الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 222، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
قسم المؤلف الموحدين المصرين على الكبائر إلى ثلاث طبقات حسب رجحان الحسنات أو السيئات أو تساويهما، مبيناً مصير كل طبقة من دخول الجنة مباشرة أو الوقوف على الأعراف أو دخول النار بقدر الذنوب. وتناول بالتفصيل الطبقة الثالثة التي رجحت سيئاتهم مشيراً إلى شمولهم بشفاعة النبي والأنبياء والأولياء والملائكة سواء قبل دخول النار أو بعدها.
يشرح المقطع كيفيّة شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل النار حيث يسجد تحت العرش ويستأذن في إخراج من في قلوبهم مثقال ذرة من إيمان فيخرجون بعد تعذيبهم وتحولهم إلى فحم. ويؤكد أن لا مخلد في النار من مات على التوحيد وأن العذاب يتفاوت بحسب قدر الذنب وقوة الإيمان محذراً من الاستهانة بعذاب النار.
يبيّن المقطع اختلاف الفرق في مصير مرتكب الكبيرة ف الخوارج والمعتزلة يخلدونه في النار والمرجئة تمنع دخوله النار مطلقاً بينما أهل السنة يتبنون القول الوسط بأنه تحت مشيئة الله. وهذا هو هدي الأمة الوسط في إنفاذ الوعيد والرجاء معاً دون إفراط ولا تفريط.
يذكر المتحدث أن المرجئة وقعوا في التفريط برأيهم أن العاصي لا يعذب وأن آيات الوعيد مختصة بالكفار فقط وهو قول يخالف النصوص الشرعية الصريحة. ويبين أن أهل السنة اتبعوا الطريق الوسط في هذه المسألة مثبتين الوعيد للموحدين العاصين مع عدم تكفيرهم ولا تخليدهم.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد، تتمة أهل السؤال الرابع والتسعين بعد المئة في حكم من مات من الموحدين مصراً على كبيرة. وقد قسم المؤلف هؤلاء إلى ثلاث طبقات: الأولى قوم ترجحت حسناتهم بسيئاتهم، والطبقة الثانية قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، والطبقة الثالثة قوم لقوا الله مصرين على الكبائر والفواحش ومعهم أصل التوحيد والإيمان، فرجحت سيئاتهم على حسناتهم. فتكلم المؤلف عن حكم كل طبقة من هذه الطبقات: فالأولى يدخلون الجنة ولا تمسهم النار أبداً، والثانية يوقفون على الأعراف مدة الله أعلم بها ثم يدخلهم ربهم سبحانه وتعالى برحمته الجنة، وأما الطبقة الثالثة فإنهم يدخلون النار بقدر ذنوبهم. قال وهو يفصل في الطبقة الثالثة لأن السؤال متوجه إليهم: قال وهذه الطبقة هم الذين يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولغيره من بعده من الأنبياء والأولياء والملائكة ومن شاء الله أن يكرمه، فهؤلاء تنالهم شفاعة الشافعين. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «شفاعة لأمتي من أهل الكبائر يوم القيامة» أو «شفاعة لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة». فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم، وشفاعته أعظم الشفاعات عليه الصلاة والسلام كما سيأتي معنا، وقد مر معنا في باب الشفاعة فيما تقدم. ثم يشفع الأنبياء والأولياء والملائكة ومن شاء الله أن يكرمه من الشهداء ونحوهم. مع التنبيه أنه يضاف إلى هذه الشفاعة في أهل الكبائر الذين استحقوا النار هؤلاء المصرون الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم: منهم من تدركه الشفاعة قبل أن يدخل النار، استحق النار لكن يأتي الشفعاء فيشفع له عند الله عز وجل أن لا يدخل النار، فيشفعهم الله سبحانه وتعالى فيه. فإذن دخول النار قد يكون، والشفاعة قد تكون قبل دخول النار، وقد تكون بعد دخول النار، وكلاهما ثابت في الأحاديث الصحيحة. فالمؤلف هنا نبه على الشفاعة التي تكون بعد دخول النار، ومعنى ذلك أن هذا الذي في النار يستحق العذاب فترة أطول، فيأتي الشفعاء فيشفع له فيخرج من النار، ولم يستوفِ المدة التي يستحق أن يعذب فيها في النار، فهذا معنى الشفاعة لمن استحق دخول النار ودخلها، فيشفع له فيخفف عنه المكوت في النار. قال: «فيحد لهم حداً فيخرجونهم، ثم يحد لهم حداً فيخرجونهم»، وهكذا فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن برة من خير، إلى أن يخرجوا منها