أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 206

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 206

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 206، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم التنجيم وأقسامه والأدلة الشرعية

يشرح هذا المحور أقسام التنجيم مميزاً بين علم التسيير المباح للاهتداء في البر والبحر، وعلم التأثير المحرم الذي ينسب للنجوم تأثيراً مستقلاً في الحوادث. ويستدل المحور بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تربط علم النجوم بالسحر لتحريم الاعتقاد في تأثيرها الغيبي.

علاقة علم النجوم بالسحر وحكم الحروف الأبجدية

يبين المحور أن علم النجوم يُعد من السحر لادعاء علم الغيب وتأثيره الباطل في النفوس، مستنداً إلى نهي ابن عباس عن كتابة الأبجد والنظر في النجوم لهذا الغرض. ويوضح جواز استعمال الحروف في التواريخ والحساب المعتاد دون استدلال غيبي أو تنجيم.

الحساب الجملي ومنافع النجوم الثلاثة عند قتادة

يستعرض المحور نظام الحساب الجملي (الأبجد) الذي استخدمه العرب لتأريخ الوفيات والأحداث عبر جمع القيم العددية للحروف مع أمثلة على وفاة الأئمة الأربعة. ثم ينقل أثر قتادة بن دعامة حاصراً منافع النجوم في ثلاث: زينة السماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات للاهتداء، محذراً من تأويلها لغير ذلك.

