الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 215، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
الصبر على المصائب كالهم والحزن والمرض والشوكة مع احتساب الأجر يكفر الذنوب، كما ورد في حديث أبي هريرة. وإقامة الحد الشرعي على مرتكب الكبيرة كالزنا وشرب الخمر تكفر عنه ذنبه، مستنداً إلى حديث البيعة.
الأعمال الصالحة تكفر الكبائر إذا صاحبها محبة وصدق ويقين تام، كما في قصة البغي التي سقت كلباً فغفر الله لها. ابن تيمية يؤكد أن المغفرة مشروطة بما في القلب لا بمجرد الفعل الظاهري.
الحج المبرور الخالي من الرفث والفسوق يكفر الذنوب كلها صغائرها وكبائرها، فيرجع الحاج كيوم ولدته أمه. أهل السنة يقررون أن كل وعيد بالعقوبة مشروط بعدم التوبة قبل الموت، فمن تاب توبة نصوحاً سقط عنه الوعيد.
أهل السنة يقررون قاعدة الإيمان في مكفرات الذنب رداً على المبتدعة المبالغين في الوعيد، ويذكرون أهم المكفرات المتفق عليها. ويختتم الدرس بالاكتفاء بما ذُكر وتفويض العلم لله تعالى.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين. وبعد، تتمةً لما سبق من ذكر المؤلف رحمه الله تعالى لبعض مكفرات الذنوب، سواء كانت صغائر أو كبائر، فقد ذكر رحمه الله تعالى اجتناب الكبائر، وعمل الحسنات، والتوبة. وهناك كذلك بعض المكفرات التي بها تكفر الذنوب، خصوصًا الصغائر. فمما ذكره أهل العلم كذلك من مكفرات الذنوب -وهذا أيضًا من باب التتمة-: المصائب، إذا صبر الإنسان عليها واحتسب، فإنها من مكفرات الذنوب. وقد جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يصيب المسلم همٌّ ولا حزنٌ ولا نصبٌ ولا وصبٌ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه من خطاياه». فكل هذه مصائب: الهموم، والأحزان، والتعب، والمرض، حتى الشوكة إذا شاكتك في رجلك مثلًا، فإنها تؤلمك وتتأذى منها، فإذا صبرت على ذلك واحتسبت الأجر من الله، كان هذا الاحتساب والصبر سببًا لتكفير الخطايا. وكذلك من مكفرات الذنوب التي ذكرها أهل العلم: إقامة الحد فيمن ارتكب ذنبًا يستوجب حدًا، فإن الحدود كذلك تكون سببًا بإذن الله سبحانه وتعالى في تكفير الذنوب. وقد جاءت بعض الأدلة التي تدل على ذلك، فمن ذلك ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له». إيش معنا عوقب في الدنيا؟ يعني: أقيم عليه حد مما يستوجب الحد، كشرب الخمر مثلًا، والزنا، ونحو ذلك. فهذا إذا عوقب به بالحد فهو كفارة له. قال: «ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه». فهذه أيضًا من مكفرات الذنوب. كذلك هنا مسألة مهمة يذكرها أهل العلم، وهي: أن الأعمال الصالحة قد تكفر الكبائر إذا اقترن بها محبة وصدق ويقين تام أثناء أداء هذه العبادة. وإن كان هذا العمل الصالح في الأصل أنه يكفر الصغائر، لكن إذا اقترن بهذا العمل الصالح المحبة والصدق واليقين، فلربما بسبب هذه الأوصاف يكون هذا العمل سببًا لتكفير الكبائر أيضًا. استدل أهل العلم على هذا الأمر بالمرأة التي سقت كلبًا، وهي بغي من بغايا بني إسرائيل، يعني: زانية. فرأت كلبًا يلهث عطشًا، فأخرجت موقها -أي خفها- ونزلت إلى البئر، فملأت هذا الخف وسقت هذا الكلب، فشكر الله لها فغفر لها. والحديث في الصحيحين. ولا شك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فغفر لها»، أي: غفر لها ما جاء وصفه في هذا الحديث أنها بغي من بغايا بني إسرائيل، والزنا ليس من الصغائر وإنما هو من الكبائر. ومع هذا، بسبب هذا العمل غفر لها. لماذا؟ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، كما في كتابه "المنهاج" تعليقًا على هذا الحديث: «وهذه المرأة قام في قلبها من المحبة والصدق واليقين ما جعل هذه الحسنة مكفرة لكبيرتها، وإلا فليس كل زانية سقت كلبًا غفر لها، أو غفر لها كبيرتها». سمعنا هذا: أن أي زانية، أي شارب خمر، أي فاسق يسقي كلبًا يغفر له هذه الكبيرة؟ وإنما اشتراط ذلك بما يكون في القلب من الصدق والمحبة واليقين، فحمل فعل هذه المرأة على أن هذه المعاني كانت متحققة في قلبها، فنالت مغفرة ذنبها. نعم، وأيضًا ذكر أهل العلم مما يكون سببًا لتكفير الذنوب: إذا أدى الإنسان العبادة كاملة على أحسن الوجه، أتم هذه العبادة على أحسن وجوهها، فقد تكون هذه العبادة كذلك سببًا لتكفير الكبائر. واستدل أهل العلم على ذلك بما جاء في الصحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، كيوم ولدته أمه». وقد قرر العلماء أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» أن هذا يشمل الصغائر والكبائر. بدليل أن الإنسان متى ينطبق عليه هذا الوصف؟ يعني: الإنسان إذا خرج من بطن أمه، هل عليه ذنوب صغائر أو كبائر؟ ما عليه شيء من الذنوب. إذن، إذا حج وأتى بهذا الحج على وجه الكمال والتمام كما جاء في الحديث، فلم يرفث ولم يفسق، أي: أتى بهذا الحج على أتمه وأكمله، فلم يأتِ بما ينقصه، فهنا يرجع من الحج كيوم ولدته أمه، أي: ليست عليه خطيئة. وهذا من فضائل الحج، سواء كان الفريضة أو النافلة. فهذا يدل على هذا المعنى: حمل العلماء هذا الحديث على العبادة التي يؤديها العبد على أحسن وجه، بكمالها وتمامها. وهنا أيضًا فائدة أخرى تتعلق بالتوبة، وهي متعلقة بالدرس الماضي: وهو أن أهل السنة والجماعة يقررون أن كل وعيد للعصاة فإنه مشروط بعدم التوبة. هذه قاعدة عند أهل السنة، نشرحها: ما معنى هذا؟ أهل السنة والجماعة يقررون أن كل وعيد للعصاة فإنه مشروط بعدم التوبة. يعني: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، هذا لمن لقي الله وهو لا يزال على الذنب، ما تاب منه. أما من تاب من الذنب في الدنيا، فإن الوعيد منتفٍ عنه. جاء وعيد مثلًا بعقوبة من زنى، أو من سرق، هذا في حق من مات ولم يتوب منه. فهذا هو الذي متوعد بهذه العقوبة. أما من كان فاعلًا لهذا الذنب ثم تاب قبل موته توبة نصوحًا، فلا تشمله تلك، ولا يشمله ذلكم الوعيد. فهذه قاعدة من قواعد الإيمان، ويقرر أهل السنة هذه القاعدة ردًا على أهل البدع والضلال، الذين يغلون في باب الوعيد. فهذا خلاصة ما ذكر أهل العلم من مكفرات الذنب، وهناك مكفرات كثيرة، لكن حسبنا ما ذكرنا، فهي أهمها وهي كذلك أبرزها. فنكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.