من في قلبه وزن ذرة من خير، إلى أدنى من إثقال ذرة، إلى أن يقول الشفعاء: «ربنا لم نذر فيها خيراً». وقوله: «فيحد لهم حداً» يعني أن الله عز وجل يحد للشفعاء عدداً معيناً أو صفات معينة من أهل النار الذين دخلوها، حتى يخرجهم الشفعاء من هذه النار. وهذا المعنى الذي ذكره المؤلف قد جاء معناه في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إنه يأتي في يوم القيامة فيسجد تحت العرش، ويحمد الله بمحامد يفتحها ربه سبحانه وتعالى عليه، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فيحد الله له حداً يخرجهم من النار». وهذه الشفاعة وهذا السجود تحت العرش هو غير الشفاعة الكبرى، فمن شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم الذي تقدم معنا في باب الشفاعة أنه يشفع الشفاعة الكبرى في أهل الموقف، لما يذهبون إلى آدم وإلى إبراهيم وإلى موسى وإلى نوح، وكلهم يقول: «نفسي نفسي، اذهبوا عند غيري»، فلما يأتون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيذهب ويسجد عند العرش، هذا حديث آخر، وهذا الذي معنا حديث آخر، هذا في الشفاعة لأهل النار أن يخرجوا منها. فلما يسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويحمد الله بمحمدة يفتحها الله سبحانه وتعالى عليه، يقال له: «ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع»، فيعود عليه الصلاة والسلام المرة الثانية فيقول مثل المرة الأولى، ثم يرد عليه بمثل المرة الأولى، ثم يحد له حداً يخرجهم من النار، ثم يعود المرة الثالثة ويقول مثل ما قال في المرة الأولى والثانية، فيرد عليه بمثل ما قيل له في الأولى والثانية، ثم يحد له حداً يخرجهم من النار، ثم يعود الرابعة فيقول: «يا رب ما بقي إلا من حقت عليه كلمة العذاب». وهذا معنى قول المؤلف: «ربنا لم نذر فيها خيراً»، أي لم يكن في النار إلا المشركون الذين لم يكن معهم أصل التوحيد، لم يكن معهم أصل التوحيد، أي ما بقي إلا أهل الخلود في النار، ما بقي إلا أهل الخلود في النار. فكل من في قلبه ولو مثقال ذرة من إيمان فإنه يخرج من النار. وليس معنى هذا أيها الإخوة أن الإنسان يستهين بأمر الدخول إلى النار، فالنار عذابها شديد، وعلمتم حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة من أهل النار، فيغمس غمسة واحدة في النار، ثم يقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ هل مر بك نعيماً قط؟ فيقول: لا يا رب، ما رأيت نعيماً قط، وما مر بي نعيماً قط، وما مر بي نعيم قط». فانظروا يا عباد الله إلى عذاب النار، عاذنا الله وإياكم منها، فلا يستهين العبد بالكبائر، فإن أمر النار ليس بالأمر الهين كما تعلمون. قال: «ولن يخلد في النار». وقوله هنا أيضاً: «فيخرجون منها من في قلبه وزن ذرة» إلى آخر ما ذكر، هذا أيضاً جاء فيه حديث في صحيح مسلم: أن هؤلاء العصاة يعذبون فيها ما شاء الله أن يعذبوا، ثم يخرجون منها، ثم يخرجون منها. وجاء أيضاً أنهم يخرجون منها وقد امتحشوا، ومعنى امتحشوا: أي أصبحوا مثل الفحم، أصبحوا مثل الفحم. ثم في الحديث: «ثم يدخلون الجنة، ويلقون على نهر في الجنة، يقال له نهر الحياة، ثم يفيض عليهم أهل الجنة من هذا النهر، ويسميهم أهل الجنة بالجهنميين نسبة إلى الدار التي كانوا فيها، التي كانوا فيها». فانظر، يخرجون مثل الفحم من شدة العذاب، من شدة العذاب، لكن لما كان عندهم أصل التوحيد لم يخلدوا في النار. قال: «ولن يخلد في النار أحد ممن مات على التوحيد ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيماناً وأخف ذنباً كان أخف عذاباً في النار وأقل مكثاً فيها وأسرع خروجاً منها، وكل من كان أعظم ذنباً وأضعف إيماناً كان بضد ذلك». أي العبرة بالعمل، العبرة بأيش؟ بالعمل. فمن دخل إلى النار يعذب بقدر ذنبه، يعذب بقدر ذنبه. فمن يدخل نار يعني يكونون متفاوتين في العذاب، يكونون متفاوتين في العذاب، فمنهم من يكون العذاب في حقه أخف، لماذا؟ لأن ذنبه أخف، ومنهم من يكون العذاب في حقه أعظم وأكبر لكبر ذنبه ولعظم ذنبه. فهذا معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى. ثم قال: «والأحاديث في هذا الباب لا تحصى كثرة»، أي أنها كثيرة وليست حديثاً ولا حديثين. قال: «وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: من قال لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر، يصيبه قبل ذلك ما أصابه». يعني يصيبه في النار ما أصابه، فمصيره إلى الخروج منها، وهذا هو نفع هذه الكلمة: «نفعته يوماً من الدهر». وليس معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله» مجرد قولها باللسان، وإنما تحمل على ما جاء في بعض الأحاديث المقيدة بالصدق والإخلاص والعلم والانقياد والقبول ونحو ذلك مما تقتضيه هذه الكلمة. قال: «وهذا مقام ضلت فيه الأفهام وزلت فيه الأقدام، واختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». أي أن الله عز وجل هدى أهل السنة إلى القول الوسط العدل الخيار في هذه المسألة وفي غيرها من مسائل الدين. وفي هذه المسألة كما ذكر: ضلت فيه الأفهام وزلت فيه الأقدام، فأهل الأهواء في هذه المسألة بين طرفين، وأهل السنة وسط، وأهل السنة وسط. فأما الفرق التي ضلت، الطرف الأول هم الخوارج والمعتزلة، فالخوارج والمعتزلة يرون أن مرتكب الكبيرة في يوم القيامة خالد مخلد في النار، وينكرون الشفاعة، وينكرون خروج الموحدين من النار، فيرون أن صاحب الكبيرة إذا لقي الله عز وجل بها خالد مخلد في النار. وهذه مخالفة صريحة للأدلة المتقدمة في أحاديث الشفاعة وفي غيرها من الأحاديث. وأما في الدنيا فالمعتزلة يتفلسفون ويقولون: إن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، يعني ليس بمؤمن وليس بكافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين. لكن أهل السنة يقولون: أن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن لكنه ناقص الإيمان، كلام واضح بين، يعني مفهوم. أما منزلة بين المنزلتين، ما هي هذه المنزلة التي بين المنزلتين؟ كيف لا يكون كافراً ولا يكون مؤمناً؟ كيف لا يكون كافراً ولا مؤمناً؟ هذا فلسفة وهذا كلام لا يفهم. فأهل السنة يرون أن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن لكنه ناقص الإيمان. وأما الخوارج فيرَوْن أن مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد مخلد في النار، وفي الدنيا كافر. الخوارج عندهم من ارتكب كبيرة في الدنيا فهو كافر، وقد تقدم معنى الرد عليهم بأدلة كثيرة في سؤال سابق. وأما أهل السنة فكما تقدم في مذهبهم وهو مذهب الحق: أن مرتكب الكبيرة في الآخرة تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له فلا يدخل النار، وإن شاء الله عذبه بقدر ذنبه ولا يخلد في النار، ولا يخلد في النار. فهدى الله سبحانه وتعالى الذين آمنوا إلى هذا القول الوسط، وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾، في كل شيء وسط، في العقائد وفي الأخلاق وفي المعاملات وفي السلوك والمنهاج وفي كل شيء، ومن ذلك في هذه المسألة، في هذه المسألة. هذا طرف الخوارج والمعتزلة. طرف آخر أيضاً ضل في هذه المسألة وهو على النقيض من مذهب الخوارج والمعتزلة، وهم المرجئة. المرجئة يرون، المرجئة الوعيدية يرون أن الوعيد لا ينال العصاة، لا ينال العصاة ما جاء في عذاب النار، وفي كذلك ما يكون يوم القيامة من العرصات ونحو ذلك، يقولون: أن هذه الأمور التي جاء فيها الوعيد لا ينال العصاة أهل الكبائر، وإنما هو مختص بالكفار، مختص بالكفار. فعندهم أن المؤمن لا يدخل النار ولو كان عنده كبائر، لا يدخل النار، يدخل كل مؤمن يدخل الجنة ابتداء، هذا عند المرجئة. وهم على النقيض، أولئك وقعوا في الإفراط وهؤلاء وقعوا في التفريط، المرجئة وقعت في التفريط، فهم يرون أن العاصي لا يناله عذاب الله، وإنما ما جاء من آيات في الوعيد من دخول النار ونحو ذلك إنما هو مختص بالكفار، إنما هو مختص بالكفار. وهذا لشك أنه يخالف النصوص الشرعية. فهدى الله أهل السنة إلى القول الوسط كما قررنا ذلك في هذا السؤال. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.