الرد على استدلال النجوم بالحوادث الأرضية

يرد المحور على من يزعم أن النجوم تدل على الحوادث الأرضية مؤكداً أن هذا القول خطأ وضلال لم يأت به كتاب ولا سنة. ويستند في الرد إلى أقوال ابن عباس وقتادة رحمهما الله المحذرة من هذا المسلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى في السؤال الثالث والثمانين بعد المئة: ما حكم التنجيم؟ وقد تقدم معنا ما هو التنجيم وما هي أقسامه، وأنه ينقسم إلى قسمين: علم تأثير وعلم تسيير. وعرفنا أنواع علم التأثير وما معنى هذه الأنواع، وعرفنا ما معنى علم التسيير. نشرع الآن في ذكر الأدلة التي ذكرها المؤلف، وما تقدم مقدمة يعيننا على فهم هذه الأدلة ووجه الاستدلال منها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الجواب. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. هذه الآية دليل على علم التسيير، فمن فوائد النجوم ومما خلق الله عز وجل من أجلها النجوم أنها سبب للاهتداء في ظلمات البر والبحر، وهذا أمر مشاهد يعرفه أهل الطرقات. فهذه النجوم يستدل بها على اتجاه الأماكن، ويستدل بها كذلك على الاهتداء إلى الطرق وكذلك السير ونحو ذلك. فهذه الآية كما تقدم فيها علم التسيير، وهذا قلنا لا حرج فيه، لا حرج فيه. وهكذا من الاهتداء بهذه النجوم الإضاءة، فإنها تضيء للمارة وللجادين في السير، تضيء لهم الطريق فيهتدوا إلى الأماكن التي يريدونها. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. وهذا أيضا فيه المعنى المتقدم، أي فيها دليل على علم التسيير. فمما خلق الله عز وجل هذه النجوم أنها مصابيح، مصابيح تضيء لأهل الأرض، وهذا أمر مشاهد ومعلوم، أحيانا خصوصا عند اجتداد ظلمة الليل، فلما تظهر أضواء تلك النجوم ترى على الأرض بهجة وإضاءة ونور، خصوصا القمر إذا اكتمل بدره، فتجد الضو كأنه نهار في بعض الأحيان، كأنه نهار. فهذا أيضا من فوائد هذه النجوم. وأيضا جعلها الله رجوما للشياطين، وقد تقدم معنا أن الشياطين تحاول أن تسترق السمع، فيصعد بعضها على بعض، فتأتي هذه النجوم فترجم الشياطين، ترجمها حتى تسقط وحتى تعجز عن استراق السمع. وقال تعالى: ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾. ووجه الاستدلال بهذه الآية فيها كذلك علم التأثير، بمعنى أن هذه النجوم هي مربوبة وهي مسخرة لله عز وجل، فكيف تجعل ندا من دون الله؟ فتجعل آلهة تعبد، أو كذلك لها تأثير على حوادث الأرض، أو أنها سبب لحوادث الأرض، وهي مسخرة من الذي يدبرها ومن الذي يسيرها ومن الذي يسخرها؟ إنه الخالق سبحانه وتعالى. فكيف مع هذا تعبد من دون الله وينسب إليها من أمور الألوهية أو من أمور الربوبية وهي مربوبة مسخرة لله سبحانه وتعالى؟ هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من اغتبس شعبة من النجوم فقد اغتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد». وهذا الحديث فيه علم النجوم المذموم، وهو علم التأثير، وهو علم التأثير. وإذا سأل سائل: لأن في هذا الحديث ربط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين علم النجوم وعلم السحر، بين علم النجوم وعلم السحر، فقال: «من اغتبس شعبة من النجوم فقد اغتبس شعبة من السحر». فما هو الرابط بين علم النجوم وعلم السحر؟ الرابط هو أنهما يجتمعان في أن كليهما فيه تأثير باطل على النفوس، فالسحر يؤثر على النفوس، وكذلك علم النجوم يؤثر على النفوس، وكل التأثيرين من التأثير على النفوس بالباطل. فالساحر لما يفرق بين المرء وزوجه، ولما يمرض ويهلك ونحو ذلك، فهذا لا شك أن فيه تأثير على هذا المسحور. وهكذا علم النجوم، علم النجوم فيه تأثير باطل على النفوس، فتظن هذه النفوس أن هذا المرض بسبب هذا النجم، أو هذا الشر بسبب هذا النجم، أو هذا الخير بسبب هذا النجم، ففيه تأثير بباطل على هذه النفوس. فلما اجتمع السحر مع علم النجوم في هذه الحيثية قرنه النبي صلى الله عليه وسلم به. وقوله: «زاد ما زاد»، أي كل ما زاد من تعلم علم النجوم زاد من تعلم السحر. من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر. وأيضا وجه آخر يربط به بين علم النجوم وعلم السحر، وهو أن علم السحر يدعى فيه علم الغيب، وكذلك علم النجوم يدعى فيه علم الغيب. فهذا السحر يدعى أنه يعلم بعض الأمور المستقبلة أو بعض الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله، فلذلك ربط بعلم النجوم الذي فيه كذلك شيء من علم الغيب، من علم الغيب، فيقال: هذا النجم سيكون سببا لكذا وكذا، سيكون سببا لكذا وكذا، أي في المستقبل، فهو يدعي هذا المنجم علم الغيب. وكما تقدم معنا أن علم التنجيم، علم التنجيم الذي هو التأثير، علم التأثير هو الاستدلال على الأحوال الأرضية بالأحوال الفلكية عن طريق حركات الأفلاك والنجوم، ومعرفة علم الغيب من خلالها، معرفة علم الغيب من خلالها. فهذا هو الربط بين علم النجوم وعلم السحر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم والتكذيب بالقدر وحيف الأئمة». هذا الحديث ضعيف جدا ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، في محمد بن قاسم الأسدي وهو ضعيف جدا. وقوله: «إنما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم»، هذا لا شك أنه من أعظم العظائم ومن أكبر الكبائر، لأنه يتعلق بعلم الغيب الذي اختص به ربنا سبحانه وتعالى، لكن لا يصح بهذا اللفظ. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوم يكتبون أبجد وينظرون في النجوم: «ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق»، يعني من أجر ومن ثواب يوم القيامة. والحديث أو هذا الأثر أثر صحيح، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، وأخرجه كذلك البيهقي. ومعنى قول ابن عباس في قوم يكتبون أبجد: يريد به الأحرف المشهورة عند العرب، وهي: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ. وهذه تسمى حروف أبجد، حروف أبجد، رتبوها الثمانية والعشرين حرفا. هذا الترتيب، هذا الترتيب. استخدام هذه الحروف يستخدمه العرب على استخدامين، على استخدامين: الاستخدام الأول هو الاستخدام المحرم الذي هو بمعنى التنجيم، بمعنى التنجيم. وكيف هذا الاستخدام؟ هذا الاستخدام أنهم يضعون ويستخدمون لمعرفة الأمور المستقبلة شيء من هذه الحروف، ويربطونها بالنجوم، يربطونها بالنجوم. فمثلا يقولون: إذا وافق هذا الحرف نجم كذا فسيحصل كذا وكذا، وهكذا. هذا معنى قول ابن عباس: في قوم يكتبون أبجد وينظرون في النجوم، يعني يربطون بين هذه الأحرف وبين النجوم، فيستدلون بهذا الربط بين الأحرف والنجوم على دعوى علم الغيب، على دعوى علم الغيب. فهذا الاستخدام لهذه الحروف محرم لأنه بمعنى التنجيم. والعرب كذلك قد تستخدم هذه الحروف استخداما مباحا لا حرج فيه، وهو الاستخدام لوضع التواريخ والحساب. نعم، ولا يستدل بها على الأمور الغيبية. فهذه الحروف جعل العرب لكل حرف منها عددا معينا. فمثلا من حرف الهمزة في أبجد إلى الطاء في حطي جعلوها بالترتيب من واحد إلى تسعة، يعني الألف واحد، الباء اثنان، الجيم ثلاثة، الدال أربعة، الهاء خمسة، الواو ستة، الزاي سبعة، الحاء ثمانية، والطاء تسعة. فيجعلون هذه كل حرف يقابل عددا معينا. ثم جعلوا من الياء في حطي إلى الصاد في سعفص جعلوها من عشرة، يعني عشرة مثلا الياء عشرة، والكاف عشرون، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والنون خمسون، والسين ستون، والعين سبعون، والفاء ثمانون، والصاد تسعون. جعلوا هذا إلى تسعين. ثم جعلوا من القاف إلى آخر شيء وهو الغين من مئة، يعني مئة، مئتان، ثلاثمئة. فجعلوا مثلا القاف مئة، في قرشت القاف مئة، والراء مئتان، والشين ثلاثمئة، والتاء أربعمئة، والثاء خمسمئة، والخاء ستمئة، والذال سبعمئة، والضاد ثمانمئة، والظاء تسعمئة، والغين ألف. هكذا رتبوها. فإذا أرادوا مثلا الحساب يذكرون أحرفا توافق هذه الأعداد فيجمعونها، فيجمعونها. مثال ذلك: مثلا ذكروا بيتا من الشعر فيه وفاة الأئمة الأربعة: الشافعي وأحمد ومالك وأبو حنيفة، متى مات كل واحد؟ فجعل الشاعر في هذا البيت جمع الأعداد، أعداد هذه الحروف، سنة وفاة كل إمام من الأئمة، سنة وفاة كل إمام من الأئمة. فقال هذا الشاعر: «فنعمانهم عف، وقطع لمالك، وللشافعي در، ورام لابن حنبلي». يعني جعل عف هذا سنة وفاة أبو حنيفة، نعمانه، من مراد به أبو حنيفة، فعف هنا العين والفاء، العين والفاء، العين يساوي الرقم سبعين، والفاء يساوي الرقم ثمانين، اجمع السبعين مع الثمانين كم تساوي؟ مئة وخمسين. إذن مات أبو حنيفة في سنة مئة وخمسين للهجرة، مئة وخمسين للهجرة. ثم قطع، هذا الإمام قال هنا: «وقطع لمالك»، هذا الإمام مالك، فتجمع ما يقابل من الأعداد: القاف والطاء والعين، القاف يقابل المئة، والطاء يقابل التسعة، اجمع مئة زائد التسعة يساوي مئة وتسعة. طيب، العين يقابل السبعين، فاجمع مئة وتسعة وسبعين يساوي مئة وتسعة وسبعين. هذا مئة وتسعة وسبعون وفاة الإمام مالك، وفاة الإمام مالك. طيب تنتقل إلى الشافعي: در، يعني دال وراء، الدال يقابل الأربعة، والراء يقابل المئتين، إذن مات الإمام الشافعي سنة مئتين وأربعة. رام: هذا فيه الراء والألف والهمزة والميم، فتجمع المئتين لتقابل الراء، والواحد ليقابل الألف، والأربعين الذي يقابل الميم، فيساوي مئتين وواحد وأربعين. يعني مات الإمام أحمد في سنة مئتين وواحد وأربعين. هكذا يحسب العرب بهذه الأحرف. فهذا لا بأس به، هذا لا بأس به لمعرفة وفيات أو مواليد أو سنوات حوادث معينة أو نحو ذلك بهذه الحروف. نعم. وقال قتادة رحمه الله تعالى: «خلق الله هذه النجوم لثلاث: علامات، وزينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به». وهذا الأثر صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه معلقا، ووصله في الفتح بإسناد صحيح كما ذكر المعلق. ووجه الشاهد من هذا الأثر أن من منافع وفوائد هذه النجوم هذه الثلاث، هذه الثلاث: وهي زينة للسماء، ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ كما مر معنا، ورجوما للشياطين، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. وهكذا قوله في الآيات المتقدمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. فالآيات المتقدمة تدل على هذا الأثر وعلى معنى هذا الأثر. فمن زاد في منافعها تأول، يعني فسر، فائدة هذه النجوم بغير هذه الثلاثة، وزاد على هذه الثلاثة، فقد أخطأ حظه، وهو يرد على أهل التنجيم الذين جعلوا من فوائد هذه النجوم ادعاء علم الغيب، ادعاء علم الغيب، أو أن لها تأثيرا على حوادث الأرض. هل هذا ورد في القرآن وورد في السنة حتى يأتي آتٍ ويدعي هذا؟ فمن ادعى هذا فقد أخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، لأنه لم يأت لنا في علم الكتاب والسنة أن هذه النجوم يستدل بها على الحوادث الأرضية. هذا هو معنى كلام ابن عباس، أو كلام قتادة رحمه الله تعالى رحمة واسعة. بهذا نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم.