يرى أن الإيمان فقط هو قول القلب حتى نرميه بالإرجاء؟ وإنما مراد العلماء من مثل هذه العبارات أن من وقع في شيء منها فهذا يستلزم منه أن قلبه قد امتلأ كفراً واعتقاداً فاسداً، واعتقاداً فاسداً، هذا من باب الإلزام، غريزة، من باب كذلك اليقين، أو من باب الاشتراط: أنه لا يكون كفر عملي إلا باعتقاد قلبي. ولذلك جاء عن جمع من أهل العلم أنهم حكموا على بعض الأعمال بالكفر وإن لم يكن اعتقاد صاحبها يعني فاسداً، واعتقاده غير الاعتقاد الصحيح. فمما ذكر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، يقول في كتابه "الصارم المسلول": وقد نقل إجماع أهل العلم، نقل إجماع العلماء على أن من سب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه كافر ظاهراً وباطناً، سواء أكان مستحلاً للسب أو كان معتقداً للتحريم أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، حتى لو كان ذاهلاً أو مازحاً، فكل هؤلاء يدخلون في الكفر الأكبر، وإن لم يكن مستحلاً لهذا الشيء. قيل له: أنت سبيت الرسول، معناه أنك غير معتقد برسالته، يقول: لا، استغفر الله، أنا بس عن ذهول أو عن استعجال قلت ذلك. وقال له: لا يعذرك هذا، فقد وقعت في الكفر، هذا بإجماع أهل العلم، بإجماع أهل العلم. فليس من الصواب أن يقال: أن من وقع في شيء من هذه الأعمال فلابد يستلزم من ذلك اعتقاد القلب، اعتقاد القلب، لا. وإنما مراد المؤلف هو الاستلزام، هو الاستلزام. نعم، وكما تقدم معنا: الأولى ألا يطلق هذا الإطلاق، فلا يقال: أن الشرك الأصغر هو الكفر العملي. لا، تقدم معنا أن الشرك الأصغر قد يكون عملياً، وقد يكون قولياً، وقد يكون كذلك لفظياً، ونحو ذلك مما تقدم معنا من أدلة وأمثلة. قال المؤلف: "ولم تكن هذه لتقع إلا من منافق مارد أو معاند مارد". يعني هذه الأفعال، هذا قلنا في الغالب ومن باب الاستلزام. قالوا: هل حمل المنافقين في غزو تبوك على ذلك أن قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد إسلامهم، وهموا بما لم ينالوا إلا ذلك، مع قولهم لما سئلوا: كنا نخوض ونلعب؟ يعني أن هؤلاء قالوا كلمة الكفر، وقيل في كلمة الكفر: هو قول عبد الله بن سلول: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، وقيل غير ذلك، فكفرهم الله عز وجل بهذه الكلمة. فحكم ربنا سبحانه وتعالى عليهم بالكفر بعمل قولي، ليس بالجوارح وإنما هو بالقول، مع أن المنافقين نعم اعتقادهم فاسد، اعتقادهم فاسد، وقلوبهم خاوية وخالية من الإيمان، وخالية من الإيمان. لكن أهل السنة يعتقدون أن الاعتقاد نفسه كفر، والعمل نفسه كفر، والقول نفسه كفر، فالحكم عندهم معلق بالسبب المكفر، سواء كان هذا السبب قولاً أو عملاً أو كذلك اعتقاداً أو اعتقاداً، فليس الأمر محصوراً أو مقصوراً على ما في القلب، بمعنى أن من فعل الكفر كفر بفعله، ومن قال الكفر كفر بقوله. فكما أن الكفر يكون بالاعتقاد، كذلك يكون بالقول، ويكون كذلك بالفعل. وهذا هو ظاهر النصوص. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، تذكر لهم قول، نعم قلوبهم كافرة، لكن كذلك أيضاً في الآية الأخرى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾، كما في هذه الآية، وكما في كذلك آية الاستهزاء: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وجمهور أهل العلم على أن الذين استهزأوا في هذه الآية هم المنافقون، هم المنافقون، لدلالة السياق على ذلك، فالسورة سورة التوبة، غالب ما فيها هو فضح المنافقين، وسياق الآيات فيها في ذكر فضائح المنافقين، فجمهور المفسرين على أن من استهزأوا هم المنافقون. وخالف بذلك بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال: هؤلاء كانوا مؤمنين وليسوا من المنافقين، فلما قالوا هذه الكلمة: "ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء"، كفروا بهذا الاستهزاء، كفروا بهذا الاستهزاء. قال: "ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعمل مطلقاً". شفوا هذا أيضاً مما يدل على أن المؤلف لم يرَ مثل ما ترى المرجئة، فهو ليس على إطلاقه يعرف الكفر الأصغر بالعمل مطلقاً. وهذا قلنا هو الصواب: أن لا يطلق لفظ الكفر العملي على الكفر الأصغر، لأن مما يدخل في الكفر الأصغر كذلك الكفر الأكبر. قال: "بل بالعمل المحض الذي لم يستلزم الاعتقاد"، يعني الكفر العملي الذي صاحبه قد فسد اعتقاده، ولم يناقض قول القلب ولا عمله، يعني لم يناقض هذا الاعتقاد قول القلب ولا عمله، فهو يثبت قول القلب ويثبت عمل القلب. أما المرجئة فلا يثبتون عمل القلب أصلاً، مثل أيش عمل القلب؟ يعني الأعمال التي يكون محلها القلب كَالخوف والرجاء والخشية ونحو ذلك والتعظيم ونحو ذلك. فأما أهل السنة فيرون أن الإيمان: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، وعمل الجوارح. هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، فالإيمان عندهم: قول باللسان، وعمل، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. فهذا هو رد المؤلف على هذا الإشكال. فيقال: إن من الأعمال الظاهرة ما تكون كفراً أكبر، ولا ينحصر الكفر الأصغر في الكفر العملي، لا، قد يكون من الكفر العملي ما هو كفر أكبر، ما هو كفر أكبر، كما مثل المؤلف في سؤاله بالسجود للصنم، بالسجود للصنم، هذا عمل فهو كفر. أما هل القلب يستلزم ذلك أو لا، فهذا أمر باطني، والغالب أن يكون نعم، هذا يستلزم ذلك، الغالب. ولكن قد يكون فعل ذلك مثلاً اضطراراً، كما قال الله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. فالمكره، نعم المكره، لا حرج عليه إذا قال مثلاً كلمة الكفر، أو عمل عملاً كفرياً وهو مكره على ذلك، لكن قلبه مطمئن بالإيمان، فهذا العمل ظاهره الكفر لكن لا نحكم على صاحبه بالكفر إذا علمنا إكراهه، إذا علمنا إكراهه. لكن إذا لم يكن مكرهاً، فأصل العمل يعد كفراً. وكذلك الاستهانة بالكتاب، من رفس الكتاب، أو بال على القرآن، أو كذلك وضعه في النجاسة، أو نحو ذلك، فهذا العمل كفر بالله عز وجل. وكذلك سب الرسول، والهزل بالدين، ونحو ذلك، وكل هذه أعمال يكفر صاحبها. وأما مسألة الاعتقاد فنعم، قد يستلزم هذا الفعل اعتقاد القلب، وأنه لم يؤمن بها، لكن إذا فعلها ثم قال: أنا فعلت ذلك هازلاً، أو فعلت ذلك ذاهلاً، وأنا لا أكفر بالقرآن في قلبي، ولا أعتقد ذلك، فهذا لا ينفعه، هذا لا ينفعه، الاعتذار لا ينفعه، لأن ظاهر هذا العمل الكفر. هذا ما بينه وفصله أهل السنة في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.